نجنب تحدي المعتقدات الجوهرية: وسائل الإقناع

إعداد: آني نيماند، لورين غريفين، تروي كامبل

 

تم النشر 21 يونيو 2021

في قطاعيّ التغيير العام والاجتماعي، تمتلك العديد من المنظَّمات غير الربحية والمؤسَّسات والناشطين ومحترفي التواصل مجموعةً تقليديةً من التكتيكات للإقناع بما لا يتعارض مع المعتقدات الجوهرية للأشخاص؛ حيث يسخِّرون هذه التكتيكات لمخاطبة أصحاب المصالح والجماهير الذين يمكنهم دفع عجلة التغيير في القضايا التي تهمهم.

تسخِّر إحدى الأدوات الرئيسية من هذه المجموعة، الحقائق والبيانات لبناء الحجج وإبلاغ القصص التي تدعم القضية؛ وهذا تفكير ذكي؛ حيث يخبرنا العلم أن القصص أساسية لتوليد شعور التعاطف مع الأشخاص الأكثر تأثُّراً بقضية ما؛ لكن بينما ندخل إلى ما يراه الكثيرون عالماً «يتجاوز الحقائق»؛ حيث تغلب فيه العاطفة والمعتقدات الشخصية على الحقائق المنطقية في تشكيل الرأي العام، فقد لا تكون هذه التكتيكات التي يُلجَأ إليها عادةً كافية، فقد زاد انقسام الناس في كيفية رؤيتهم للعالم، لذا أصبح من المهم الآن أكثر من أي وقت مضى، أن تخاطب مؤسَّسات القطاع الاجتماعي الأشخاص الذين لديهم رؤية خاصة للعالم، وبما أن وجهات النظر هذه تميل إلى مقاومة التغيير، فقد حان الوقت لتحديث مجموعة تكتيكات الإقناع؛ باستخدام أرفع العلوم السلوكية والاجتماعية والإدراكية.

كل شخص يؤمن بمجموعة من المعتقدات الجوهرية؛ والتي تؤثِّر على نظرته لنفسه، وفهم موقعه من العالم، وتحديد الصواب والخطأ، وإن هذه معتقدات مكتسَبة اجتماعياً من جماعاتنا الاجتماعية المختلفة؛ مثل العائلة والأصدقاء والزملاء والانتماءات الدينية والأحزاب السياسية، فعلى سبيل المثال؛ قد يلتزم بعض الناس التزاماً راسخاً بالسوق الحرة أو الأيديولوجية العصامية، أو يعدّون أنفسهم مناصرين يناضلون لتحقيق العدالة؛ من خلال الاستثمار في البرامج الاجتماعية؛ تصوغ هذه المعتقدات الجوهرية طريقة رؤية الناس للعالم وتأويلهم له.

وعلى نحو مماثل؛ لقد احترفنا تجاهل أية معلومات جديدة تخالف معتقداتنا، لأن المعلومات الجديدة التي تتحدى معتقداتنا قد تهدد الطريقة التي نرى بها العالم، لذا من المرجّح أن تُنفِّر استراتيجية تعليم الناس العتيقة لصنع التغيير بعض الأشخاص، وتضعهم في موقف دفاعي، ما لم تُقدَّم بطريقة نتجنّب بها تحدّي المعتقدات الجوهرية. 

بصفتنا باحثين ندرس علم التغيير الاجتماعي؛ نقدِّم بعض الاقتراحات لمؤسَّسات القطاع الاجتماعي تساعدها في تجاوز هذه العقبات.

لا تمسّ المعتقدات الجوهرية، ولا تكتفِ بعرض الحقائق فقط

 يُعَدّ جمع الحقائق والإحصائيات للتعرف على المشكلة المطروحة نقطةً منطقيةً بما يكفي للبدء في تحريك الناس، ففي الواقع؛ يمكن أن يساهم التعليم في تحفيز الناس على التعامل مع المشكلات التي لم تحظَ بتغطية إعلامية كافية؛ خاصةً عند وجود إجماع عام على الحلول، وعندما تكون هذه الحلول لا تمسّ المعتقدات الجوهرية لأي إنسان.

لكن المعتقدات المبنية على دوافع أيديولوجية تكون غالباً مقاومة للتغيير الناتج عن الحقائق والأرقام الجديدة؛ تشير الأبحاث في مجال الإدراك الثقافي إلى أننا نفرز فهمنا للمخاطر واحتمالية الضرر من خلال معتقداتنا الجوهرية؛ مثلاً  هل يُعَد تغير المناخ خطيراً، أو هل تحافظ ملكية الأسلحة على سلامتنا، من الناحية النفسية؛ يقلِّل الناس تلقائياً من حجم المخاطر، إذا كان ذلك يساعدهم على التشكيك في المعلومات الجديدة التي تهدِّد معتقداتهم الجوهرية.

لنأخذ العنف المسلَّح في الولايات المتحدة مثالاً؛ يُقتَل حوالي 33 ألف شخص سنوياً بالأسلحة النارية؛ أي ما يعادِل عدد القتلى في حوادث السيارات؛ لكن الأرقام وحدها لن تحوّل مؤيِّداً قديماً للتعديل الثاني للدستور الأميركي إلى مؤيّد لفرض الرقابة على استخدام الأسلحة. في دراسة أجراها كلّ من «دونالد برامان»؛ أستاذ مادة القانون المساعِد في جامعة جورج واشنطن، و«دان كاهان»، و«إليزابيث دولارد»؛ مدرِّسة مادة القانون في كلية الحقوق بجامعة «ييل»، أثبتوا أن الحجج القائمة على الدلائل أن فرض الرقابة على استخدام الأسلحة يعزز السلامة العامة مقدَّر لها أن تفشل، لأنهم لا يستفيدون من المعاني الرمزية التي يربطها مناصرو الأسلحة بالمسدَّسات، فهم يكتبون:

 تمثِّل الأسلحة (على الأقل بالنسبة للبعض) رموزاً «للحرية» و «الاعتماد على النفس»، وربطها بهذه المفاهيم يجعل معارضة فرض الرقابة على الأسلحة متسقةً مع التوجُّه الفردي،  فبينما يرى معارضو الرقابة على الأسلحة أن ذلك يُعَدّ احتفالاً بالاكتفاء الذاتي الفردي؛ يراها المناصرون تشويهاً لسمعة التضامن، فغالباً تكون الأسلحة مرادفةً لشخص في قمة الرجولة أو «مفتول العضلات»، ويستاء منه العديد من الأفراد ذكوراً وإناثاً.

بصيغة أخرى؛ إن الجدال حول حيازة الأسلحة مقدَّر له أن يظل على حاله، طالما استمر أولئك الذين ينشرون أدلتهم العملية في تجاهل المعنى الرمزي للأسلحة بالنسبة للعديد من الأميركيين.

اقرأ أيضاً: استراتيجية التأثير الأقوى تترك أثراً أعمق

قارب بين آرائك وآراء الناس بسرد القصص

 إحدى الاستراتيجيات التي تحظى باهتمام متزايد هي استغلال القصص لتجاوز إصرار الدماغ على إبقاء الحقائق منفصلةً عن آرائنا؛ لكن علينا أن ننتقي النوع المناسب من القصص لسردها، فلا بُدَّ أن يتردّد صدى القصص حتى يكون لها تأثير على جمهورها. تشير الأبحاث إلى أن الناس أكثر تجاوباً مع القصص التي تتألف من موضوعات ومشاهد قصصية مألوفة؛ حيث يرجَّح أن يتفاعلوا مع القصة التي تماثل شيئاً سمعوه أو رأوه من قبل؛ يجب أن تسلِّط القصص الضوء على معتقدات الجمهور الجوهرية المقاومة للتغيير، وتوضِّح أن هذه المعتقدات لا تزال متوافقةً مع السبل الجديدة لرؤية المشكلة.

على سبيل المثال؛ لفَت المؤيدون لمنح الجميع الحق في الاقتراع الانتباه إلى حملاتهم، وكسبوا الدعم لقضيتهم من خلال المسيرات والمواكب؛ أثبتت فعالياتهم العامة الحسنة التنظيم لمعارضي منح حق الاقتراع بأن النساء -على عكس الاعتقاد السائد- يتمتعن بكفاءة سياسية، كما كانوا يستخدمون قصة «جوان دارك» (Joan of Arc) المعروفة لإبراز براعة المرأة السياسية، إضافةً إلى جمالها وشخصيتها؛ حيث قدَّمت هذه الرواية النساء بصفتهنّ أطرافاً سياسيةً فاعلةً، بطريقة لا تشكّل فيها تهديداً مباشراً لوجهات النظر الشائعة بأن المرأة هي «الجنس الأرق والأكثر استقامةً». 

تجنَّب رفض الحلول

لا شك أن تغيير أسلوب طرح المشاكل، ليس سوى نصف المعركة؛ حيث  تشير الأبحاث أن الأشخاص يستخفّون بالمشكلات عندما لا تعجبهم الحلول المقترحة؛ خاصةً إذا كان الحل هو تغيير معتقداتهم أو سلوكهم.

لنتفكّر في تغير المناخ؛ تركّز الأيديولوجية المحافِظة بشدة على حلول السوق الحرة، وتشك في الأنظمة الحكومية، فمثلاً؛ كانت معظم الحلول المقترَحة للتعامل مع انبعاثات ثاني أكسيد الكربون المتزايدة ضمن لوائح تنظيمية؛ وهي لعنة على المحافِظين، لذا إن الأسهل على المحافِظين من الناحية النفسية إنكار مشكلة تغير المناخ بدلاً من إعادة النظر في موقفهم من تلك اللوائح؛ إذاً أعد صياغة طرح مشكلة تغير المناخ للتركيز على الحلول القائمة على السوق، فتقلِّل التشكيك.

حتى الحلول التي تبدو غير سياسية يمكن أن تدفع الناس إلى رفض المعلومات الجديدة، ويمكننا أن نؤكد لك ذلك بصفتنا مناصرين للصحة العامة والبيئة ممَّن يدعون إلى تخفيض استهلاك اللحوم الحمراء؛ حيث يُعَدّ تناول كميات أقل من اللحوم حلاً مباشراً للعديد من المشاكل، ونظرياً هذا الحل لا يتّسم بطابع سياسي؛ لكن استهلاك اللحوم مرتبط بأعراف ثقافية ونفسية متجذّرة، فمثلاً في المجتمع الأميركي؛ ترتبط اللحوم ارتباطاً وثيقاً بالرجولة، وغالباً يُربَط استهلاكها بالرجال، لذا فإن نصح الرجال بتناول كميات أقل من اللحوم يمكن أن يُشعِرهم بأنه هجوم على ما يجسّد رجولتهم، لذا سيلقى ذلك مقاومةً، فعلى الرغم من أن الرجال قد لا يعارضون معرفة المشكلة؛ إلا أن الحل مؤلم بالنسبة للكثيرين.

إن مقاومة حلول معينة تعني أن بعض المشكلات قد تتطلب عدّة رسائل وعدّة حلول محتَملة، تستهدف كل منها فئةً مختلفةً، وتراعي مختلَف نقاط الاختلاف والمعتقدات الجوهرية، كما يعني ذلك أنه على العاملين في القطاعَين العام والتغيير الاجتماعي أن يفهموا ما يقدِّره جمهورهم عند صياغة الحلول.

على سبيل المثال؛ بحثت إحدى الدراسات في حملات الرسائل التي تشجِّع المدخنين القرويين على التخلّص من هذه العادة، ووجدت أن العديد من الأساليب الأكثر شيوعاً أتت بنتائج عكسية؛ مثل إخبار المدخنين بأنهم يؤذون من حولهم، والشرح لهم أن سياسات منع التدخين تنقذ حياة الناس، لأن المدخنين شعروا بأنهم يتعرضون للهجوم شخصياً، فاتخذوا موقفاً دفاعياً؛ وجد الباحثون أن الرسائل المناهِضة للتدخين التي تتضمّن اقتباسات من الكتاب المقدس؛ والتي تلامس القيم الروحية للعديد من المدخنين القرويين، لاقت قبولاً أكبر.

مخاطبة المعتقدات: استفد من الأدوات الجديدة

أصبحت مخاطَبة معتقدات الناس الجوهرية أداةً أهم الآن من أي وقت مضى، وتوجد بعض الموارد والأمثلة القيّمة المتاحة لأولئك الذين يتطلَّعون إلى إدراج العلوم السلوكية والاجتماعية والمعرفية في مساعيهم في إيصال الرسائل. أصدرت «كريستين جريم» (Kristen Grimm)؛ رئيسة شركة «سبتفاير استراتيجي» (Spitfire Strategies)، تقريراً بعنوان «المراسلة الواعية»؛ مبيّنةً فيه كيف يمكن للمسؤولين عن التواصل الاستفادة من رؤية العلوم السلوكية عن القيم ووجهات النظر العالمية والهوية في رسائلهم، كما يوجد مجموعات مثل مؤسَّسة «فرانك» (frank) (المؤسَّسة التي ننتمي إليها)، ومؤسَّسة «فريم ووركس» (Frameworks)، ووكالة «نيي ماند كولابوراتيف» (Neimand Collaborative)، تبحث في القضايا الاجتماعية وقيم مختلَف أصحاب المصلحة، ثم استخدام نواتج الأبحاث في صياغة رسائل مقنِعة تربط القضايا بتلك القيم.

نظراً لطبيعة البيئة السياسية السائدة؛ لم تعد صحة الحقائق المضمَّنة في الرسائل والحملات كافيةً، فإن صنع التغيير يقتضي أن تكون مناسبةً من الناحية النفسية؛ حيث يجب على مؤسَّسات القطاع الاجتماعي أن تأخذ في اعتبارها أنه يمكن لمعتقدات الجمهور الجوهرية إحباط مساعيهم في الإقناع بأكثر من طريقة. ستكون المؤسَّسات مهيّئةً أكثر لدفع عجلة التغيير في القضايا العالقة لأسباب عقائدية أو سياسية؛ من خلال تجاوز ذكر الحقائق، واعتماد أسلوب سرد القصص بذكاء، وصياغة الحلول التي لا تُلزِم الجمهور بالتنازل عن قيمهم.

 اقرأ أيضاً: التأثير الجمعي واسع النطاق يتطلب تنسيقاً بين القطاعات

يمكنكم الاطلاع على النسخة الإنجليزية من المقال من خلال الرابط، علماً أنّ المقال المنشور باللغتين محمي بحقوق الملكية الدولية. إنّ نسخ نص المقال بدون إذن مسبق يُعرض صاحبه للملاحقة القانونية دولياً.

 

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى