الرفاه المنظمي يبدأ من الرفاه الفردي

الرفاه المنظمي

إن دعم مرونة الفرد والفريق والقيام بتحويلات صغيرة نحو الحياة المنظمية التي تحسن الرفاه؛ يمكّن المنظمات من تحسين فعاليتها، وتحقيق الرفاه المنظمي، والمساهمة في ثقافة كلية أكثر صحةً للتغيير المجتمعي.

في حدث محتضن من قبل مشروع الرفاه «The Wellbeing Project» (TWP) عام 2017، عبرت غابرييلا غاندل؛ المديرة التنفيذية لشبكة الريادة الاجتماعية «إمباكت هاب»، عن الحاجة إلى معالجة الخلل الوظيفي والمعدلات المرتفعة للإرهاق في قطاع التغيير الاجتماعي؛ وذلك عبر تطوير الرفاه المعيشي على المستوى التنظيمي. لاقت تعليقاتها صدىً لدى جميع الحاضرين، وأدت إلى انخراط TWP مع مئات الأشخاص الذين يشاركونها الرغبة في تعلم كيف يمكن لمنظمات التغيير الاجتماعي تطوير مبادرات الرفاهية.

ما زلنا نجد رغبة قوية في وجود رفاه منظمي أكبر في القطاع الاجتماعي؛ لكن الحاجة إليه واضحة للعيان كذلك. تصدر الخلل الوظيفي المؤسساتي عناوين الصحف على مستوى العالم لعدة سنوات؛ وكان آخرها سلسلة من الرسائل المفتوحة إلى مجلس إدارة منظمة الأبوة المخططة «Planned Parenthood». توضّح الرسائل كيف أدت المخالفات المالية، والسلوك التعسفي والتمييزي، وتجاهل صحة عيش الموظفين، وثقافة الصمت، إلى تآكل المساءلة تجاه مهمة المنظمة وقيمها.

أنبأ الطاقم في منظمة العفو الدولية عن بيئة عمل سامة أو مؤذية بعد تحقيق في حالتي انتحار بين أعضاء الطاقم عام 2018، وقال الطاقم أن مستويات التوتر العالية التي يتعرضون لها ناجمة عن عوامل عديدة مساهِمة؛ منها التنمر، وقلة الثقة، والديناميكية التعسفية للسلطة، والتمييز في المعاملة، والتحيز، والصدمات النفسية الثانوية وغير المباشرة؛ الناجمة عن طبيعة العمل الذي يقومون به. توصل التحقيق في النهاية إلى أن إخفاقات الثقافة التنظيمية والإدارية، إلى جانب أعباء العمل غير الواقعية، كانت الأسباب الرئيسية التي تعرض رفاه الموظفين للخطر.

يعد هذا النوع من الانفصال بين القيم والأهداف والممارسات -جنباً إلى جنب مع الثقافة التنظيمية التي تغذي ديناميكيات السلطة المختلّة وظيفياً وأوجه القصور في المساءلة والشفافية- المسببات الرئيسية للخراب؛ حيث أنها تتسبب بالضرر للمنظمات، وطاقم العمل المتفاني، وثقة الجماهير، ومجاري التمويل، والسمعة الكلية للقطاع الاجتماعي.

لذا؛ كيف يمكن للقادة معالجة هذه المشاكل والاعتناء بثقافة الرفاه ضمن منظماتهم؟ ريثما يستمر بحثنا حول هذا الموضوع؛ تقترح النتائج التمهيدية أن دعم الرفاه الفردي -مجتمعاً مع التغييرات التصاعدية المصممة جيداً للهيكلية والسياسة والممارسات وطرق التواصل- سيقطع بنا شوطاً طويلاً في سبيل تبني ثقافات منظمية أكثر صحةً وفعالية.

اقرأ أيضاً: الرفاه الداخلي: ربط رفاه الأفراد بالتغيرات المجتمعية

قوة الرفاه الفردي

استكشفت المقالات السابقة في سلسلة «الذات المتمركزة: العلاقة بين الرفاه الداخلي والتغيير الاجتماعي» كيف يؤثر وجود أو غياب الرفاه الداخلي على كيفية حدوث التغيير الاجتماعي، ودرست فائدة البحث المستمر عن الذات في تعزيز الرفاه الداخلي، والطرق المختلفة التي يمكن للممولين من خلالها دعم الرفاه الداخلي للأشخاص المنخرطين في التغيير الاجتماعي، بالإضافة إلى النقد المشترك لمبادرات الرفاه.

كشفت أبحاثنا الأولية أن تحسين الرفاه الداخلي للأفراد، يقلل الاحتراق الوظيفي ويحسّن المرونة ويزيد الثقة والانفتاح، كما أننا لاحظنا كيف أحدثت التغييرات للأفراد تأثيرات مضاعفةً على المستوى المنظمي؛ متضمنةً تحقيق المزيد من الانفتاح على وجهات النظر المتنوعة وتعاوناً أكبر. حثّتنا هذه النتائج على استكشاف كيفية تأثير دعم الرفاه المنظمي على الأفراد العاملين من أجل التغيير الاجتماعي والابتكار الاجتماعي في القطاع. على الرغم من اعتقادنا أن أي تغيير نتوقع حدوثه في العالم يبدأ بأنفسنا، فإن الرفاه المنظمي يدور حول ما هو أكثر من مجرد رفع مستوى الرفاه الفردي؛ بل إنه يتأثر بالعوامل الفردية والمنظمية والمجتمعية المترابطة، ويخضع للأولويات المتغيرة باستمرار في بيئة عالمية معقدة.

الرفاه المنظمي: النصف الآخر من المعادلة

إن دمج الرفاه كجزء أساسي من الحياة المنظمية لم يصبح شائعاً ومعروفاً إلى حد كبير حتى الآن؛ حيث تركز المنظمات في العادة على المشكلة الاجتماعية الخارجية التي يسعون إلى حلها؛ بدلاً من التركيز على صحتهم الداخلية. وخلف الكواليس؛ يمكنهم تطوير تصورات وطرق عمل إشكالية بسهولة؛ بما في ذلك الافتراضات التي لم يتم الاعتراض عليها، والنزاعات التي لم يتم حلها؛ والتي لها تأثيرات واسعة النطاق على طاقم العمل وعلى تنفيذ المهمة.

في العديد من الحالات، فإن ثقافة “التضحية من أجل الصالح العام” السائدة في جميع أنحاء القطاع، قد جعلته ببساطة أقل أولويةً. غالباً ما يقوم القادة حسنو النية وطاقم العمل -خاصةً هؤلاء الذين يتطابقون شخصياً مع مهمة المنظمة- بتجاهل علامات الاحتراق الوظيفي، أو التغاضي عن الممارسات غير الصحية في بيئة العمل، وحتى الأشخاص المهتمون في تطوير الرفاه قد يظنون أنه قد يحرف الكثير من الموارد عن المهمة. في حالات أخرى؛ يشعر القادة أن اتخاذ الإجراءات قد يكون شديد الصعوبة أو غير مصمم لحاجات منظمتهم الخاصة، وفي النهاية، فإن الرفاه المنظمي هو مجال غير محدد نسبياً، لا توجد مقاربة واحدة تناسب الجميع.

دمج الرفاه الفردي بالرفاه المنظمي

عام 2015، قام مشروع الرفاه «The Wellbeing Project» بتنفيذ برنامج التطوير الداخلي (IDP)؛ الذي استمر 18 شهراً لدعم الرواد الاجتماعيين، والناشطين، وقادة المنظمات غير الربحية؛ الذين أثر عملهم بشكل كبير على صحتهم وعلاقاتهم. ساعد البرنامج المشاركين على اكتساب الفهم والتوجيه نحو الرفاه؛ والذي في النهاية ساعدهم على تبني أنماط أكثر صحة للعيش والعمل، وبعد البرنامج؛ حرص المشاركون على تطبيق ما تعلموه في منظماتهم. في الوقت نفسه؛ كان العديد من قادة التغيير الاجتماعي الآخرون يطلبون المساعدة، فقد كانوا يحتاجون إلى البحث والموارد لتطوير الرفاه المنظمي.

استجابةً لذلك؛ أنشأ مشروع الرفاه -جنباً إلى جنب مع ثماني منظمات أخرى- برنامجاً استكشافياً تنظيمياً جديداً مدته ثلاث سنوات (OEP)، يوفر المساندة للمشاركين لمقاربة وبدء واستدامة التجارب التي تعزز الرفاه المنظمي. إلى جانب التجمعات الفردية التي ييسرها البرنامج والتعلم بين الأقران وغيرها من أشكال الدعم؛ هناك تركيز على تمكين المشاركين من تطوير مساراتهم الخاصة نحو الرفاه بناءً على حاجاتهم وسياقاتهم المنظمية الفريدة. يتعلم المشاركون أيضاً النظر إلى الأشياء من منظور مختلف؛ من خلال الاستماع الفعال والعمل مع الطاقم، وأيضاً عن طريق تحدي التصورات والافتراضات التي قد تمنع التقدم.

وبشكل أهم؛ يتضمن البرنامج موظفاً واحداً من كل منظمة شاركت في ،DP. الخبرة السابقة لهؤلاء القادة مع “العمل الداخلي” (في سبيل تطوير ممارسة لتعزيز رفاههم الفردي) تمهد الطريق لهم للتعامل مع الموظفين والزملاء والأقران بطريقة أكثر انفتاحاً وتعاوناً. كما أنها تساعدهم على نمذجة الالتزام مع الرفاه، والاحتفاء بطرق العمل الصحية ودعمها. يركز البرنامج على الجوانب التي تتمحور حول الإنسان في الحياة التنظيمية استناداً إلى المحادثات الأولية مع هؤلاء القادة، مع التركيز على العوامل التحفيزية؛ مثل الانتماء والتعاون لتعزيز المرونة والاستدامة، وتهدف هذه المقاربة إلى التخلص من النفاق المنظمي؛ المتمثل في السعي إلى تحسين الرفاهية والعيش الكريم لمن هم خارج المنظمة مع تجاهل ما يحدث داخلها.

في بداية البرنامج؛ قدمنا للمشاركين إطار عمل «Cynefin» للباحث الإداري ديفيد سنودن؛ كطريقة لتتمكن منظمات التغيير الاجتماعي من تأطير الحقائق الناشئة التي يواجهونها بشكل متزايد؛ والتي لا يمكن التنبؤ بها، والاستجابة لها، كما أننا قمنا بتصميم تجارب داخلية سمحت لهم بتنفيذ ومراقبة التغييرات التي كانت متوافقة ثقافياً مع منظمتهم، في سياق آمن من الفشل؛ مما قام بوضع الأساس لهم للتفكير في “التحولات الصغيرة”؛ وهي عملية تحديد وإجراء تحولات تدريجية صغيرة في الهيكلية والسياسة والممارسات والاتصالات المنظمية، بهدف تعزيز الرفاه المنظمي.

أخيراً؛ لمعالجة عواقب الضغط قصيرة وطويلة المدى على الرفاه الفردي والمنظمي، يتضمن البرنامج تماريناً للتركيز على المرونة، أو قدرتنا البشرية على التعافي من الظروف الصعبة.

اقرأ أيضاً: الربط بين الرفاه الداخلي والخارجي في دراسة الابتكار الاجتماعي

رؤىً ناشئة

يقود شركاؤنا في البحث في معهد تافستوك ومركز العقول الصحية، عمليةً بحثيةً تكراريةً وتشاركيةً ومتعددة الأساليب لجمع الأفكار حول البرنامج؛ وهذا يشمل دعم المنظمات في وصف ثقافاتها الحالية حول الرفاه، تعريف المعوقات والدعائم للرفاه، توثيق مدى تأثير الاهتمام بالرفاه على طاقم العمل وتنفيذ المهمات وجودة العمل. على مدار العامين المقبلين؛ سيزود الباحثون المنظمات المشاركة برؤية واقعية متعددة وجهات النظر لرفاههم المنظمي، بالإضافة إلى معلومات وأدوات للاستخدام المستمر.

الثيمات والمكتسبات التعليمية الناشئة عن الدورة الأولى للبحث النوعي تتضمن:

  • يمكن للمنظمات تشجيع ودعم الرفاه المنظمي دون إجهاد قدرات طاقم العمل أو الموارد المالية عبر دمج التحولات الصغيرة – تغييرات صغيرة متزايدة بالتدريج للسياسات والاتصالات المنظمية وعمليات التطوير الفردية وإدارة سير العمل.
  • بدلاً من اتباع البرامج أو الإرشادات المعممة التي تتوافق مع المنظمات أو القطاعات الأخرى؛ يجب على المنظمات تطوير مبادرات رفاه تناسب سياقات قطاعها الثقافي والسياسي والاجتماعي الفريدة. على سبيل المثال؛ قد لا تتوافق المبادرة التي تناسب الموظفين الذين يعانون من صدمة نفسية غير مباشرة أثناء عملهم مع مجتمعات السكان الأصليين، مع منظمة ترغب في تقليل مستويات التوتر المتعلقة بالاضطرابات السياسية والتحديات المالية الناجمة عنها.
  • إن غرس شعور عميق بالانتماء يعزز مشاركة الموظفين في صنع القرار وحل النزاعات؛ حيث أن الاجتماعات على مستوى المنظمة وإجراءات الحوكمة الشفافة وفرص التعرف على الزملاء من خلال تمارين الانعكاس والتفقد، تساهم جميعها في تعزيز ثقافة الانتماء.
  • إن تطوير القدرة على التعرف على الهيكليات التي لا تدعم الأمان والتنوع والشمول والاعتراف بها ومراجعتها، أمرٌ ضروري لتحقيق الرفاه المنظمي، يمكن للمؤسسات الحصول على دعم الخبراء من المدربين أو المتخصصين في التطوير المنظمي أو ميسري ورش العمل للمساعدة في تحديد الثغرات وتحسين الأنظمة.
  • يجب على المنظمات الابتعاد عن كل من نهج القيادة التقليدية “البطولية” و “القيم الأسرية” المرتبطة بشكل شائع بقطاع التغيير الاجتماعي، والتوجه نحو هيكليات أكثر وعياً ذاتياً وتنظيماً والتي تشجع الجميع (وليس فقط أولئك الذين يشغلون مناصب عليا) على تحمل مسؤولية نجاح المنظمة، كما يمكن أن يساعد العثور على طرق لتشجيع الحوار بين الموظفين على تحقيق فهم مشترك حول القضايا والحلول الممكنة.
  • إن تطوير قدراتٍ مثل الوعي والاستماع الفعال، يساعد المنظمات على التأقلم بشكل أفضل مع الشكوك، وتوقع التغيرات، وتعزيز المرونة والاستدامة المؤسسية.
  • تدمج المنظمات الفعالة التي تعمل بشكل جيد بين المهمة والرفاه من أجل المشاركة الفعالة في التغيير الاجتماعي على المدى الطويل. من خلال الانخراط في العمل الداخلي؛ يتعلم الأفراد كيف يكونون أكثر صحة على صعيد أنفسهم وفي علاقاتهم؛ وبالتالي يكونون أكثر قدرةً على إنشاء بيئات عمل أكثر صحةً.

قطاع أكثر قوةً

يوفر الرفاه المنظمي الركائز للأفراد والمنظمات للتكيف والنمو والازدهار؛ لكن تحقيقه لا يتعلق فقط بتوسيع نطاق رفاه الفرد، ويتطلب أكثر من ذكر القيم والإرشادات في كتيب الموارد البشرية. تحتاج المنظمات إلى مواءمة المبادرات مع خصائصها واحتياجاتها الفريدة، ومعالجة عناصر “الوجود” و “الفعل” للحياة التنظيمية. يجب عليهم الانتباه أيضاً إلى كيفية تعامل الأفراد مع عملهم ولماذا يفعلون ذلك، وكذلك كيفية تنظيم عملهم، ومن هناك؛ يمكن للمنظمات العمل على دمج كلا الجزأين من المعادلة. يمكن أن تساعد التحولات الصغيرة في تسريع التقدم وبناء ذلك النوع من الموظفين والمنظمات المرنة المتمحورة حول الإنسان؛ والتي يريدها القطاع ويحتاجها. يمكن للتغييرات الصغيرة؛ مثل إتاحة الوقت لإجراء عمليات تفقد أعمق في بداية الاجتماعات، أو خلق مساحة للعمل من خلال المحادثات الصعبة، أو وضع خطط رفاه جماعية للمنظمة، أو دمج الرفاه في التخطيط الاستراتيجي، اجتثاث الأنماط غير الصحية وتعزيز ظهور أنظمة أكثر صحة -سواء كانت تنظيمية أو قطاعية أو منهجية- بمرور الوقت.

خلال العامين المقبلين؛ سنواصل دعم المشاركين حيث يقومون بدمج الرفاه داخل منظمتهم، وتوثيق الروابط بين الرفاه الداخلي والمنظمي والتأثير الاجتماعي، ومع التزام المزيد والمزيد من المنظمات بتحقيق الرفاه المنظمي، نأمل أن نرى المزيد من الأمثلة على المرونة بين الأفراد العاملين في القطاع، بالإضافة إلى ملاحظة تحسينات في الاستدامة المؤسسية والتعاون وإنجاز المهمة على المدى الطويل.

اقرأ أيضاً: العدالة والشمول: تعزيز مفاهيم الرفاه التنظيمي

يمكنكم الاطلاع على النسخة الإنجليزية من المقال من خلال الرابط، علماً أنّ المقال المنشور باللغتين محمي بحقوق الملكية الدولية. إنّ نسخ نص المقال بدون إذن مسبق يُعرض صاحبه للملاحقة القانونية دولياً.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى