التمويل غير الربحي

مع فهم نماذج التمويل العشر، يمكن للقادة غير الربحيين استخدام الممارسة القيمة للعالم الهادف للربح المتمثلة في الدخول في محادثات مقتضبة وواضحة حول الاستراتيجية المالية طويلة الأجل. هذا المقال هو الجزء الأول من سلسلة النماذج العشر للتمويل.

إن المال هو موضِع نقاش دائم بين قادة المؤسَّسات غير الربحية: ماهو المبلغ الذي نحتاجه؟ كيف يمكن أن نحصل عليه؟ لماذا لا نحصل على المزيد منه؟ ويصبح هذا النمط من الأسئلة أكثر تكراراً وإلحاحاً في الأزمات الاقتصادية، ولسوء الحظ؛ لا تكون الإجابات عليها متوفِّرةً بسهولة؛ ويرجع ذلك إلى أن قادة المؤسَّسات غير الربحية أكثر تمرُّساً في إنشاء البرامج مقارنةً بتوفير التمويل لمؤسَّساتهم، وغالباً يواجه المتبرِّعون صعوبةً بالغةً في فهم تأثير تبرعاتهم (وحدودها).

تترتّب عدّة عواقب بسبب هذا الغموض المالي، فعندما لا تكون المؤسَّسات غير الربحية متكافئةً مع مصادر التمويل، لن تتدفق الأموال إلى المواضع التي ستحقق فيها الفائدة الأكبر، وفي كثير من الأحيان؛ يؤدي ذلك إلى إيقاف البرامج الواعدة أو تقييدها أو عدم إطلاقها أبداً؛ وعندما تشحّ الأموال، يرجّح بقوة أن ينتج عن ذلك تهافت فوضوي على جمع التبرعات.

وعلى خلاف ذلك في العالم الربحي؛ نجد درجةً أعلى بكثير من الوضوح حول القضايا المالية؛ وينطبق ذلك بالأخص حين نتحدث عن فهم كيفية سير مجالات الأعمال المختلفة؛ والتي يمكن تجسيدها في مجموعة مبادئ تُعرَف باسم نماذج الأعمال، وبالرغم أنه لا توجَد قائمة تعريفية بنماذج أعمال الشركات؛ لكن يوجَد اتفاق كافٍ حول ما تعنيه؛ بحيث يمكن للمستثمرين والمسؤولين التنفيذيين على حدٍّ سواء المشارَكة في نقاشات معقَّدة حول استراتيجية أية شركة، فعندما يصف شخص ما شركةً بأنها «مزوِّد لمنتجات أو خدمات منخفضة التكلفة» أو «متابِعة حثيثة»، تكون الخطوط العريضة الرئيسية لطريقة عمل هذه الشركة شديدة الوضوح، وبالمثل، فإن الإشارة إلى أن شركةً ما تعمل وفق  نموذج «ماكينة الحلاقة وشفرة الحلاقة» (وهو نموذج يعتمد على بيع المنتَج الأساسي بتكلفة منخفضة ومكمّلات المنتج بتكلفة مرتفعة)، يصف نوعاً من العلاقة المتواصلة مع العميل؛ والتي لا تنطبق على منتَجات الحلاقة فقط.

تكمن قيمة هذا الإيجاز في السماح لقادة الأعمال تحديد طريقة نجاحهم في السوق بسرعة ووضوح، كما أنه يسمح للمستثمرين تسهيل مساءلة المسؤولين التنفيذيين حول الطريقة التي ينوون جني الأموال بها، يزيد هذا الكرّ والفرّ من احتمالات نجاح الأعمال التجارية، وكسب المستثمرين المال، وتعلِّم الجميع المزيد من تجاربهم.

نادراً ما يشارِك العالم غير الربحي في حوارات واضحة وموجَزة مماثلة، حول استراتيجية المؤسَّسة طويلة الأمد في التمويل؛ وذلك لأن أنواع التمويل المختلِفة التي تغذي المؤسَّسات غير الربحية لم تُحدَّد بوضوح إطلاقاً؛ ولا يمثِّل هذا ضعفاً في اللغة والتعبير فحسب؛ بل يمثِّل- وينتج عنه – ضعفاً في الفهم والتفكير السليم.

حدّدنا من خلال بحث أجريناه، عشر نماذج غير ربحية شائعة الاستخدام بين كبرى المؤسَّسات غير الربحية في الولايات المتحدة، فنحن لا نهدف إلى تحديد نهج واحد لكل مؤسَّسة غير ربحية لتتبعه؛ بل نأمل بدلاً من ذلك أن نساعد قادة المؤسَّسات غير الربحية على صياغة النماذج التي يعتقدون أنها يمكن أن تدعم نمو مؤسَّساتهم بشكل أوضح، وتسخير تلك الرؤية لفحص الإمكانات والقيود المترافقة مع هذه النماذج.

اقرأ أيضاً: إرشادات مموِّل حول تغيير القادة في المؤسَّسات غير الربحية

المستفيدون ليسوا عملاءً

إحدى أسباب عدم تطوير القطاع غير الربحي قاموس مصطلحاته الخاص بنماذج التمويل؛ هي أن إدارة مؤسَّسة غير ربحية أمر أعقد إجمالاً من إدارة أعمال ربحية بالحجم نفسه، فعندما تجد شركة ربحية طريقةً لخلق قيمة للعميل، تكون قد وجدت مصدر إيراداتها بشكل عام؛ يدفع العميل مقابل القيمة، وفي حالات استثنائة نادرة؛ لا ينطبق هذا على القطاع غير الربحي، فعندما تجد مؤسَّسة غير ربحية طريقةً لخلق قيمة للمستفيد (على سبيل المثال؛ مساعدة سجين على إعادة الاندماج في المجتمع، أو إنقاذ إحدى الفصائل المهددة بالانقراض)، فهي لم تحدد محرِّكها الاقتصادي؛ هذه خطوة منفصلة.

يصف أستاذ إدارة الأعمال في جامعة ديوك «جيمس غريغوري ديس» (J. Gregory Dees) في عمله على ريادة الأعمال الاجتماعية، الحاجة إلى فهم كل من عرض القيمة للمتبرِّع وعرض القيمة للمستفيد، وتتحدث «كلارا ميلر»؛ الرئيسة التنفيذية لصندوق التمويل غير الربحي؛ والتي كتبت أيضاً عن هذه المعضلة بشكل رائع، عن كون جميع المؤسَّسات غير الربحية تعمل في نوعين من «الشركات»؛ إحداها متعلّقة بأنشطة برامجهم، والأخرى بجمع «الإعانات» الخيرية.

ونتيجةً لهذا التمييز بين المستفيد والمموِّل؛ يجب فهم الجوانب الأساسية (والمصطلحات المرافِقة) لنماذج التمويل غير الربحي، بصورة منفصلة عن نماذج التمويل الخاصة بالعالم الربحي، ولهذا أيضاً نستخدم مصطلح نموذج التمويل بدلاً من نموذج الأعمال لوصف هيكلية العمل. يتضمَّن نموذج العمل خيارات عن بنية التكلفة وعرض القيمة للمستفيد، ومع ذلك؛ يركّز نموذج التمويل على التمويل فقط، وليس على البرامج والخدمات المقدَّمة للمستفيد.

يمكن لجميع المسؤولين التنفيذيين في المؤسَّسات غير الربحية استخدام نماذج التمويل العشر الخاصة بنا، لتحسين جمعهم للأموال وإدارتهم؛ لكن تبرز فائدة هذه النماذج بوضوح أكبر عند توسُّع المؤسَّسات غير الربحية. توجد العديد من الطرائق لجمع مليون دولار سنوياً تقريباً، ويمكن ارتجال بعضها خلال هذه العملية؛ لكن بمجرّد أن تحاول المؤسَّسات جمع من 25 مليون إلى 50 مليون دولار أو أكثر سنوياً، سينخفض عدد الطرائق الممكنة لتحقيق ذلك؛ يتناقص عدد صانعي القرار المحتمَلين الذين يمكنهم السماح بإنفاق مبالغ مالية ضخمة كهذه (أو عليك الوصول إليهم بشكل جماعي)، والعوامل التي تدفع صانعي القرار هؤلاء على القبول أصبحت راسخةً أكثر (أو لا يمكن أن تتأثر بعمق بقائد مؤسَّسة غير ربحية ذو شخصية جذّابة).

يؤكّد ذلك بحثنا عن المؤسَّسات غير الربحية الكبرى، ففي دراسة حديثة؛ حدَّدنا 144 مؤسَّسة غير ربحية أنشِئَت منذ عام 1970؛ والتي نما حجمها إلى ما يُقدَّر بـ 50 مليون دولار سنوياً أو أكثر، فوجدنا أن كل واحدة من هذه المؤسَّسات نمت بشكل كبير من خلال السعي خلف مصادر تمويل محدَّدة – وغالباً تتركّز في مصدر محدّد وحيد للتمويل -؛ والتي كانت ملائمةً لدعم أنواع محدَّدة من العمل، كما بَنَت كلٌّ منها إمكانيات داخلية على درجة كفاءة عالية في جمع التبرّعات؛ مستهدِفةً تلك المصادر، بعبارة أخرى؛ كان لكل مؤسَّسة غير ربحية ضخمة نموذج تمويل متطوّر.

كلما زاد حجم التمويل المطلوب، زادت أهمية اتباع أسواق التمويل الموجودة مسبقاً؛ حيث يوجد صناع قرار محدَّدون لديهم دوافع ثابتة، فمثلاً؛ جمعت المخاوف مشتركة حول قضايا متنوعة مجموعات كبيرةً من المانحين الأفراد؛ مثل أبحاث سرطان الثدي، وفي مثال آخر؛ تملك مجموعات التمويل الحكومية الرئيسية أهدافاً محددةً مسبقاً؛ مثل دور الرعاية، فبينما تستطيع المؤسَّسة غير الربحية التي تحتاج إلى بضع ملايين من الدولارات سنوياً، أن تُقنِع قليلاً من المؤسَّسات أو الأفراد الأثرياء بدعم قضية لم يسبق لهم منحها أية أولوية من قبل، نادراً ما تتمكن المؤسَّسة غير الربحية التي تحاول جمع عشرات الملايين من الدولارات سنوياً من القيام بذلك.

هذا لا يعني أن أسواق التمويل مستقرّة، فهي ليست كذلك؛ تزامن أول تنظيم ليوم الأرض في عام 1970 مع انتشار كبير في دعم القضايا البيئية؛ حيث أدّت المجاعة الإثيوبية في عامي 1984-1985 إلى زيادة ضخمة في دعم الإغاثة الدولية، والوعي بالأزمة التعليمية في الولايات المتحدة في أواخر الثمانينيات مهّد لتمويل المدارس المستقلة المجانية؛ لكن لا يمكن توقّع التغييرات؛ وبالتالي لا يمكن الاعتماد عليها كمصدر تمويل، بالإضافة إلى ذلك؛ كانت هذه التغييرات نتاج أو ثمرة أحداث وطنية ودولية معقَّدة، وليست حصيلة عمل مؤسَّسة غير ربحية واحدة.

أجاد «إيرل مارتن فالين» (Earl Martin Phalen)؛ وهو الشريك المؤسِّس لـمؤسَّسة «بيل» (BELL)؛ وهي مؤسَّسة تعليمية في فترة ما بعد المدرسة وفصل الصيف، استخلاص فوائد هذه القصدية؛ حيث لخّص تجربته لمجموعة من قادة المؤسَّسات غير الربحية في عام 2007 بقوله: «كانت استراتيجيتنا المعتادة في جمع التبرعات عبارةً عن (دعونا نجمع هذا العام أموالاً أكثر من العام الماضي)، وكنا دائماً غير متأكدين من مستقبلنا، ثم بدأنا بالتفكير بجدية في نموذجنا، وحددنا نوعاً متواصلاً من التمويل الحكومي الذي يتوافق جيداً مع عملنا؛ على الرغم من أن ذلك اقتضى إجراء بعض التغييرات في البرنامج حتى ينجح، والآن يمكن التنبؤ  بقدرتنا على أن نغطي 70% من نفقاتنا في أية منطقة من خلال اتباع هذا النهج».

اقرأ أيضاً: إهمال النفقات العامة: دورة الجوع في المنظمات غير الربحية

عشر نماذج تمويل

ينتج عن صياغة هيكلية عمل للتمويل غير الربحي عدّة تحديات، فحتى تكون مفيدةً؛ لا يمكن أن تكون النماذج أعمّ مما ينبغي أو محدَّدةً أكثر مما ينبغي، على سبيل المثال؛ إن كلاً من العيادة الصحية المجتمعية التي تخدم المرضى الذين يغطيهم التأمين الصحي لبرنامج «ميديكيد» (Medicaid)، والمؤسَّسة غير الربحية التي تقوم بأعمال تنموية بدعم من الوكالة الأميركية للتنمية الدولية، مموَّلتان من الحكومة؛ لكن نوع التمويل الذي تحصلان عليه، وصنّاع القرار الذين يديرون هذا التمويل مختلفان كلياً؛ حيث لن يُفيد الجمع بين الاثنتين في النموذج ذاته أبداً، وفي نفس الوقت؛ إن تعيين نموذج منفصل للمؤسَّسات غير الربحية؛ مثل تلك التي تتلقى تمويلات من برنامج «تايتل ون إس إي إس» (Title I SES)، يكون محدوداً للغاية بحيث لا يكون مُجدياً.

اعتمدنا في النهاية على ثلاث معايير لتحديد نماذج التمويل لدينا، وهي: مصدر التمويل، وأنواع صنّاع القرار، ودوافع صنّاع القرار؛ وقد أتاح لنا ذلك تحديد عشر نماذج تمويل مختلفة، بمستوى ملائم إجمالاً ولكنه يحدّد خيارات حقيقيةً.

ومن الجدير بالذكر أنه كان هناك العديد من نماذج التمويل التي اعتقدنا أننا قد نجدها هنا؛ لكننا لم نفعل، فقد كانت إحدى النماذج المحتمَلة هي المؤسَّسات غير الربحية التي تدعمها مشاريع الدخل المكتسَب المختلفة؛ والتي لا تماثل الأنشطة الأساسية المتعلِّقة بمهمة المؤسَّسات، كما يوجد نموذج آخر محتمَل؛ وهو المؤسَّسات غير الربحية التي تتقيد بالعمل وفق نموذج الرسوم مقابل الخدمة تقيُّداً صارماً، إما باتباع أسلوب التعامل التجاري بين الشركات أو مباشرةً إلى المستهلك، دون القيام بجمع الأموال الملحَق المهم (من الأعضاء أو المستفيدين السابقين)، أو الدعم الحكومي الأساسي. على الرغم من وجود بعض المؤسَّسات غير الربحية التي تكسب الدعم لنفسها من خلال مناهج تمويل مماثِلة؛ إلا أنها لم تكن حاضرةً بين كبرى المؤسَّسات غير الربحية التي يشملها بحثنا؛ في اعتقادنا أن هذه الأنواع من الأساليب لا تصلح لميزة غير ربحية واسعة النطاق ومستدامة على الكيانات الربحية.

للاطلاع على الجزء الثاني من السلسلة؛ اقرأ: نماذج التمويل غير الربحي العشر

يمكنكم الاطلاع على النسخة الإنجليزية من المقال من خلال الرابط، علماً أنّ المقال المنشور باللغتين محمي بحقوق الملكية الدولية. إنّ نسخ نص المقال بدون إذن مسبق يُعرض صاحبه للملاحقة القانونية دولياً.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى