تولي القيادة في أوقات مختلفة

إعداد: ريب رابسون، كيفن أور، ماثيو كولين، جينيفر برادلي

 

تم النشر 06 يوليو 2021

هذا المقال هو الجزء الثالث من سلسلة حول الدور الذي لعبته القيادة للقطاعات المختلفة في إنعاش ديترويت. للاطلاع على الجزء الأول من السلسلة؛ اقرأ: القيادة متعددة الخبرات لحل مشكلة إفلاس ديترويت، وللاطلاع على الجزء الثاني؛ اقرأ: القيادة تعيد إحياء ديترويت.

المُجازَفةُ معاً

برادلي: يبدو الأمرُ كما لو أنّ كُلّ شخصٍ يعملُ وفقَ طريقةِ التفكيرِ “حسناً، اتَّخَذَ أحدُهُم الخطوةَ الأولى، لذا يُمكِنني الآن المشاركة والتقدّمُ على الدربِ قليلاً”. لم تكن تقومُ بمُجازفةٍ حقيقيّةٍ لأنّكَ كنت تعلمُ أنّ الآخرينَ سيدعمونك.

 

كولين: لستُ مُتأكّداً أنّ هذا صحيحٌ تماماً. لقد حقّقنا النجاح لأننا جميعاً كان لدينا ثقةٌ عميقةٌ في نزاهةِ وقُدرةِ شُركائنا. هذا صحيح؛ لكن لم تكن هناك خارطةُ طريق، لم يكُن هناكَ أيُّ مُبرّرٍ منطقيٍّ لشراءِ مجموعةٍ من المباني الخالية أو نقلِ 1700 من مُوظَّفينا إلى منطِقَةِ وسطِ المدينة؛ لم تكُن هناكَ طريقةٌ لكي يعرِفَ كيفين أن لديه استراتيجية خروج ذات إيراداتٍ مستدامةٍ. كانت هذه قفزاتٍ إيمانيةً عمياء، تَلقَّى ريب انتقاداتٍ من المسؤولين المُنتَخَبين الذين شعروا أن العمل الخيري لا ينبغي أن يلعب أدواراً في القطاع العام. لم يَقُل أيٌّ مِنَّا “مرحباً، لقد بَنَيتَ الربعَ ميلٍ الأولَ من الطريق، لذلك سأبني أنا الرُّبعَ التالي”؛ لقد كانَت عمليةُ صنعِ القرار لحظةً بلحظة، ولكي أكون صادقاً؛ غالباً ما شعرتُ بأنّها غيرُ منطقيةٍ في ذلك الوقت. أفضلُ تشبيهٍ هو أننا شعرنا وكأننا قفزنا جميعاً عن الجرف معاً ثم حاولنا معرفةَ كلّ شيءٍ قبلَ أن نهبط.

 

برادلي: لننتقل إلى ما نحن عليه الآن. مع عودة حكومة ديترويت إلى التوازن، كيف تقوم القطاعات المختلفة بإعادة ضبط أدوارها؟ لقد مرت اللحظة العاجلة؛ لكنَّ المدينة لا تزال ليست المكان الذي تتمنى أن تكون فيه. مات، أين بدأ القطاع الخاص في التراجع؟ أين تريد أن تضغط قليلاً أكثر؟

 

كولين: لكي نكون ناجحين على المدى الطويل، يجب ألا نحاولَ تحديدَ الأدوار الجامدة والدائمة مرةً أخرى؛ يجبُ أن نُركِّزَ على بناء علاقاتِ عملٍ جيدةٍ مع بعضنا البعض تسمحُ للقادة المختلفين بتولّي القيادةِ في أوقاتٍ مختلفةٍ. قولُ ذلكَ أسهلُ من فعله؛ خاصّةً مع الأشخاص ذوي الإرادة القوية الذين اعتادوا على تولّي زمامِ الأمور.

 

رابسون: من المستحيل المبالغة في تقدير مدى تعقيد إعادة تعريف الأدوار والعلاقات المدنية بعد الخروج من أزمة. نميلُ إلى الاعتقاد بأن الأزمةَ كانت انحرافاً عن القاعدة بحيث يجب عليك العودة إلى القاعدةِ عند تجاوزها؛ لكنّ هذا الاعتقاد لن يخدمَ ديترويت. لا يُمكِننا العودةُ إلى نظام القيادة والتحكم الذي اعتدنا عليه؛ ستكون هناك أوقاتٌ يَتعيَّنُ علينا فيها فقط مُصارعةُ هذا الأمر. في أي ظرفٍ من الظروف، هناك أشياءٌ معينةٌ تقوم بها بشكلٍ جيدٍ وأشياءٌ مُعينةٌ أفعلُها أنا بشكلٍ جيد. في بعض الأحيان؛ سأحتاجُ إلى التراجعِ أثناءَ تقَدُّمِكَ إلى الأمام؛ قد أحتاجُ استعارةً أكثرَ تعقيداً من سباق الرالي.

 

من الأمثلة الجيدة على ذلك مجموعة الأساليب الإبداعية التي استخدمها العمدة دوجان للترويج لملكية المنازل كطريقة لإعادة زيادة المساحة الحَضَريةِ وإعادة إعمار المدينة. تقييمات العقارات المنخفضة تجعل من الصعب الحصول على قروض مقابل تلك العقارات، لذلك أوضح الحاجة إلى أدوات تمويل جديدة يمكن أن تمكن الناس من شراء المنازل، وكان يعلم -مع ذلك- أنه ليس لديه ما يكفي لمعرفة ذلك بمفرده، لذلك ذهب إلى العمل الخيري والبنوك المحلية والخزانة وطلب منهم استخدام أدواتهم لحل المشكلة. رداً على ذلك؛ وضعت «كريسجي» أموالَ الضمان على الطاولة، وجمعتِ البنوكُ الصغيرة رأس مالٍ غير تقليدي من أجل القروض، وتنازلت المالية عن اللوائح التي كانت تعيق الأشخاص الذين يحاولون إنجاز الصفقات. في النهاية؛ تطلب الأمر جرعاتٍ متساويةً من رؤية العمدة، ورأس المال الذي وضعته «كريسجي» للمخاطر، ومرونة البنوك والخزنة. القيامُ بالمزيدِ والمزيدِ والمزيد؛ هذا هو النهج المطلوب.

اقرأ أيضاً: من التكنوقراطية إلى السياسة العملية

أور: لا يمكن أن يحدث هذا النوع من دور المفاوضات المرن إلا إذا خُصِّصَت فترةٌ زمنيةٌ تُتيحُ مساحةً للتنفس. كان الهدف من جهود إعادة الهيكلة بأكملها هو منحُ ديترويت مساحةً بعيدةً عن النظام العادي، وإبعادُها عن أسواقِ رأس المال، وتعليقُ مدفوعات المعاشات التقاعدية والرعاية الصحية.

 

كانت ملكية المنزل قضيةً مهمةً للعمل من خلالها خلال هذه الفترة. قبل الأزمة، كانت ديترويت تتمتّعُ بمستوىً مثاليٍّ من ملكية المنازل، لا سيما في مجتمعات الأقليات. تُعتَبَرُ التجارب مثل تلك التي وصفها ريب للتو حاسمةً، لأنها تُنتِجُ نماذجَ مستدامةً تَتَكَيَّفُ مع البيئةِ الحالية. تُعدُّ ملكية المنزل أيضاً وسيلةً لضمان أن مرحلةَ التعافي ليست مجرد انتعاشٍ في وسطِ المدينة، وخلف أبواب المكاتب؛ بل أيضاً انتعاشٌ يشملُ كلّ طبقاتِ المجتمع. من وجهة نظرٍ سياسيةٍ؛ يحتاج السكان إلى الشعور بالاستثمار، وبأنهم يُوزّعون الأموال في الاقتصاد المحلي، وأنهم يستفيدون من النهضة الاقتصادية والعهد الاجتماعي.

 

المشاركة العامة في القيادة والشمول الاقتصادي

برادلي: هل تخلق هذه المرحلة الجديدة فرصاً لتكون أكثر شمولاً وتجذب الأشخاص الذين لم تُسمع أصواتهم من قبل، أو كانت تُسمع فقط بطريقةٍ مُعارضة؟ ما الذي يحدثُ الآن لدمج المجتمعات التي ربما لم تكن على الطاولة من قبل؛ ولكن من نواحٍ عديدةٍ تظلُّ الأكثرَ ضعفاً والأكثرَ خسارةً – السكانُ الذين بقوا في ديترويت خلال جميع فترات الصعود والهبوط والذين يُطلَبُ منهمُ القيامُ باستثمارات ضخمةٍ في ملكية المنازل وفي مستقبل هذه المدينة؟

 

كولين: بالنسبة للمبتدئين؛ نرى مستوىً أعمق من المشاركة السياسية من قِبَلِ السكان القدامى الذين يأخذون على عاتقهم أن يكون لهم صوت. كما لاحظ كيفين؛ في عام 2014، اختاروا العمدة دوجان؛ وهو مُرشّحٌ مكتوبٌ وأولُ عمدةٍ أبيض في ديترويت ذات الأغلبية السوداء منذ عام 1974، وقد فعلوا ذلك لأنهم استنتجوا أنه الرجل المناسب للحصول على نتائج أفضل. كما اختاروا تغيير انتخابات مجالس المدينة من عامةٍ إلى مقاطعية، ولقد فعلوا ذلك، على ما أعتقد، لأنهم أرادوا أن يكون لهم صوت، وانتخبوا مجلساً به الكثير من الموهوبين. ستُتاحُ لهم الفرصةُ للقيام بذلك مع مجالس إدارةِ المدارس أيضاً. يُطالبُ السكان الآن بالنتائج والمساءلة، ويستخدمون امتيازَهم بشكل أفضل. دون مسؤولين مُنتَخَبين قادرينَ وراغبين يَدعَمُهُم الشعب، لا يُمكننا إنجازُ الكثير.

 

أور: أودُّ أن أُضيف أن توقُّعات الناخبين بالمساءلة تُرجِمَت مُباشرةً إلى أداءٍ حكوميٍّ أفضل. قبلَ الإفلاس، لم تكن مدينة ديترويت تقوم بعملٍ جيدٍ للغاية في ضمان السلامة العامة. في ثمانية أشهر، تمكَّنَ قائد الشرطة كريج من خفض مستويات الجريمة بأرقامٍ مضاعفةٍ؛ لم يفعل ذلك بتوظيف 2700 ضابطِ شرطةٍ جديد؛ بل من خلال جلب القيادة والمساءلة للقواتِ التي كانت لديه. هذا الأمر بالنسبة لي هو شهادةٌ عظيمةٌ على مدى أهميةِ وجود الأشخاص المناسبين الذين يُديرون الأشياء بالطرق الصحيحة، ومدى استجابة الموظفين من مُختلفِ الرُّتَب والمهمات.

 

رابسون: إن النموَّ الاقتصادي الذي أشار إليه كيفين ومات يوفِّرُ فرصاً لنوعٍ مختلف من الشمولية – الشمولية الاقتصادية – ولكنه سيكون معقداً. نحن الآن في وضعٍ يسمح لنا بالتركيز على معالجة التعقيدات التي تُصاحبُ التنمية العادلة القائمة على الجوار والتأكد من حدوث هذا الدمج. من المغري التفكير في أن النمو الاقتصادي يمكن أن يتوسع فقط في الخارج في دوائر متحدة المركز من منطقة الأعمال المركزية إلى جميع الأحياء، وعلى الرغم من أنه يتعين علينا القيام ببعض من ذلك؛ إلا أنها ليست الإجابة الكاملة. نحن بحاجة إلى القفز حول ديترويت من أجل إيجاد نقاط القوة حيث يمكننا تعزيز الطاقة الموجودة.

 

إن الغرض من خطة مدينة ديترويت المستقبلية – والمبدأ الحركي وراء ما سنفعله في «كريسجي» في السنوات القادمة – هو نقل رأس المال والمواهب وأي موارد يمكننا استخدامها في هذه العقد أو الأحياء لمنحهم فرصة قتال للوقوف على أقدامهم وإعادة تحديد مصيرهم. ستكون الأمورُ أكثر اضطراباً وصخباً وفوضويةً وبطئاً، وليس هناك طريقة أخرى حيال ذلك؛ لكن هذا هو الطريق الوحيد الذي يبدو منطقياً بالنسبة لي.

 

كولين: في نهاية المطاف، فإن مشروع مدينة ديترويت المستقبلية يدور حول إعادة هندسة مدينةٍ لا يشغل فيها سوى ثلث سكانها في الذروة نفس مساحة الأرض المترامية الأطراف. لو كانت ديترويت مصنع سيارات، لكان يعمل بكفاءة 30٪ منه فقط. نحن نتعامل مع قضايا لا أعتقد أنه تم تناولها على هذا النطاق من قبل، التركيز على العقد التي ذكرها ريب يعني أننا بحاجةٍ إلى التعامل مع أجزاءَ مختلفةٍ من المدينة بشكلٍ مختلف، ومعرفةِ كيفية تحويل الممتلكات التالفة والمهجورة إلى استخداماتٍ أكثر إنتاجيةً وكيفية إنشاء مناطق كثافة حيث يمكننا تقديم خدمات المدينة بشكل أكثر فعاليةً. نأمل أن نتمكن من الحفاظ على الثقة التي بنيناها، لأنه سيكون من الصعب مواجهة هذه التحديات التالية بمرتين. هذه القرارات تُؤثّرُ على منازل الناس والأحياء التي يعيشون فيها. آمل أن نتمكن من تقديم نفس النوع من القيادة ونفس هذا النوع من نهج العمل الجيد أثناء العمل الجيد.

 

أور: أود أن أضيف ثلاث نقاط إلى ما قاله ريب ومات. أولاً؛ المعارضة طبيعيةٌ ونتيجةٌ طبيعيةٌ ضمن العملية الديمقراطية، والقليلُ منها مناسبٌ ومفيدٌ، لأنها تُضفي الشرعية على الأصوات التي لولاها لما كانت لتُسمَع. أعتقد أن هذا شيءٌ جيدٌ طالما أنه مُتحضّر. ثانياً؛ يُمكن لبعض المعارضة أن تُسفرَ عن حلولٍ منتجةٍ وعلاقاتِ عمل. الكاهن المُوقّرُ مالك شباز؛ الذي كان شديد الحديثِ عندما جئتُ إلى المدينة لأول مرة، يُرى الآن بانتظامٍ مع قائد الشرطة كريج؛ كان قائدُ الشرطة يحاولُ إخماد وباءِ العُنف داخل المدينة، ولا سيما جرائم الشباب السود على السود. يريد شباز أن يكون عضواً مُنتِجاً حتى لو ظلَّ دورُهُ خارج الهياكل السياسية الرسمية؛ هذا تطوّرٌ إيجابي. ثالثاً؛ غالباً ما يتطوَّرُ الأشخاص الذين يبدأون في المعارضة ليصبحوا جزءاً من الأرثوذكسية، ويطرحوا وجهات نظرهم بطرقٍ بنّاءَةٍ.

 

رابسون: من الصعب على الأشخاص أن يتّفقوا مع مهندسٍ يريد أن يَشُقَّ طريقاً في منتصفِ حَيّهم أو مسؤولٍ يُريد إغلاق مدرسة. علينا معرفة الموارد التي يُمكننا منحُها للأشخاص في المجتمعات والتي سيحتاجون إليها للمشاركة بشكلٍ بنّاءٍ في إعادة بِناءِ مجتمعهم، نحتاجُ أيضاً إلى مُضاعفة الجهود للحفاظ على الاعتقاد بأنه يمكننا جميعاً التوافق. كان العمدة دوجان حازماً للغاية في محاولتِه التأكُّدَ من بقاءِ الناس إيجابيين في إيجاد طريقٍ مختلفٍ للمضي قُدُماً.

 

أور: لهذا السبب أنشأ العمدة “مكتب التوعية المجتمعية”؛ يحتاج الناس إلى الشعور بأن لديهم صوتاً وبإمكانيةِ الوصول وبالكرامة طوال العملية. ما نحتاجه في بعض الأحيان هو مترجمٌ ثقافيٌّ يمكنه التأكّدُ من أن الحكومة والمواطنين يفهمون أنهم يعملون لتحقيق نفس الهدف، وإن كان ذلك بطرقٍ مُختلفةٍ، ومن ثم التَوَسُّطُ لإيجاد حلّ. كما قال إلدريدج كليفر: “إمّا أن تكون جزءاً من المشكلة أو أنك جزءٌ من الحل”، نحن بحاجةٍ إلى إيجاد طُرُقٍ يُمكنُ للجميع من خلالها أن يكونوا جزءاُ من الحل.

للاطلاع على الجزء الأخير من السلسلة؛ اقرأ: دروس مستفادة في القيادة.

يمكنكم الاطلاع على النسخة الإنجليزية من المقال من خلال الرابط، علماً أنّ المقال المنشور باللغتين محمي بحقوق الملكية الدولية. إنّ نسخ نص المقال بدون إذن مسبق يُعرض صاحبه للملاحقة القانونية دولياً.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى