القيادة تعيد إحياء ديترويت

إعداد: ريب رابسون، كيفن أور، ماثيو كولين، جينيفر برادلي

 

تم النشر 06 يوليو 2021

هذا المقال هو الجزء الثاني من سلسلة حول الدور الذي لعبته القيادة للقطاعات المختلفة في إنعاش ديترويت. للاطلاع على الجزء الأول من السلسلة؛ اقرأ: القيادة متعددة الخبرات لحل مشكلة إفلاس ديترويت.

القيادة المرنة

برادلي: يبدو أن إحدى العناصر المهمة في القيادة كان تجاوز مفهوم “هذا ليس عملنا – نحن لا نقوم بهذا العمل بهذه الطريقة”. كنت أقرأ كتاب نيتان بوماي “إعادة إحياء ديترويت”، ومن الجليِّ أنه كان هناك العديد من الأوقات حين كان يمكن للناس أن يقولوا ” القضاة والوسطاء لا يتصرفون هكذا”، أو “مدراء الإفلاس المشرفون على الأعمال يجب أن يلزموا حدودَهم”. كيفن، كيف تظن أن الأدوار القيادية تحتاج إلى إعادة التخطيط من أجل المضيِّ قدُماً في البناء وتعزيز الزخم والحرص على عدم التراجع؟

 

 أور: المفتاح هو الحفاظ على المرونة والمواقف غير التقليدية فيما يتعلق بما ستواجهه. كان مات محقّاً عندما قال إن نماذج القدوة، والتوقعات، وطرق القيام بالأشياء التقليدية في المجال السياسي – مثل مكافأةِ أصدقائك ومعاقبةِ الأعداء – يجب التخلص منها. أنت ببساطةٍ لا تمتلك الوقت للانخراط في هذا النوع من الحماقة، وليس لديك أيضاً وقتٌ للقلق بشأن البقاء في مسارك أو التأكد من بقاء الأشخاص الآخرين في مساراتهم. عليك أن تفكرَ بمرونةٍ عندما يتعلّق الأمر بالقيام بذلك بالفعل، لأكون صريحاً؛ قمت بالغشِّ عندما كنت مدير الطوارئ، فقد كان لديّ قانونٌ دوليٌّ عَلَّق النظام العادي، وعندما دخلنا في الإفلاس، كان لدي قانونٌ فيدراليٌّ أوقَفَ قانونَ الولاية، لذلك كان لدي مجالٌ كبيرٌ لتجاوزِ الأدوار.

 

في اجتماعيَ الأول مع مجلس مدينة ديترويت، أجريت مع المسؤولين المُنتَخَبين مناقشاتٍ صريحةً حول حقيقة أن بعض الأشخاص كانوا يُدافِعون عن الاضطرابات المدنيَّةِ كوسيلةٍ للتعبير عن عدم رِضاهم عن إعلان الإفلاس. اتفقنا جميعاً أننا لا نُريدُ أن تكون هذه هي قصةُ ديترويت؛ شَرَعنا في خلقِ بيئةٍ حيثُ يُمكنُ للجميع أن يقولوا كل ما يريدون قوله؛ ولكن حيثُ لا نسمحُ للصراع بالخروج عن نطاق السيطرة. من ناحيتي؛ تعهّدتُ أن أكون وسيطاً نزيهاً. قد لا يَتَّفِقُ الجميع مع كلِّ ما فعلتُه؛ إلا أنهم يحتاجونَ إلى معرفةِ أنني أفعلُ ذلك للأغراضِ الصحيحة.

 

وإذا أرَدنا تَجنّبَ الاضطراباتِ المدنية؛ كان من المهم للغاية إشراكُ القاطنين القدماء الذين تمسّكوا بحزمٍ في أحياءٍ شديدةِ الاضطراب. منذ عام 2005 إلى الوقت الذي أتيت فيه في عام 2013، كان المواطنون مصابين بصدمةٍ نفسية. أنا لا أتحدَّثُ حتى عن مُعدّلاتِ القتل أو الحرائقِ أو الآفات أو المدارس ذات الأداء الضعيف؛ كانوا مُتعَبين من عدمِ قُدرةِ المدينة على أداءِ الوظائف الأساسية. سَمعنا أشياء مثل “لقد دفعت ضرائبي بأعلى معدل؛ لكنني لا أحصل على خدمات” و “أتّصلُ بالشرطة لكنّهم لا يَحضُرون”.

 

كان هناك أيضاً مجتمعٌ سكنيٌّ دينيٌّ؛ حيث كان العديد من القادةِ الدينيين يحثّون رعاياهم كي يبقوا مشاركين بطرقٍ بنّاءةٍ. كان البعض متعنّتاً جداً في معارضتهم؛ لكنّ الغالبيّةَ كانت تقول “دعُونا على الأقلّ نُحاولُ الانخراط في هذا. حتى في ولايةٍ مع حاكمٍ جمهوريٍّ أبيض وفي مدينةٍ 83% من سكانها من الأمريكيين الأفارقة؛ دَعونا نرى ما يمكننا القيام به للعمل معاً”. أخيراً؛ كانت هناك الصحافة؛ لقد كانوا ضليعين بجميعِ جوانبِ القصة ولكنهم كانوا يحاولون إيصالها بمسؤوليةٍن وإبقاءَ الجميع في مسارٍ جيّدٍ.

 

رابسون: أريد أن أكون حذراً ألّا نخلق انطباعاً بأن المؤسسات الجيدةَ التي تتمتّعُ بالنزاهةِ والمرونةِ العالية تتّحد معاً ببساطةٍ وتَعمَلُ كآلةٍ جيّدة التجهيز. على الرّغمِ من أنه لم يكن هناك بالضرورة شخصية مُتّبَعة أو تنصيبُ بطلٍ وحيدٍ؛ كان هناك ما لا يقلُّ عن ثلاثةِ أو أربعةِ أشخاصٍ قاموا بمثلِ هذا السلوكِ الاستثنائيِّ لدرجةٍ لم تترك مجالاً لبقيّة المجتمع للجلوس بِكَسَل. كان كيفين بالتأكيد أَحدَهم، كما كان القاضي روزين؛ الوسيط في مفاوضات الإفلاس، وكان هناك مات ودان غيلبرت. سيُنْظَرُ إلى الدورِ الذي لعبتهُ «كويكن» من قِبَلِ الأجيال القادمة باعتبارِه أحد أكثر الأعمالِ المميزة التي شهِدَتها أمريكا في قيادةِ الشركات.

 

الآن؛ هذا لا يعني أنَّ القيادةَ لم يتمّ توزيعُها على نطاقٍ واسعٍ في المجتمع، أو أنه لم يكن هناكَ العديدُ من أعمال البطولة والقيادة؛ لكنّنا في البدايةِ احتجنا إلى عددٍ صغيرٍ من الأشخاصِ للتقدُّمِ بطرُقٍ استثنائيّةٍ لخلقِ إحساسٍ بالإمكانيّةِ والتفاؤلِ الّذي يُمكنُ للآخرينَ اتِّباعُهُ بعدَ ذلك.

اقرأ أيضاً: المشاركة المدنية: لماذا يجب أن تتولى المؤسسات الثقافية القيادة

دورُ القائد كشخصٍ يقومُ بالتواصُل

برادلي: يبدو أن العنصر الأساسي هنا هو قدرة القادةِ على التواصلِ داخلَ غُرَفِ المفاوضات وخارِجَها، مع إبقاءِ الجُمهور على اطّلاع. ريب، هل كان هذا عنصراً مهماً ممّا كانَ يحدُثُ هنا، أعني الحاجّةَ إلى التأكُّدِ من أنّ الناسَ يعلمون ما كانَ يحدُث في الوقتِ الذي كانت فيهِ الأمورُ غير مُتَوَقّعةٍ حقّاً؟

 

رابسون: العملُ الخيريُ بطبيعتِهِ غيرُ خاضعٍ للمُساءّلة. لدينا امتيازٌ ورفاهيةٌ هائلةٌ لكونِنا قادرين على تحريكِ الأصولِ من جميعِ الأنواع بطرقٍ تكونُ في الأساس حصينةً ضدّ المُساهمين أو الناخبين. أثقَلَت كاهلنا خلال هذه العملية مجموعةٌ من التحدّيات: كيفَ نجعلُ نوايانا واضحةً؛ كيف نستمعُ بعنايةٍ قدرَ الإمكان إلى أصواتِ المجتمع؛ وكيفَ نضمنُ أننا كنا نستثمرُ في نهايةِ المطاف في تنميةِ قدرةِ المجتمع، لأنّنا سنحتاجُ إلى هذه القدرة عندما نجتازُ هذه الأزمة.

 

إنها ليست بمصادفةٍ أننا في خِضمِّ أصعبِ الأوقات استثمرنا بكثافةٍ في عمليةِ تخطيطٍ على مستوى المدينة، «ديترويت فيوتشر سيتي»؛ والتي تمّ تصميمُها لإشراكِ أكبر عددٍ ممكنٍ من المواطنين في إعادةِ تَصَوُّرِ المدينةِ وتحديدِ كيفيةِ إدارة الأماكن الشاغرة والمُدَمَّرةِ، والخصائصِ غيرِ المُستَغَلَّة. جلبَتْ عمليةُ التخطيط هذه أرباحاً تتجاوزُ استراتيجيةَ استخدامِ الأراضي؛ لقد أوجَدَت سبيلاً للقاطنين منذُ فترةٍ طويلةٍ ليكونَ لديهم شعورٌ بالموافقةِ على ديترويت الجديدة، والاعتقادُ بأنه يمكننا إتاحةُ فُرَصٍ جديدةٍ باستخدام الأصول الحالية. بشكلٍ عام؛ أنشأت نمطاً جديداً لمحاولةِ التأكُّدِ من أننا نتعامَلُ مع جميع أعمالنا على أنها تمرين ونُقلّبُها من أعلى إلى أسفل، ومن أسفل إلى أعلى، ونلتقي في الوسط.

 

كولين: جينيفر، لقد قُمتِ بتأطيرِ دور «روك فينتشرز» في وسطِ مدينةِ ديترويت في سياقِ شراء العقارات. لقد استحوذنا في النهاية على أكثر من 90 مبنىً، وهناك نقاشٌ مستمرٌّ حولَ المزايا النسبية لامتلاك مالكٍ واحدٍ الكثيرَ من العقارات في وسط المدينة؛ لكننا شعرنا أن هذا كان تمريناً ليس فقط في مجالِ شراءِ العقارات؛ بل في المساهمةِ في صحّةِ واستقرارِ المجتمع على المدى الطويل. أودُّ تقسيمَ ما فعلناه إلى مُكوِّنَين.

 

إحدى المكوّنات تضمَّنَ شغلنا للأدوار التي تلعبُها الحكومةُ عادةً: تخطيطُ الأراضي، وتوظيفُ المستأجرين، والتخفيفُ من حدة الآفات، وعملُ تحديدِ الأماكن. نظراً لأنّ هذه الأدوارَ كانت تقليدياً في القطاعِ العام، فقد احتَجنا إلى إبلاغِ الجمهور عن سببِ قيامِنا بهذه الأدوار الآن. كان علينا أن نكون قادرين على إجابةِ أسئلةٍ مثل: “لماذا يقومُ هؤلاء الأشخاصُ بتطويرِ وسطِ المدينة؟”.

 

أما المُكوّنُ الثاني فيتضمَّنُ توصيلَ شعورٍ عامٍّ بالتفاؤل. أعتقد أن نابليون بونابرت هو من قال “القائد هو تاجرٌ للأمل”. اتّخذَ دان قفزةَ ثقةٍ، لأنّهُ كان يعتقِدُ أن التحَوُّلَ في وسطِ المدينةِ يُمكنُ أن يكون حقيقياً ويُمكنُ أن يكون ذا منفعةٍ عامّةٍ واسعةٍ. لقد منحت هذه القفزةُ الناسَ فرصةً للاعتقادِ بأنَّ الأشخاصَ الأذكياءَ يُنفقونَ ملياراتِ الدولارات لشراءِ المباني الشاغرة، كما أشارَت للسوق بوجودِ فُرصةٍ استثماريةٍ حقيقيةٍ. مع جذبِ المزيد من الأنشطة التجارية، بدأ الناسُ يُدركون أن التنمية الاقتصادية لا يجب أن تكون لعبةً مُحصِّلَتُها صفر؛ يُمكِنُنا بالفعلِ توسيعُ الفُرَصِ الاقتصادية للجميع، ويُمكن أن يكون لديترويت مستقبل.

 

إنشاءُ عروضٍ ذات قيمة

أور: لا أعتقد أنه يمكننا المبالغة في أهمية عرض القيمة هذا [الاستثمار في وسط مدينة ديترويت] من وجهة نظر سوق الأعمال. عندما جِئتُ لأولِ مرةٍ كمديرٍ للطوارئ، كُنتُ أفكر على الفور مسبقاً في استراتيجية الخروج: بمجرّدِ الانتهاء من معاملات الميزانية العمومية لتقويم الميزانية وتقليص الإيرادات إلى النفقات، ما الذي سيأتي لاحقاً؟ يجب أن يكون هناك عرضٌ قّيمٌ يجذب النشاط الاقتصادي ويعيدُ بناءَ القاعدة الضريبية.

 

لكلِّ مدينةٍ رُعاة: دان جيلبرت والمجموعة في كويكن، وكذلك عائلة إليتش هم رعاة ديترويت. لقد نظروا إلى دافع ربحهم كجزءٍ من عرض قيمةٍ أوسع بكثير؛ وهو أمرٌ يتجاوزُ العائد التقليدي للاستثمار. كان لاهتمامهم بجذبِ الآخرين للمساعدة في إعادة البناء وتوفير الوظائف ورفعِ القاعدة الضريبية عزيمةٌ خيريةٌ تقريباً، وهذا هو نموذجُ الاستدامة الذي سيستمِرُ إلى ما هو أبعدُ من أي شيءٍ قُمتُ به كمديرٍ للطوارئ.

 

رابسون: العامل الآخر الذي أحيا نشاط السوق هو حقيقة أن العمل الخيري يُموِّلُ التحسينات في البنية التحتية والأماكن العامة. في مؤسسةِ «كريسجي»، شاركنا في تمويل هذا العمل، لأنَّ الحكومةَ لم تستطع القيام بذلك، وعرَفنا أن هناك من يحتاجُ إلى ذلك. شجَّعَت هذه التحسيناتُ الاستثمارات وعززتها، وجعلتها أكثر أماناً إلى حدٍّ ما. أعتقِدُ أنه ليس من قَبيلِ المُصادفةِ أن يختار المشاركون في «كويلكن» الاستثمارَ في وسط المدينة بعد أن أكملنا إعادةَ تنشيطٍ شاملةٍ لمنطقةِ ريفرفرونت، وأنشأنا صندوقاً لصيانة الأماكن العامةِ، واستثمرنا في نظام السكك الحديدية الخفيفة لربطِ المُوظّفين بالمنطقة الأكبر. لا يُمكنُ للعمل الخيري أن يخلُقَ فرصَ عملٍ؛ هذا ليس دورَنا، ولا نعرِفُ كيفَ نقومُ به بشكلٍ صحيحٍ؛ لكننا نعرفُ كيفَ نستثمرُ في السلعِ العامة التي يُمكن أن تكون بمرورِ الوقت حافزاً لاستثماراتِ القطاع الخاص. كان من المهم أن نصعدَ ونفعلَ ذلك.

 

لقد تلقينا انتقاداتٍ على المستوى الوطني، وكذلك مخاوفاً من مجلسِ إدارتِنا حول سبب استثمارِنا بكثافةٍ في البنية التحتية. لو لم يَتبَع القطاعُ الخاصُّ تلك التحركات لكانَ هناكَ ما يُبَرِّرُ تلك الانتقادات. رُبما كان لدينا الكثيرُ من المشاريعِ الصغيرةِ البدائيةِ التي لم تحقّق أثراً كبيراً، إنّ إظهارَ «روك فينتشرز» على الفور قيمةَ تلكَ الاستثمارات كان تأكيداً هائلاً على الدور الذي يمكنُ أن يلعبَه العمل الخيري.

للاطلاع على الجزء الثالث من السلسلة؛ اقرأ: تولي القيادة في أوقات مختلفة.

يمكنكم الاطلاع على النسخة الإنجليزية من المقال من خلال الرابط، علماً أنّ المقال المنشور باللغتين محمي بحقوق الملكية الدولية. إنّ نسخ نص المقال بدون إذن مسبق يُعرض صاحبه للملاحقة القانونية دولياً.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى