التأثير الجمعي واسع النطاق يتطلب تنسيقاً بين القطاعات

إعداد: جون كانيا، مارك كرامر

 

تم النشر 12 يونيو 2021

يتطلب التأثير الجمعي واسع النطاق تنسيقاً واسعاً بين القطاعات، ومع ذلك؛ يظل القطاع الاجتماعي يركز على التدخل المنفرد من قبل المنظمات.

لقد أدى حجم وتعقيد نظام التعليم الحكومي في الولايات المتحدة الأمريكية إلى إحباط محاولات إعادة تشكيله على مدى عقود من الزمن، وقام العديد من الممولين؛ مثل مؤسسة انينبيرغ ومؤسسة فورد وأمانات بيو الخيرية، بالتخلي عن العديد من محاولاتهم نتيجة الإحباط الناتج عن قلة التقدم.

الدولة التي كانت رائدةً عالمياً ذات يوم -حيث كان للولايات المتحدة الأمريكية أعلى معدل تخرج من المدارس الثانوية في العالم بعد الحرب العالمية الثانية- تحتل الآن المرتبة الثامنة عشر بين الدول الصناعية الأربع والعشرين الأوائل، مع أكثر من مليون طالب في المرحلة الثانوية يتركون المدرسة كل عام. لعل الجهود البطولية لعدد لا يحصى من المعلمين والإداريين والمنظمات غير الربحية، مع مليارات الدولارات من المساهمات الخيرية، قد أدت إلى تحقيق تحسينات مهمة في مدراس وفصول دراسية منفردة؛ إلا أن التقدم على مستوى النظام ككل بدا بعيد المنال نظرياً.

عكس كل التوقعات؛ ظهر تحسن ملحوظ في سينسيناتي، فقد قامت مؤسسة «سترايف»؛ وهي مؤسسة فرعية غير ربحية تابعة لـ«نوليدج ووركس»، بجمع القادة المحليين لمعالجة أزمة تحصيلات الطلاب الدراسية وتحسين التعليم في أنحاء ولاية سينسيناتي الكبرى وشمال كنتاكي.

خلال السنوات الأربع الماضية منذ انطلاق المجموعة؛ حسّن شركاء سترايف معدلات النجاح لدى الطلاب في عشرات المناطق الرئيسية عبر المدارس الحكومة في 3 مقاطعات كبرى، وعلى الرغم من الركود الاقتصادي وانخفاض الميزانية؛ أظهر 34 مؤشر من مؤشرات النجاح الـ 53 التي وضعتها سترايف، اتجاهات إيجابية؛ بما في ذلك معدلات التخرج من المدارس الثانوية، درجات مادتيّ القراءة والرياضيات للصف الرابع، عدد الأطفال في سن ما قبل المدرسة المتجهزين للالتحاق برياض الأطفال.

اقرأ أيضاً: مبادرات الأثر الجماعي: كيف ننسق بينها؟

لماذا أحرزت سترايف تقدماً بينما فشلت جهود عديدة أخرى؟ حدث هذا لأن مجموعة من قادة المجتمع قرروا التخلي عن أجنداتهم الفردية من أجل اتخاذ مقاربة جماعية لتحسين تحصيل الطلاب العلمي؛ حيث وافق أكثر من 300 قائد من المنظمات المحلية على المشاركة؛ بمن فيهم رؤساء المؤسسات والشركات الخاصة المؤثرة، والمسؤولين الحكوميون في المدينة، وممثلو مدارس المقاطعة، ورؤساء ثماني جامعات وكليات مجتمعية، والمدراء التنفيذيون لمئات المنظمات غير الربحية، ومجموعات المناصَرة التي تعنى بالتعليم.

أدرك هؤلاء القادة أن إصلاح نقطة واحدة من السلسلة التعليمية؛ مثل إنشاء برامج ما بعد المدرسة أفضل، لن يُحدِث فرقاً كبيراً ما لم تتحسن جميع أجزاء السلسلة في نفس الوقت، ولا توجد منظمة واحدة، مهما كانت مبتكَرةً أو قويةً، يمكنها تحقيق ذلك بمفردها. بدلاً من ذلك؛ أصبحت مهمتهم الطموحة تنسيق التحسينات في كل مرحلة من مراحل حياة الشباب، ” من المهد إلى المهنة”.

لم تحاول سترايف إنشاء برنامج تعليمي جديد، أو إقناع الممولين والمتبرعين بإنفاق المزيد من الأموال. عوضاً عن ذلك؛ قامت بتركيز المجتمع التعليمي بأكمله على مجموعة واحدة من الأهداف التي يمكن قياسها بنفس الطريقة -عبر هيكلية عمل موضوعة بعناية؛ حيث يتم تجميع المنظمات المشاركة في 15 شبكة نجاح طلابية مختلفة (SSNs) وفق نوع النشاط الذي تقوم به؛ مثل تعليم الطفولة المبكرة أو الدروس الخصوصية. اجتمعت كل شبكة من شبكات SSN مع المدربين والميسرين لمدة ساعتين كل أسبوعين على مدار السنوات الثلاث الماضية، للعمل على تطوير مؤشرات أداء مشترَكة ومناقشة تقدمهم، والأهم من ذلك؛ التعلم من بعضهم البعض ومواءمة جهودهم لدعم بعضهم البعض.

تعد سترايف؛ كل من المنظمة والعملية التي تقوم بتسييرها، مثالاً على التأثير الجمعي؛ وهو التزام مجموعة من الجهات الفاعلة المهمة من مختلف القطاعات بأجندة أعمال مشتركة لحل مشكلة اجتماعية معينة. التعاون ليس بالأمر الجديد، فالقطاع الاجتماعي مليء بالأمثلة عن الشراكات والشبكات وغيرها من الجهود المشتركة؛ إلا أن مبادرات التأثير الجمعي مختلفة تماماُ. على عكس معظم أوجه التعاون؛ تشتمل مبادرات التأثير الجمعي على بنية تحتية مركزية، وموظفين متخصصين، وعملية منظمة تقود إلى وضع أجندة عمل مشتركة، وأساليب قياس مشتركة، وتواصل مستمر، وأنشطة دعم متبادَلة بين جميع المشاركين.

اقرأ أيضاً: قادة الأنظمة: كيف يعملون لقيادة التغيير الاجتماعي؟

التأثير الجمعي لحل القضايا الاجتماعية

رغم ندرتها، فهناك بعض الأمثلة الناجحة الأخرى للتأثير الجمعي؛ والتي تتناول القضايا الاجتماعية التي تتطلب -كما هو الحال في قطاع التعليم- العديد من المساهمين المختلفين لتغيير سلوكهم من أجل حل مشكلة معقدة. في عام 1993، ساعدت مارجوري مايفيلد جاكسون في تأسيس مشروع «إليزابيث ريفر»؛ الذي أخذ على عاتقه مهمة تنظيف نهر إليزابيث في جنوب شرق ولاية فرجينيا؛ والذي كان لعقود من الزمان مكبًا للنفايات الصناعية، وقد أشركوا أكثر من 100 من أصحاب المصالح؛ بما في ذلك حكومات مدن تشيسابيك، نورفولك، بورتسموث، فيرجينيا بيتش في مقاطعة فيرجينيا، بالإضافة إلى إدارة جودة البيئة في فرجينيا، وكالة حماية البيئة الأمريكية (EPA)، البحرية الأمريكية، والعشرات من الشركات المحلية والمدارس والمجموعات المجتمعية والمنظمات البيئية والجامعات التي تعاونت جميعها على وضع خطة من 18 نقطة لاستعادة المجمعات المائية. بعد خمسة عشر عاماً، تم الحفاظ على أكثر من 1000 فدان من أراضي المجمعات المائية أو استعادتها، كما تم تقليل التلوث بأكثر من 215 مليون باوند، وانخفضت تراكيز أخطر مادة مسرطنة بمقدار ستة أضعاف، وتحسنت جودة المياه بشكل كبير. لا يزال هناك الكثير مما يتعين القيام به قبل استعادة النهر بالكامل؛ إلا أن 27 نوعاً من الأسماك والمحار بدأت تزدهر بالفعل في الأراضي الرطبة المستعادة، وعادت النسور الصلعاء إلى أعشاشها على الشواطئ.

لنأخذ بعين الاعتبار مبادرة «شيب اب سومرفيل»؛ وهي مجهود على مستوى المدينة، يهدف لتقليل والحد من السمنة لدى الأطفال في المدرسة الابتدائية في سومرفيل، ماساتشوستس. قادت المبادرة كريستينا إيكونوموس؛ الأستاذة المساعدة في مدرسة جيرالد جي. ودوروثي ار. فريدمان لعلوم وسياسات التغذية في جامعة تافتس، وقامت بتمويلها مراكز السيطرة على الأمراض والوقاية منها مع مؤسسة روبرت وود جونسون والصليب الأزرق والدرع الأزرق في ماساتشوستس و«يونايتد واي أوف ماساشوستس باي» و«ميريماك فالي»، أشرك البرنامج المسؤولين الحكوميين والمعلمين والشركات والمنظمات غير الربحية والمواطنين، بشكل جماعي في تحديد ممارسات تحقيق الصحة البدنية والوقاية من زيادة الوزن. وافقت المدارس على تقديم أطعمة صحية، وتعليم أساسيات التغذية، وتعزيز النشاط البدني، كما حصلت المطاعم المحلية على شهادة إذا كانت تقدم طعاماً قليل الدسم وعالي القيمة الغذائية. أيضاً؛ نظمت المدينة سوقاً للمزارعين، وقدمت حوافزَ لاتباع نمط حياة صحي؛ مثل عضويات الصالة الرياضية المخفضة الأسعار لموظفي المدينة. حتى الأرصفة تم تعديلها، وإعادة طلاء ممرات المشاة، لتشجيع المزيد من الأطفال على المشي إلى المدرسة، وكانت النتيجة انخفاضاً إحصائياً ملحوظاً في مؤشر كتلة الجسم بين الأطفال الصغار في المجتمع بين عاميّ 2002 و 2005.

حتى الشركات بدأت في استكشاف التأثير الجمعي لمعالجة المشكلات الاجتماعية، فعلى سبيل المثال؛ تعمل شركة «مارس»؛ وهي شركة مصنِّعة لماركات الشوكولاتة مثل «ام & امز» و «سنيكرز» و «دوف»، مع المنظمات غير الحكومية والحكومات المحلية وحتى المنافسين المباشرين، لتحسين حياة أكثر من 500000 مزارع من مزارعي الكاكاو الفقراء في كوت ديفوار؛ التي تعتمد عليها «مارس» كمصدر لحصة كبيرة من الكاكاو الذي تستخدمه. تشير الأبحاث إلى أن الممارسات الزراعية الأفضل، وتحسين مخزون النباتات، يمكن أن يضاعف محصول كل هكتار من الأرض بمقدار ثلاثة أضعاف؛ مما يؤدي إلى زيادة دخل المزارعين بشكل كبير، وتحسين استدامة سلسلة التوريد الخاصة بشركة «مارس». لتحقيق ذلك؛ يجب على «مارس» حشد الجهود المنسقة للمنظمات المتعددة: تحتاج حكومة كوت ديفوار إلى توفير المزيد من عمال الإرشاد الزراعي، ويجب على البنك الدولي تمويل طرق جديدة، كما يحتاج المتبرعون الثنائيون إلى دعم المنظمات غير الحكومية في تحسين الرعاية الصحية والتغذية والتعليم في مجتمعات زراعة الكاكاو، ويتوجب على شركة «مارس» إيجاد طرق للعمل مع منافسيها المباشرين على معالجة المشاكل خارج إطار المنافسة، للوصول إلى المزارعين خارج سلسلة التوريد الخاصة بها.

تندرج جميع هذه الأمثلة المتنوعة تحت إطار واحد، أن التغيير الاجتماعي واسع النطاق يأتي من التنسيق الأفضل ما بين القطاعات بدلاً من التدخل المنعزل للمنظمات المنفردة، لا تزال الأدلة على فعالية هذه المقاربة محدودةً، وإلا أن هذه الأمثلة تشير إلى إمكانية إحراز تقدم أكبر وأكثر استدامةً في معالجة العديد من المشاكل الاجتماعية بالغة الأهمية وشديدة التعقيد، إذا تم جمع المنظمات غير الربحية والحكومات والشركات والجمهور للعمل معاً وفق أجندة عمل مشتركة لخلق تأثير جمعي؛ هذا الأمر لا يحدث كثيراً، ليس لأنه مستحيل، بل لأن هذا النهج نادراً ما يتم اتباعه. يتجاهل المموّلون والمنظمات غير الربحية على حد سواء، إمكانية التأثير الجمعي، لأنهم معتادون على التركيز على العمل المستقل كأداة أساسية للتغيير الاجتماعي.

التأثير المعزول

معظم الممولين الذين يواجهون مهمة اختيار عدد قليل من المستفيدين من بين العديد من المتقدمين، يحاولون التحقق أي من المنظمات تقدم أكبر مساهمة في حل مشكلة اجتماعية. يتنافس متلقو التبرعات بدورهم ليتم اختيارهم؛ من خلال التأكيد على أن أنشطتهم الفردية تنتج أكبر تأثير. يتم الحكم على كل منظمة على أساس قدرتها الخاصة على تحقيق التأثير، بغض النظر عن المنظمات الأخرى العديدة التي قد تؤثر أيضاً على القضية، وعندما يُطلب من المستفيد تقييم تأثير عمله، تُبذل كل محاولة لعزل التأثير الفردي لهذا المستفيد عن جميع المتغيرات الأخرى.

بالمختصر؛ يعمل القطاع غير الربحي معظم الأحيان باستخدام مقاربة تدعوها بالتأثير المعزول؛  هذه المقاربة موجهة نحو إيجاد وتمويل حل متجسد داخل منظمة واحدة، جنباً إلى جنب مع الأمل في أن أكثر المنظمات فاعليةً ستنمو أو تتكرر لتوسيع تأثيرها على نطاق أوسع. يبحث المموّلون عن تدخلات أكثر فاعلية؛وكأن هناك علاجاً للمدارس الفاشلة يحتاج إلى اكتشافه بذات الطريقة التي يتم بها اكتشاف العلاجات الطبية في المختبرات. نتيجةً لهذه العملية؛ تحاول ما يقرب من 1.4 مليون منظمة غير ربحية، ابتكار حلول مستقلة للمشاكل الاجتماعية الكبرى، وغالباً ما تعمل على خلاف مع بعضها البعض، وتزيد بشكل كبير من الموارد المتصورة المطلوبة لإحراز تقدم ذو مغزىً، وقد عززت التوجهات الحديثة هذا المنظور فقط، فعلى سبيل المثال؛ لقد أفاد الاهتمام المتزايد بالعمل الخيري للمشاريع وريادة الأعمال الاجتماعية، القطاع الاجتماعي بشكل كبير؛ وذلك من خلال تحديد وتسريع نمو العديد من المنظمات غير الربحية عالية الأداء، ومع ذلك، فقد شدد أيضاً على التركيز على توسيع نطاق عدد قليل من المنظمات المختارة كمفتاح للتقدم الاجتماعي.

وبالرغم من سيادة هذه المقاربة؛ لا تزال الأدلة قليلةً على أن المبادرات المعزولة هي الطريقة الأفضل لحل العديد من المشاكل الاجتماعية في العالم المعقد والمترابط في عصرنا الحالي، لا توجد منظمة واحدة مسؤولة عن أية مشكلة اجتماعية كبرى، ولا يمكن لأية منظمة معالجتها بمفردها، ففي مجال التعليم؛ حتى أكثر المنظمات غير الربحية أهميةً؛ مثل «هارلم تشيلدرنز زون»، «التعليم من أجل أمريكا»، برنامج «نوليدج از باور» (KIPP)، استغرقت عقوداً من الزمن للوصول إلى عشرات الآلاف من الأطفال؛ والذي يُعد إنجازاً رائعاً يستحق الثناء؛ إلا أنه أقل بثلاث قوىً للضعف من عشرات الملايين من الأطفال الذين يحتاجون إلى المساعدة في الولايات المتحدة الأمريكية.

تتفاقم مشكلة الاعتماد على التأثير المعزول للمنظمات الفردية بسبب عزلة القطاع غير الربحي، وتنشأ المشاكل الاجتماعية من تقاطع الأنشطة الحكومية والتجارية؛ وليس فقط من سلوك منظمات القطاع الاجتماعي، ونتيجةً لذلك؛ لا يمكن حل المشكلات المعقدة إلا من خلال التحالفات عبر القطاعات التي تُشرك من هم خارج القطاع غير الربحي.

لا نريد الإيحاء بأن جميع المشكلات الاجتماعية تتطلب تأثيراً جماعياً، ففي الواقع؛ يتم حل بعض المشكلات بشكل أفضل من خلال المنظمات الفردية. في مقال «القيادة بجرأة»؛ وهو مقال كتبناه مع رون هيفيتز لعدد شتاء 2004 من مجلة ستانفورد ريفيو للابتكار الاجتماعي، وصفنا الفرق بين المشكلات التقنية ومشكلات التكيف. بعض المشكلات الاجتماعية تقنية من حيث أن المشكلة محددة جيداً، والإجابة معروفة مسبقاً، ولدى منظمة واحدة أو عدة مؤسسات القدرة على تنفيذ الحل. تشمل الأمثلة تمويل المنح الدراسية الجامعية، أو بناء مستشفىً، أو تثبيت ضوابط المخزون في بنك الطعام، وعلى النقيض من ذلك، فإن مشاكل التكيف معقدة وإجاباتها غير معروفة، وحتى لو كانت كذلك، فلا يوجد كيان بمفرده لديه الموارد أو السلطة لإحداث التغيير الضروري. إصلاح التعليم العام، واستعادة بيئات الأراضي الرطبة، وتحسين صحة المجتمع؛ كلها مشاكل تكيفية، وفي هذه الحالات؛ يتطلب الوصول إلى حل فعال التعلم من قبل أصحاب المصلحة المشاركين في المشكلة؛ والذين يجب عليهم بعد ذلك تغيير سلوكهم من أجل إيجاد حل.

إن التحول من التأثير المعزول إلى التأثير الجماعي ليس مجرد مسألة تشجيع المزيد من التعاون أو الشراكات بين القطاعين العام والخاص؛ بل إنه يتطلب نهجاً منهجياً للتأثير الاجتماعي، يركز على العلاقات بين المنظمات والتقدم نحو الأهداف المشتركة، ويتطلب إنشاء مجموعة جديدة من المنظمات الإدارية غير الربحية؛ التي تمتلك المهارات والموارد الكافية لتجميع وتنسيق العناصر المحددة اللازمة لنجاح العمل الجماعي.

اقرأ أيضاً: ماذا نقصد بالأثر الجماعي عالي الجودة؟

الشروط الخمس لنجاح التأثر الجمعي

يُظهر بحثنا أن مبادرات التأثير الجمعي الناجحة عادةً ما تمتلك خمس شروط تحقق جميعها انتظاماً حقيقياً للعمل، وتقود إلى نتائج ضخمة؛ وهي: أجندة عمل مشتركة، أنظمة قياس مشتركة، أنشطة مُعزِّزة بشكل مشترك، تواصل مستمر، منظمات داعمة أساسية.

  • أجندة عمل مشتركة | يتطلب التأثير الجمعي أن يكون لدى جميع المشاركين رؤية مشتركة للتغيير؛ رؤية تتضمن فهماً مشتركاً للمشكلة ونهجاً مشتركاً لحلها من خلال الإجراءات المتفق عليها. ألقِ نظرةً فاحصةً على أية مجموعة من الممولين والمنظمات غير الربحية التي تعتقد أنها تعمل على نفس المشكلة الاجتماعية، وسرعان ما ستجد أنها ليست نفس المشكلة على الإطلاق. غالباً ما يكون لكل منظمة، تعريف مختلف قليلاً للمشكلة والهدف النهائي، ويتم تجاهل هذه الاختلافات بسهولة عندما تعمل المنظمات بشكل مستقل في مبادرات منعزلة، ومع ذلك، فإن هذه الاختلافات تشتت الجهود وتقوض تأثير المجال ككل.

يتطلب التأثير الجمعي مناقشة هذه الاختلافات وحلها، فلا يحتاج كل مشارك إلى الاتفاق مع كل مشارك آخر على جميع أبعاد المشكلة. في الواقع؛ تستمر الخلافات في تقسيم المشاركين في جميع أمثلة التأثير الجماعي لدينا، ومع ذلك؛ يجب أن يتفق جميع المشاركين على الأهداف الأساسية لمبادرة التأثير الجمعي ككل. كان على مشروع إليزابيث ريفر-على سبيل المثال- إيجاد أرضية مشتركة بين الأهداف المختلفة للشركات والحكومات ومجموعات المجتمع والمواطنين المحليين؛ من أجل إنشاء مبادرات قابلة للتطبيق عبر القطاعات. يمكن للممولين أن يلعبوا دوراً مهماً في حث المنظمات على العمل بشكل جماعي. في حالة عملية «سترايف»، بدلاً من دعم المئات من الاستراتيجيات والمنظمات غير الربحية؛ اتفق العديد من الممولين لدعم أهداف «سترايف» المركزية، فقد أعادت مؤسسة «غريتر سينسيناتي» مواءمة أهدافها التعليمية لتكون أكثر توافقاً مع «سترايف»؛ حيث اعتمدت بطاقة التقرير السنوية التي وضعتها «سترايف» كمقياس للمؤسسة لتحديد مدى التقدم في التعليم. في كل مرة تقدمت فيها منظمة ما إلى «دوك اينرجي» للحصول على منحة، يسألها دوك: “هل أنت جزء من شبكة [سترايف]؟”، وعندما عبّر الممول الجديد -مؤسسة كارول ان و رالف في. هايلي جونيور / يو اس بانك- عن اهتمامه بالتعليم، لاقوا تشجيعاً من كل قائد رئيسي في قطاع التعليم في سينسيناتي، للانضمام إلى «سترايف» في حال كانوا يرغبون بإحداث أثر حقيقي على قطاع التعليم المحلي.

 

  • أنظمة قياس مشتركة | إن تطوير نظام قياس مشترك هو أمر أساسي في تحقيق التأثير الجمعي. إن الاتفاق على جدول أعمال مشترك دون الاتفاق حول طرق لقياس النجاح والإبلاغ عنه أمرٌ واهم؛ حيث أن جمع البيانات وقياس النتائج باستمرار وفق قائمة قصيرة من المؤشرات على مستوى المجتمع وعبر جميع المنظمات المشاركة، لا يضمن فقط أن تظل جميع الجهود متناسقةً؛ بل إنه أيضاً يمكّن المشاركين من مساءلة بعضهم البعض، والتعلم من نجاحات وإخفاقات بعضهم البعض.

    قد يبدو من المستحيل تقييم مئات المنظمات المختلفة وفق نفس مجموعة المقاييس؛ إلا أن التطورات الحديثة في التقنيات المستنِدة إلى الويب، قد مكنت الأنظمة المشتركة من متابعة الأداء وقياس النتائج. تعمل هذه الأنظمة على زيادة الكفاءة وتقليل التكلفة، كما يمكنها أيضاً تحسين جودة ومصداقية البيانات التي تم جمعها، وزيادة الفعالية من خلال تمكين المستفيدين من التعلم من أداء بعضهم البعض، وتوثيق التقدم المحقَّق في المجال ككل.

على سبيل المثال؛ وافقت كافة برامج ما قبل المدرسة المشتركة في «سترايف»، على قياس النتائج وفق نفس المعيار، واستخدام طريقة صنع قرار معتمِدة على الأدلة فقط، ويتطلب كل نوع من الأنشطة مجموعةً مختلفةً من المقاييس؛ ولكن جميع المنظمات العاملة في نفس النوع من الأنشطة تتبع ذات المقاييس. إن النظر إلى النتائج عبر منظمات متعددة، يمكّن المشاركين من تحديد الأنماط وإيجاد الحلول وتنفيذها بسرعة، اكتشفت برامج ما قبل المدرسة أن الأطفال يتراجعون في المستوى خلال العطلة الصيفية قبل الدخول إلى الروضة. من خلال إطلاق جلسة “الجسر الصيفي” المبتكرة؛ وهي تقنية تُستخدم غالباً في مدارس المرحلة المتوسطة، وتنفيذها بشكل متزامن في جميع برامج ما قبل المدرسة، تمكنوا من رفع متوسط درجات استعداد الأطفال للروضة في جميع أنحاء المنطقة بمعدل 10% خلال عام واحد.

 

  • أنشطة معزِّزة بشكل مشترَك | تعتمد مبادرات التأثير الجمعي على مجموعة متنوعة من أصحاب المصلحة الذين يعملون معاً؛ وذلك لا يتم من خلال مطالبة جميع المشاركين بفعل الشيء نفسه؛ بل من خلال تشجيع كل مشارك على القيام بمجموعة محددة من الأنشطة التي يتفوق فيها بطريقة تدعم أنشطة الآخرين وتتّسق معها.

    إن قوة العمل الجماعي لا تنبع من العدد الهائل للمشاركين أو توحيد جهودهم؛ بل من التنسيق بين أنشطتهم المختلفة من خلال خطة عمل تعززها جميعاً بشكل مشترك. يجب أن تنسجم جهود كل شخص من أصحاب المصلحة مع خطة شاملة موحدة، كي تتمكن الجهود المشتركة من النجاح، ونظراً لأن الأسباب المتعددة للمشاكل الاجتماعية وثيقة الترابط مع مكونات الحلول؛ لا تمكن معالجتها من خلال اتخاذ إجراءات غير منسقة بين المنظمات المنعزلة.


وافق جميع المشاركين في مشروع نهر إليزابيث -على سبيل المثال- على خطة استعادة مستجمعات المياه المكونة من 18 نقطة؛ لكن كلاً منهم يلعب دوراً مختلفاً بناءً على قدراته الخاصة؛ تعمل مجموعة واحدة من المنظمات على خلق قاعدة دعم ومشاركة بين المواطنين، وتقدم مجموعة ثانية المراجعة والتوظيف للمشاركين الصناعيين الذين يقللون من التلوث طواعيةً، ومجموعة ثالثة تنسق وتقوم بمراجعة البحث العلمي.

تقوم شبكات SSN الخمسة عشر في «سترايف»، بأنواع مختلفة من الأنشطة في مراحل مختلفة من الاستمرارية التعليمية. لا تحدد «سترايف» الممارسات التي يجب على كل منظمة من المنظمات المشاركة البالغ عددها 300 اتباعها؛ كل منظمة وشبكة لها مطلق الحرية في رسم مسارها الخاص بما يتفق مع أجندة الأعمال المشتركة، وعلى أساس القياس المشترك للنتائج.

  • التواصل المستمر | يُعد تطوير الثقة بين المنظمات غير الربحية والشركات والوكالات الحكومية تحدياً هائلاً، ويحتاج المشاركون إلى عدة سنوات من الاجتماعات المنتظمة لبناء خبرة كافية مع بعضهم البعض، للتعرف على الدافع المشترك وراء جهودهم المختلفة، وتقديره؛ إنهم يحتاجون إلى الوقت ليتمكنوا من رؤية أن مصالحهم الخاصة ستُعامل بشكل عادل، وأن القرارات ستُتَّخذ على أساس أدلة موضوعية، وأفضل حل ممكن للمشكلة، وليس بناءً على تفضيل أولويات منظمة على أخرى.

    حتى عملية إنشاء قاعدة مفردات مشتركة تستغرق وقتاً، وهي مطلب أساسي لتطوير أنظمة قياس مشتركة. عقدت جميع مبادرات التأثير الجمعي التي درسناها اجتماعات شخصيةً شهريةً أو حتى نصف شهرية بين قادة المنظمات على مستوى الرؤساء التنفيذيين؛ حيث لم يكن من المقبول تخطي الاجتماعات أو إرسال مندوبين من مستوىً أدنى، وقد تم دعم معظم الاجتماعات من قبل ميسرين خارجيين، واتبعت جدول أعمال منظم.

    شبكات «سترايف» -على سبيل المثال- كانت تجتمع بانتظام منذ أكثر من ثلاث سنوات، كما يتم التواصل ما بين الاجتماعات أيضاً؛ حيث تستخدم «سترايف» أدوات تستند إلى الويب؛ مثل «مجموعات جوجل»، للحفاظ على تدفق التواصل بين الشبكات وداخلها. في البداية؛ حرص العديد من القادة على الحضور، لأنهم كانوا يأملون أن تجلب مشاركتهم تمويلاً إضافياً لمنظماتهم؛ لكنهم سرعان ما علموا أن هذا لم يكن الغرض من الاجتماعات، وما اكتشفوه بدلاً من ذلك كان فرص التعلم وحل المشكلات مع الآخرين الذين يشاركونهم نفس المعرفة العميقة والشغف بالمسألة.

  • منظمات دعم أساسية | يتطلب إنشاء وإدارة التأثير الجمعي، وجود منظمة منفصلة، وموظفين يتمتعون بمجموعة محددة جداً من المهارات، ليكونوا بمثابة العمود الفقري للمبادرة بأكملها، فالتنسيق يستغرق وقتاً، ولا تمتلك أي من المنظمات المشاركة الوقت الإضافي لتقوم بذلك؛ حيث أن توقع إمكانية حدوث التعاون بدون بنية تحتية داعمة يُعد أحد الأسباب الأكثر شيوعاً لفشل هذا التعاون.

    تتطلب المنظمة الأساسية موظفين مخصصين منفصلين عن المنظمات المشارِكة، يمكنهم التخطيط للمبادرة وإدارتها ودعمها؛ من خلال التيسير المستمر ودعم التكنولوجيا والاتصالات وجمع البيانات وإعداد التقارير والتعامل مع التفاصيل اللوجستية والإدارية التي لا تُعد ولا تحصى، واللازمة لعمل المبادرة بسلاسة. قامت «سترايف» بتبسيط متطلبات التوظيف الأولية للمؤسسة الأساسية إلى ثلاثة أدوار: مدير المشروع ، ومدير البيانات ، والميسر.


يتطلب التأثير الجمعي أيضاً عمليةً منظمةً للغاية تؤدي إلى اتخاذ قرارات فعالة. في حالة «سترايف»؛ عمل الموظفون مع شركة جنرال إلكتريك (GE) لتكيف عملية «سيكس سيغما» التي تستخدمها GE لعمليات تحسين الجودة المستمرة لديها، مع القطاع الاجتماعي. تتضمن عملية «سيكس سيغما» التي طوّرتها «سترايف»، التدريب والأدوات والموارد التي تستخدمها كل من شبكات SSN لتحديد جدول أعمالها المشترك والتدابير المشتركة وخطة العمل، بدعم من ميسري «سترايف» لتوجيه العملية بشكل فعال.

في الظروف المثلى؛ تجسد هذه المنظمات الأساسية مبادئ القيادة التكيفية: القدرة على تركيز انتباه الناس وخلق شعور بالإلحاح، مهارة ممارسة الضغط على أصحاب المصلحة دون إرباكهم، والكفاءة لتأطير القضايا بطريقة تقدم الفرص بالإضافة إلى الصعوبات، القوة للتوسط في الصراع بين أصحاب المصلحة.


تمويل التأثير الجمعي


يتطلب إنشاء مبادرة تأثير جماعي ناجحة استثماراً مالياً كبيراً: الوقت الذي يجب أن تخصصه المنظمات المشارِكة للعمل، تطوير ومراقبة أنظمة القياس المشتركة، موظفو المنظمة الأساسية المطلوبون لقيادة ودعم العمل الجاري للمبادرة.

على الرغم من النجاح الذي حققته «سترايف»؛ إلا أنها كافحت لجمع الأموال، وواجهت إحجام الممولين عن الدفع مقابل البنية التحتية وتفضيلهم للحلول قصيرة الأمد. يتطلب التأثير الجماعي بدلاً من ذلك، أن يدعم الممولون عمليات طويلة الأمد من أجل تحقيق التغيير الاجتماعي المرجوّ دون تحديد أي حل معين مقدماً؛ يجب أن يكونوا مستعدين للسماح للمستفيدين بتوجيه العمل والتحلي بالصبر للبقاء مع مبادرة لسنوات، مع إدراك أن التغيير الاجتماعي يمكن أن يأتي من التحسين التدريجي للنظام بأكمله مع مرور الوقت؛ وليس فقط من اكتشاف حل مبهر واحد من قبل منظمة فردية.
وهذا يتطلب تغييراً جوهرياً في كيفية رؤية الممولين لدورهم في العملية، ليتحولوا من تمويل المنظمات إلى قيادة عملية طويلة الأمد للتغيير الاجتماعي، ففي وقتنا الحالي؛ لم يعُد من الكافي تمويل حل مبتكر تم إنشاؤه بواسطة منظمة غير ربحية واحدة، أو تعزيز قدرة تلك المنظمة. بدلاً من ذلك؛ يجب أن يساعد المموّلون في إنشاء العمليات الجماعية واستدامتها، وأنظمة إعداد تقارير القياس، والقيادة المجتمعية التي تمكّن التحالفات عبر القطاعات من الظهور والازدهار.

هذا هو التحول الذي تنبأنا به في كل من مقال “القيادة الجريئة” ومقالنا الأحدث؛ “العمل الخيري التحفيزي” في عدد خريف 2009 من مجلة ستانفورد ريفيو للابتكار الاجتماعي. في المقال الأول، اقترحنا أن الدور الأقوى للممولين في معالجة مشاكل التكيف، يكمن في تركيز الانتباه على القضية، والمساعدة على إنشاء عملية تحشد المنظمات المعنية لإيجاد حل بأنفسهم؛ أما في مقال “العمل الخيري التحفيزي”، كتبنا: “إن تعبئة وتنسيق أصحاب المصلحة هو عمل أكثر فوضويةً، وأبطأ بكثير من تمويل طلب منحة مقنع من منظمة واحدة، ومع ذلك. فإن التغيير المنهجي يعتمد في النهاية على حملة مستدامة لزيادة القدرة والتنسيق في مجال بأكمله “. كما أوصينا بأن يتبع الممولون الراغبون في إحداث تغيير واسع النطاق لأربع ممارسات: تحمل مسؤولية تجميع عناصر الحل، خلق حركة من أجل التغيير، تضمين الحلول من خارج القطاع غير الربحي، استخدام المعرفة القابلة للتنفيذ للتأثير على السلوك وتحسين الأداء.

تتجسد هذه المبادئ الأربع نفسها في مبادرات التأثير الجمعي؛ حيث تخلى منظمو «سترايف» عن النهج التقليدي المتمثل في تمويل برامج محددة في المؤسسات التعليمية غير الربحية، وتولوا مسؤولية تطوير إصلاح التعليم بأنفسهم، فقد قاموا ببناء حركة للتغيير؛ مشركين مئات المنظمات في حملة نحو أهداف مشتركة، كما أنهم استخدموا أدوات خارج القطاع غير الربحي؛ مثل تكييف عملية التخطيط «سيكي سيغما» من شركة GE، لتتوافق مع القطاع الاجتماعي، ومن خلال بطاقة التقرير المجتمعية والاجتماعات نصف الشهرية لشبكات SSN؛ قاموا بإنشاء قاعدة معرفية قابلة للتنفيذ حفزت المجتمع وحسنت الأداء بين المشاركين.

إن تمويل مبادرات التأثير الجمعي أمر مكلف؛ إلا أنه قد يكون استثماراً عالي الاستدانة، يمكن لمنظمة أساسية ذات ميزانية سنوية متواضعة أن تدعم مبادرة التأثير الجمعي لعدة مئات من المنظمات؛ مما يضخم تأثير ملايين أو حتى مليارات الدولارات في التمويل الحالي. تمتلك «سترايف» -على سبيل المثال- ميزانيةً سنويةً تبلغ 1.5 مليون دولار؛ ولكنها تنسق الجهود وتزيد من فعالية المنظمات بميزانيات يبلغ مجموعها 7 مليارات دولار، ومع ذلك؛ لم يغير القطاع الاجتماعي ممارساته التمويلية حتى الآن، لتمكين التحول إلى التأثير الجمعي، وحتى يصبح المموّلون على استعداد لتبني هذا النهج الجديد، واستثمار موارد كافية في التسهيلات الضرورية والتنسيق والقياس الذي يمكّن المنظمات من العمل في تناغم؛ لن تتطور البنية التحتية المطلوبة للقيام بذلك.

صدمة مستقبلية

كيف يمكن أن يبدو التغيير الاجتماعي إذا تبنى المموّلون والمنظمات غير الربحية والمسؤولون الحكوميون والقادة المدنيون ورجال الأعمال التأثير الجمعي؟ تقدم الأحداث الأخيرة في «سترايف» مؤشراً مثيراً لما قد يكون ممكناً في حال حدوث ذلك.

بدأت «سترايف» في تدوين ما تعلَّمته حتى تتمكن المجتمعات الأخرى من تحقيق التأثير الجمعي بسرعة أكبر؛ تعمل المنظمة مع تسعة مجتمعات أخرى لتأسيس مهد مماثل للمبادرات المهنية، والأهم من ذلك أنه رغم سعي «سترايف» لتوسيع تأثيرها على المستوى الوطني، فإن المنظمة لا توسع نطاق عملياتها من خلال فتح فروع في مدن أخرى؛ بل بدلاً من ذلك؛ تقوم «سترايف» بتعميم عملية مرنة للتغيير؛ حيث تقدم لكل مجتمع مجموعةً من الأدوات المستمدَّة من تجربة «سترايف» لتحقيق الأثر الجمعيّ؛ إلا أنها قابلة للتكيف مع احتياجات المجتمع وموارده الخاصة. نتيجةً لذلك؛ تأخذ المجتمعات الجديدة الملكية الحقيقية لمبادرات التأثير الجمعي الخاصة بها؛ لكنها لا تحتاج إلى بدء العملية من الصفر، وبذلك يتم تسريع الأنشطة؛ مثل تطوير مهمة ورؤية إصلاح تعليمي جماعي، أو إنشاء مؤشرات تعليمية محددة على مستوى المجتمع من خلال استخدام مواد «سترايف» والمساعدة المقدمة من طاقم «سترايف»، فالعمليات التي استغرق تطويرها من «سترايف» عدة سنوات، يتم تكييفها وتعديلها من قبل المجتمعات الأخرى في وقت أقل بكثير.

شكلت هذه المجتمعات التسع بالإضافة إلى سينسيناتي، مجتمعاً للتدرب والممارسة؛ حيث يتواصل الممثلون لكل مهمة بشكل منتظم لمشاركة ما يتعلمونه، ونظراً لعدد المجتمعات وتنوعها؛ يمكن لسترايف وشركائها تحديد العمليات ذات التوافق العالمي بسرعة، وتلك التي تتطلب التكييف مع السياق المحلي، ومع تراكم المعارف التي يتم تعلمها، سيقوم فريق «سترايف» بدمج النتائج الجديدة في البوابة المعرفية المنشأة على الإنترنت؛ والتي ستكون متاحةً لأي مجتمع يرغب في إنشاء مبادرة تأثير جمعي خاصة به تستند إلى نموذج «سترايف».

هذا التطور المثير لمبادرة التأثير الجمعي التي قامت بها «سترايف»، بعيد كل البعد عن نهج التأثير المعزول الذي يهيمن الآن على القطاع الاجتماعي؛ والذي يمنع أي جهد كبير من إحداث تغيير شامل وواسع النطاق. في حال نجاح هذه المبادرة، فإنها تنذر بانتشار نهج جديد سيمكننا من حل المشاكل الاجتماعية الحالية الأكثر خطورةً بالموارد التي هي بالفعل تحت تصرفنا، وسيكون الأمر صدمةً للنظام الاجتماعي بأكمله؛ لكنه شكل من أشكال العلاج بالصدمة الذي نحن في أمسّ الحاجة إليه.

اقرأ أيضاً: تحقيق الأثر الجماعي لمجموعة الشباب الواعدين

يمكنكم الاطلاع على النسخة الإنجليزية من المقال من خلال الرابط، علماً أنّ المقال المنشور باللغتين محمي بحقوق الملكية الدولية. إنّ نسخ نص المقال بدون إذن مسبق يُعرض صاحبه للملاحقة القانونية دولياً.

 

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى