التفكير التصميمي لمعالجة التغير المناخي

نحن نعيش في عالم تغير المناخ فيه مستمر؛ حيث المواسم أقل استقراراً، وتزداد وتيرة الكوارث الطبيعية، وأكثر من يعاني من حالة عدم الاستقرار هم صغار المزارعين الذين ينتجون 70% من غذاء العالم. لنأخذ مثالاً المزارعة الكولومبية دونا غيلما المتخصصة بزراعة البصل؛ والتي تعمل في الأرض منذ 32 عاماً، لكن التركيبة التي تستخدمها من الأسمدة الكيماوية والمبيدات الحشرية وروث الدجاج الأولي تفشل الآن، ويمكنها ملاحظة أن السبب الكامن وراء محصولها القليل وجذور البصل المتعفنة هو فصول الصيف الأطول والأكثر حرارةً، وتأخر هطول الأمطار، في المقابل، لدى غيلما أسئلة أكثر من الإجابات؛ وهي: ما كمية السماد المناسبة؟ هل المزيد من الري أفضل دائما؟ هل السماد يؤدي إلى زيادة المحصول حقاً؟

نظراً لأن تقلبات الطبيعية أصبحت القاعدة، لم يعد بإمكان صنّاع القرار من المزارعين الاعتماد على المعرفة المتوارثة عبر الأجيال، وبذلك، يُعتبر تغير المناخ أيضاً «مشكلة تتسم بالغموض» تعاني منها المجتمعات التي تواجهها أولاً كمأزق؛ لأن ما تعرفه لم يعد مجدياً، كما تتطلب السرعة والنطاق الواسع اللذان تحدث بهما هذه التحولات استجابات ديناميكية على المستوى الفردي؛ أو ما يسمى أحياناً «التكيف المستقل»، ففي النهاية، لا تزال الخبرة المتعلقة بالمناخ متمركزةً إلى حد كبير في أيدي العلماء وصنّاع السياسات؛ الذين هم على بعد آلاف الكيلومترات من المواقع التي تكون فيها ممارسات التكيف مطلوبةً بشدة، لكن المشكلات التي تتسم بالغموض تتطلب حلولاً مبتكرةً محلياً، وإجراء تعديلات منطقية بالنسبة إلى المزارعين والصيادين الذين يواجهون تحديات معيشية بصورة مباشرة، لذلك نوصي بالاستعانة بالتفكير التصميمي؛ وهو نهج لبناء الحلول مع المجتمعات ولها، وتكون الأقرب إلى التحدي الحالي.

حلول التصميم

استخدم مشروع حديث بين مؤسسة «رير» (Rare) ومركز «دي دوت سكول» (d.school)؛ التابع لـ«جامعة ستانفورد»، مبادئ التصميم لمعالجة إحدى المشكلات التي يواجهها مزارعو البصل الكولومبيون؛ والمتسمة بالغموض وأنها ذات مخاطر عالية، والمتمثلة بالسؤال التالي: ما مقدار المدخلات الكيماوية الكافية لكي تنجح زراعة البصل من دون تدهور التربة التي تعرضت بالفعل للمعالجة الزائدة؟ هذا يُعتبر مجرد مثال واحد على هذه المشكلة، ومن زاوية واحدة من العالم، إلا أنه يبقى أمامنا تحدٍّ متمثل في كيفية معالجة مشكلات أخرى تتسم بالغموض؛ والتي تهدد التكيف مع المناخ في الوقت المناسب في الأماكن الأكثر تعرضاً للخطر على كوكب الأرض، ونأمل في أن يأخذ المزيد من صنّاع التغيير في الاعتبار منظور التفكير التصميمي في الحالات التي تكون فيها المعلومات التي نمتلكها غير مجدية بعد الآن.

لاحظ خوسيه فالنسيا؛ وهو من صغار المزارعين، ويعمل في أرض مستأجرة في منطقة فالي ديل كاوكا بكولومبيا، انخفاض إنتاجية تربته، ولكن سيكون من الصعب عليه تفسير السبب، كما أن الاحتفاظ بسجلات كميات المدخلات والتكاليف ليس ممارسةً شائعة؛ خاصةً بالنسبة إلى المزارعين من الجيل الأول مثل فالنسيا؛ الذي انتقل مؤخراً إلى فالي من مقاطعة نارينيو المجاورة، نتيجةً للنزوح الواسع بعد الصراع الداخلي في كولومبيا؛ الذي دام 40 عاماً، ومن جانب آخر، فإن الافتراض الذي يبني عليه فالنسيا عمله هو أن المزيد من المدخلات الكيماوية أفضل ليجني محصولاً كبيراً من البصل كبير الحجم؛ وهو النوع الأكثر طلباً لأنهم يصنعون منه حلقات جميلةً توضع على وجه البرغر؛ الطعام المفضل في كولومبيا.

إن إجماع الخبراء على الخطر الذي تشكله المدخلات الكيماوية لتجديد التربة يُعدّ راسخاً، ولكن بينما يقترح وكلاء الإرشاد الزراعي الحكوميون معايرة المدخلات وفقاً لاحتياجات التربة، فإن اتّباع هذه التوصية من جانب المجتمعات البعيدة جغرافياً؛ والمعرضة أكثر للخطر، يبقى عمليةً محفوفةً بالمخاطر من دون وجود سيناريوهات واضحة، وفي مواجهة تغير المناخ، فإن الطبيعة الغامضة والمتطورة للمشكلة تجعل المزارعين أقل ميلاً لتغيير ممارساتهم التقليدية؛ خاصةً عندما يفتقرون إلى المعلومات أو الأدلة التي يمكن الوصول إليها من أقرانهم الذين يتبنون بنجاح حلول متكيفة جديدة.

بدلاً من السؤال عن كيفية تعليم المجتمعات العلم «الصحيح» للزراعة بطرق صديقة للمناخ، أعطى المشروع القائم على التعاون بين مؤسسة «رير» ومركز «دي دوت سكول» أولويةً لأسئلة مختلفة؛ وهي: ما هي التجارب الحية التي تسمح للمجتمعات بفهم البيئة وتقييمها بشكل أفضل؟ كيف يمكن تمكين المجتمعات بالأدوات الصحيحة المستندة إلى البيانات لإدارة مواردها؟ يتمثل التحول الحاسم في الاعتراف بالغموض الفعلي الكامن وراء الطبيعية، وينبغي أن تُرشد المرونة المدفوعة بالمعرفة كيفية استجابة العلماء والمصممين وصنّاع التغيير والمجتمعات المعرضة أولاً لخطر التحديات البيئية المستقبلية.

أجرى فريق المشروع عملية بحث تركز على تجارب المزارعين مع حالة التربة وفهمهم لها؛ حيث طُرح السؤال التالي: كيف يتعامل صغار المزارعين مع التحدي المزدوج المتمثل في تأمين مصدر الرزق وضمان تجديد التربة للمحاصيل المتعاقبة؟ على الرغم من القيود التي يفرضها الإغلاق العالمي المستمر لإبطاء انتشار جائحة كورونا، وضع أعضاء الفريق استراتيجيات بحث عن بُعد لاستبدال إجراء المقابلات التقليدية وجهاً لوجه، وجمع وجهات النظر من الأفراد بالقرب من فالي ديل كاوكا، وإجراء أبحاث مقارنة حول صغار المزارعين الذين يواجهون خيارات مماثلةً بين إنتاجية التربة وتجديدها في وسط غرب أميركا.

بدأت الصورة تتضح؛ إذ كانت حياة المزارعين في كاوكا غير مستقرة؛ حيث ينتظرون الحصول على مدخول من موسم إلى آخر، ولم يمتلكوا الأرض التي يزرعونها؛ مما جعل أي استثمار في التربة مشروطاً بما إذا كانت ستحسّن معيشتهم أولاً، مع حلول المنافع البيئية المشتركة في المرتبة الثانية، كما كانت الأسمدة باهظة الثمن، وكان يحاول معظمهم معالجة تدهور جودة التربة بروث الدجاج الأولي. يعمل برنامج «لاند فور لايف» (Land for Life)؛ التابع لمؤسسة «رير»، مع شركاء محليين لإحياء أهمية التربة، لتأمين سبل العيش المستدامة بين المزارعين؛ إذ من دون التمكن من رؤية فوائد المدخلات المعدلة أو التسميد على الفور، كان المزارعون مترددين في تحمل المخاطر المالية لاعتماد أساليب زراعة جديدة.

لذلك كان نهج الفريق هو إزالة أكبر قدر ممكن من الغموض حول الزراعة من خلال التكلم باللغة التي يفهمها المزارعون، على سبيل المثال، يتحدث المزارعون بلغة السنوات «الجيدة» أو «السيئة»، لكن الجهود المشتركة أدت إلى إدراك أن الدليل المرئي الملموس يمكن أن يساعد المزارعين على فهم تربتهم بشكل أفضل، إلى جانب الاستعانة بأداة متابعة سهلة الاستخدام لحساب كيفية ارتباط استخدام الأسمدة الشهري بنجاح الزراعة.

في مركز «دي دوت سكول»، يخلق الطلاب اتجاهات متعددةً لإيجاد حلول والحصول على ملاحظات طوال مدة المشروع من الشركاء والمستخدمين النهائيين؛ مما يزيد من احتمالات أن تكون حلولهم مفيدة وذات صلة.

 قالت ماتيلدا نيكيل؛ وهي من أعضاء الفريق، وطالبة في السنة الأخيرة في «جامعة ستانفورد» تتخصص في علم النفس: «لقد رأينا أرقاماً مختلفةً جداً خلال بحثنا، وتفاوتت كمية الأسمدة التي أوصى بها المرشدون بشكل كبير عن الكمية التي يستخدمها المزارعون بالفعل، لذلك فكرنا في استخدام وحدات القياس التي كانت شائعةً بالفعل بين المزارعين»، وتحولت التكرارات الموضحة أعلاه إلى «قائمة تحقق بصرية» شهرية تسمح للمزارعين بتتبع مدخلاتهم بوحدات القياس التي يستخدمونها؛ مثل «القبضة» أو «الأباريق» أو «الأكياس».

انطوت الخطوات التالية على العمل عن كثب مع الرسوم التوضيحية وموظفي مؤسسة «رير» لإنشاء مجموعة أدوات جاهزة للاستخدام العملي من أجل حفظ السجلات وتحليل التربة، وتتجنب النسختان النهائيتان للأداتين التسجيل الإرشادي الشائع في المطبوعات المطورة للمستخدمين النهائيين، وتعمل «بطاقة حالة التربة» (The Soil Health Card) على تقسيم التربة بحسب تركيبتها ورائحتها ورطوبتها؛ وهي عناصر تشكل جزءاً لا يتجزأ من عمل المزارعين اليومي في الأرض، كما يطلب دفتر الأستاذ المبسط من المزارعين شطب الأسابيع إلى جانب الصفوف التي توضح بالتفصيل أنشطةً معينة؛ مثل إزالة الأعشاب الضارة (deshierbe)، والبذر (siembra)، والتسميد (fertilización)، ورش مبيدات حشرية (plagas y enfermedades)، ولا شك أن الأدوات ستحتاج إلى الاختبار والتكرار على مدار عدة مواسم زراعية، بالإضافة إلى التنقيح باستمرار والتأكد من أنها تلبي أهداف المزارعين وصحة التربة.

على المدى الطويل، سيتطلب النجاح ثلاثة أبعاد على الأقل، والهدف الأوسع والأكثر طموحاً هو ضمان استمرار هذه الأرض في تأمين الغذاء للبشر وبقية النظام البيئي الطبيعي الذي يعتمد عليها إلى الأبد، ولكن على المستوى الأبسط، سيتحقق النجاح إذا ساعدت هذه الأدوات المزارعين على اتخاذ قرارات المدخلات الكيماوية بحيث تكون ملائمةً بيئياً ومالياً، وبالتالي، اكتساب القدرة؛ كمنتجين معتمدين على أنفسهم، لإيجاد حلول لتحديات الزراعة في عالمنا متغير المناخ؛ وفي الوقت الفعلي، وسيتم تحقيق نوع آخر من النجاح إذا تمكنت هذه الأدوات من جذب الخبرة الفعلية للعاملين في المجال والمعرفة العلمية إلى طاولة النقاش ذاتها.

في النهاية، هذا مجرد مثال واحد لأهمية اتخاذ قرار جيد من جانب الأفراد الذين يرون جزءاً واحداً من الصورة؛ إذ يمكن أن يصب ذلك في صالح منطقة بأكملها، إلى جانب التوصل إلى إدراك مشترك للفرق بين ما إذا كانت الأرض فيها الكثير من السماد ومتدهورة، أو يمكن زراعتها بنجاح لأجيال قادمة، ويتضخم هذا التحدي بسبب التقلبات الناجمة عن تغير المناخ، ونقترح أنه عند مواجهة حالات بحيث «ما تعرفه لم يعد مجدياً»، احرص على الاستعانة بأدوات جديدة لصنع القرار، ومصممة من أجل، وبالتعاون مع الأشخاص الذين لهم دور فاعل في إدارة الموارد على المدى الطويل. إن التفكير التصميمي؛ الذي ينطوي على فهم المشكلة من منظور بشري، واستكشاف واختبار مجموعة من الحلول المختلفة، والتكرار المستمر، يتوافق جيداً مع الارتجال التعاوني المطلوب لتغيير كيفية تعامل الأشخاص مع الموارد المحدودة للكوكب وإدارتها.

اقرأ أيضاً: التغير المناخي وكورونا: ما الدروس المستفادة من جائحة كوفيد؟

يمكنكم الاطلاع على النسخة الإنجليزية من المقال من خلال الرابط، علماً أنّ المقال المنشور باللغتين محمي بحقوق الملكية الدولية. إنّ نسخ نص المقال بدون إذن مسبق يُعرض صاحبه للملاحقة القانونية دولياً.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى