ما الذي ننتظره من مؤتمر المناخ “كوب 28″؟

كوب 28
shutterstock.com/Sherif Ashraf 22
استمع الى المقالة الآن هذه الخدمة تجريبية
Play Audio Pause Audio

من ارتفاع سطح البحر إلى مستوى يهدد مدناً ساحلية بالاختفاء، إلى ارتفاع درجة حرارة الأرض وذوبان الجليد. جميعها قضايا مُلحة ومعقدة تثير تساؤلاً حول ما ينتظره الكوكب ويأمله في مؤتمر الأطراف في اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية للمناخ "كوب 28" (COP28) الذي بدأت فعالياته في 30 نوفمبر/تشرين الثاني وتستمر حتى 12 ديسمبر/كانون الأول 2023.

القضايا المناخية الأكثر إلحاحاً

يجمع "كوب 28" ما يزيد على 70 ألف شخص من نحو 200 دولة لمناقشة آلية العمل المناخي، وذلك بعد عام شهد فيه العالم تحطيم الأرقام القياسية المتعلقة بالمناخ. وعادةً ما يتركز نقاش الحكومات وقادة الدول في قمم المناخ على الأمن الغذائي والأمن الصحي وطرق تكيّف البلدان مع الظواهر المناخية المتطرفة في ظل استمرار ارتفاع درجة حرارة الأرض.

لكن يوجد 3 قضايا رئيسية ستأخذ الحيز الأكبر من المباحثات في قمة "كوب 28" وهي: تمويل العمل المناخي في البلدان الفقيرة وتعويض الخسائر والأضرار، وخفض انبعاثات الغازات الدفيئة عبر تسريع التحّول إلى مصادر الطاقة المتجددة، وحسم مستقبل الوقود الأحفوري.

تعويض الخسائر والأضرار المناخية

في عام 2015، اتفقت نحو 200 دولة في باريس على هدف الحد من ارتفاع درجات الحرارة العالمية والبقاء ضمن معدل 1.5 درجة مئوية، لكن فرص تحقيق هذا الهدف تقل مع التقديرات التي تشير إلى ارتفاع درجة حرارة الأرض بمقدار 2.4 إلى 2.7 درجة مئوية بحلول عام 2100، وتعد البلدان النامية الأكثر عرضة لتداعيات الاحترار العالمي، على الرغم من أنها ليست المُسبب المباشر لمشكلة المناخ، فالدول المتقدمة والغنية كانت تستخدم الوقود الأحفوري عبر عقود خلت، وهي المسؤولة عن 80% من انبعاثات الغازات الدفيئة.

تقدّر الدراسات، أن حجم الخسائر التي ستتحملها الدول المعرضة لخطر تغير المناخ، يتراوح بين 290 مليار دولار و580 مليار دولار بحلول عام 2030، وستحتاج الدول النامية إلى ما يزيد على 300 مليار دولار سنوياً بحلول عام 2030 للتكيف مع تغير المناخ، وفقاً لتقرير فجوة التكيف لعام 2022 الصادر عن برنامج الأمم المتحدة للبيئة.

تثبت فيضانات ليبيا، وانتشار حرائق الغابات في سوريا ولبنان، أن تغير المناخ أصبح كارثة حقيقية على المجتمعات التي تفتقر إلى أدنى الإمكانيات والموارد لحماية نفسها، فكان لزاماً على العالم التفكير بمصير هذه المجتمعات مع ازدياد وتيرة الكوارث المناخية. من هنا بدأ الاهتمام بفكرة "الأضرار والخسائر"، فخلال مفاوضات المناخ في جنيف عام 1991 اقترحت الدول الساحلية الصغيرة خطة تأمين ضد ارتفاع مستوى سطح البحر تتحمل الدول الصناعية تكاليفها، ولم تُتَخذ خطوات جدية في هذا الإطار حتى عام 2013، عندما شهدت قمة المناخ في بولندا وضع آلية للخسائر والأضرار الناتجة عن التغير المناخي، وفي عام 2022 اتُفق خلال "كوب 27" في مصر على إنشاء صندوق "الخسائر والأضرار" لكن لم يجرِ تفعيله.

جاء مؤتمر "كوب 28" ليحمل معه قراراً تاريخياً في سبيل العدالة المناخية بتفعيل صندوق "الخسائر والأضرار" لتعويض الدول الأكثر تضرراً من تغير المناخ، لتسهم فيه الدول المجتمعة على الفور بمبلغ 400 مليون دولار. فعلى مدى عقود كانت الدول الثرية معارضة لفكرة إنشاء مثل هذا الصندوق تخوفاً من اضطرارها إلى دفع تعويضات عن انبعاثات الكربون.

لكن توجد تفاصيل جوهرية متعلقة بالصندوق يجب أن تُؤخذ في الاعتبار حتى تستفيد منه الدول الفقيرة استفادة أكبر، إذ تخشى الدول النامية أن تؤدي إدارة مؤسسة الصندوق الدولي لصندوق الخسائر والأضرار إلى منح البلدان المتقدمة نفوذاً أكبر، كما يجب تحديد الدول الثرية التي ستسهم في الصندوق وتحديد معيار دقيق لحصة دفع المخصصات المالية، وتحديد إذا ما كان التعهد بالإسهام هو التزام دولي أو مجرد مساعدات إنمائية تختلف قيمتها من دولة إلى أخرى، وكذلك اعتماد معايير موضوعية لتحديد الدول النامية والفقيرة المستفيدة من إسهامات الصندوق.

خفض الانبعاثات

لا يوجد تقدم مُحرز في تحقيق أهداف التنمية المستدامة، إذ حذّر تقرير حديث للأمم المتحدة من أن العالم فقد بوصلته لضمان بقاء الكوكب مكاناً صالحاً للعيش فيه، وأن الوقت لم يعد في صالح دول العالم.

فالمسألة الجوهرية تتعلق بما أُنجز والكشف عن التحديات وتحديد الإجراءات المستقبلية اللازمة للعودة إلى المسار الصحيح، لذا شهد مؤتمر "كوب 28" أول "تقييم ومراجعة دولية" للتقدم الذي أحرزته كل دولة في خفض الانبعاثات في ضوء اتفاق باريس 2015.

وتعد عملية التقييم مهمة لأن نتائجها قد تسفر عن دفع بعض الدول إلى اعتماد سياسات مناخية أكثر طموحاً أو زيادة تمويل البلدان النامية لمساعدتها على التحول إلى الطاقة النظيفة، أو أن تكون أهداف خفض انبعاثات الكربون شاملة لكل القطاعات، مع البحث في ضرورة اتخاذ إجراءات خاصة في قطاعات معينة مثل التصنيع والطاقة، وتحديد إذا ما كان على الدول الالتزام بالتخلص التدريجي من الوقود الأحفوري، أو مضاعفة قدرة الطاقة المتجددة.

وشهد المؤتمر إطلاق "ميثاق خفض انبعاثات النفط والغاز" وهو ميثاق عالمي يهدف إلى تسريع نطاق العمل المناخي في القطاعات الصناعية وتوسيعه، ووقّعت عليه 50 شركة نفط وغاز، أكثر من 60% منها شركات نفط وطنية، تمثل أكثر من 40% من إنتاج النفط عالمياً، وذلك في إطار هدف الوصول إلى الحياد الكربوني بحلول عام 2050 وخفض انبعاثات الميثان على وجه الخصوص.

التخلص التدريجي من الوقود الأحفوري

"لن نصل إلى حد 1.5 درجة مئوية إلا إذا توقفنا في نهاية المطاف عن حرق الوقود الأحفوري، وليس تقليله ولا خفضه" هذا ما قاله الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش لقادة العالم في "كوب 28"، فالتقليص التدريجي لن يكون كافياً لوقف ظاهرة الاحتباس الحراري بل يجب وضع خطة لإنهاء حرق الوقود الأحفوري.

على مدى الأعوام الماضية، لم تلتزم الشركات والدول المشاركة في قمم المناخ العالمية رسمياً بالتوقف عن استخدام الوقود الأحفوري، إلا خلال قمة غلاسكو "كوب 26" حين اتفقت الحكومات على الخفض التدريجي للفحم دون الالتزام بالتخلي عنه تماماً، ولم تتمكن قمة "كوب 27" في مصر من إصدار دعوة تقضي بالتخلص التدريجي من كل أشكال الوقود الأحفوري.

بالتالي، إلى جانب مساعي "كوب 28" الطموحة لزيادة مصادر الطاقة المتجدّدة بمقدار ثلاثة أضعاف وتعزيز كفاءة استخدام الطاقة بمقدار الضعفَين عالمياً يجب أن يتوصل المشاركون إلى اتفاق للتخلّص السريع والعادل والكامل من جميع أنواع الوقود الأحفوري، بما في ذلك النفط والغاز والفحم، فالوقت ليس في صالح الكوكب والاعتماد على تقنيات احتجاز الكربون إلى جانب تعويضات الكربون، سيؤخر جهود العمل المناخي وسيضع العالم بعيداً عن هدف اتفاقية باريس بالحد من الاحتباس الحراري.

ومن أجل الوصول إلى أنظمة طاقة خالية من الوقود الأحفوري بحلول عام 2050، وإحراز تقدُّم ملموس في الحد من إنتاج الوقود الأحفوري بحلول عام 2030، يجب ألّا تكون حماية الغابات أو استعادتها ذريعة لعدم التخلص من الوقود الأحفوري، أو أن تشكل التكنولوجيا الخضراء عائقاً أمام الانتقال إلى الطاقة النظيفة، بل يجب أن تكون مثل هذه التدابير خطوات مُكملة لجهود إنهاء عصر الوقود الأحفوري.

يترقب العالم التغيير المُنتظر والمأمول بعد "كوب 28"، فكل ما تحتاج إليه قضية المناخ هو جهد جماعي ورؤية موّحدة لمستقبل مستدام وعادل للجميع، تتحمل فيه البلدان والشركات المُسببة للانبعاثات مسؤولية أزمة المناخ، وتكلفة الحلول اللازمة لإنهائها، ومساعدة المجتمعات الأضعف على تخطي آثارها.