ما يحتاج المستثمِر أن يعرفه لتبنِّي فكرة رأس المال التحفيزي

نتحدث في مقالتنا هذه عما يحتاج المستثمر لمعرفته لكي يتبنى أفكار رأس المال التحفيزي، هذا المفهوم الذي سطع نجمه مؤخراً في سماء العمل الخيري و التجاري أيضاً.

يوضِّح أحدث استقصاء للمستثمِرين أجرَته «شبكة الاستثمار المؤثِّر العالمية» (the Global Impact Investing Network -GIIN)، أن قطاع الاستثمار المؤثِّر لم يعُد مقتصراً على مجال العمل الخيري فقط؛ فمع دخول مؤسَّسات الخدمات المالية الكُبرى إلى هذا المجال، نما تدريجياً ليصل إلى 715 مليار دولار تقريباً في عام 2020.

بالرغم من نمو رأس المال المؤثِّر، فقد فشل في تلبية الاحتياجات الملِحّة بشكل كامل حول العالم؛ والتي تم تحديد معظمها في أهداف التنمية المستدامة (SDGs)، ويرجع ذلك بدرجة كبيرة إلى التوقعات غير المرنة لعوائد الاستثمار؛ فوفقاً لاستقصاء الشبكة، في كل عام على مدى السنوات الست الماضية، كان إيجاد رأس المال المناسِب من ناحية المخاطر والعوائد، يُمثِّل التحدي الأكبر في هذا المجال، وقد ورد في تقارير شركتي «لوك كابيتال» (Lok Capital)، و«أوميديار نيتوورك» (Omidyar Network)، وغيرهما من المستثمِرين المؤثِّرين المتمرِّسين ما يلي: تتمثّل إحدى الصعوبات في أن الانتقال إلى كامل القطاعات المؤثِّرة، بعيداً عن «المناطق الآمنة» الأساسية للخدمات المالية، ونماذج الأصول الخفيفة، وأسواق رأس المال المتطورة؛ يعني أن الاستثمارات يترافق معها عوائد منخفضة معدَّلة حسب المخاطر، وأفق زمنية أطول، وفرص انسحاب أقل. يمكننا أن نرى مثالاً على نتائج صعوبات كهذه في الهند؛ حيث أن أكثر من نصف الاستثمارات المؤثِّرة هناك اتجهت نحو الشمول المالي، في حين أن قطاعيّ الزراعة والتعليم- على سبيل المثال- يمثلان 4 % و 5%  فقط من الإجمالي، بالترتيب.

قد يزداد الوضع سوءاً في السنوات الأخيرة؛ فمع تزايد عدد الأشخاص في هذا المجال الذين انتقلوا من اعتبار عوائد أسعار السوق هدفاً اختيارياً، إلى اعتبارها هدفاً منشوداً، ومع بقاء عشر سنوات فقط لتحقيق أهداف التنمية المستدامة، إلى جانب مواجهة أزمة كوفيد-19، لا يمكننا تحمُّل المزيد من التأخير.

للمُضيِّ قدماً، علينا أن نتوقف عن توقِّع أن تقوم الفئات المستثمَر فيها والمجتمعات التي يستهدفها المستثمِرون، بفعل كلّ ما يَلزم دائماً لترقى إلى توقُّعات المستثمِرين الراسخة، بدلاً من ذلك؛ يجب أن يصبح هذا الخلل مسؤولية رأس المال؛ فعليه أن يدعم الحلول الناجحة بدلاً من إعاقتها، كما أن  المستثمِرين هم من يتوجب عليهم تعديل ممارساتهم.

كان رأس المال التحفيزي في مقدِّمة هذا التوجه؛ والذي تُعرِّفه مؤسَّستا «ماك آرثر» (MacArthur Foundation) و«تايدلاين» (Tideline)، بأنه رأس مال يقبل المخاطر المتفاوتة أو العوائد الميسَّرة، لتوليد تأثير إيجابي وتمكين استثمار طرف ثالث لم يكن ممكناً بطريقة أخرى؛ ففي حال وجود صندوق أو مؤسَّسة أو ابتكار غير مثبَت، قد يكون رأس المال التحفيزي هو الاستثمار الذي يساعد على الانطلاق، ببناء سجل حافل يمكن أن يجذب مستثمِرين آخرين إلى الاستثمار في فرص أكثر مخاطرةً، وفي مجالات كمجال الوصول إلى الطاقة، كما يمكن لرأس المال التحفيزي أن يَحدّ من المخاطر في المعاملات المالية المتداخلة؛ من خلال الضمان أو التخلي عن كونها أولويةً، أو استثمار الخسارة الأولى، وقد كان عنصراً حاسماً في جهود توسيع نطاق التأثير؛ مثل «المؤسسات المالية للتنمية المجتمعية» (community development financial institutions – CDFIs) في الولايات المتحدة، والقروض الصغيرة في جميع أنحاء العالم.

يمكن لرأس المال التحفيزي، بل وينبغي عليه، أن يقدِّم المزيد، بالرغم من نقاط القوة والإنجازات المذكورة، لكن الثغرات المعرفية تزعزِع فهم المستثمِرين لهذا المفهوم؛ وهي نقطة ضعف تهدف مبادرة «اتحاد رأس المال التحفيزي» (Catalytic Capital Consortium) (C3) إلى تصحيحها مع إطلاق «برنامج مِنح تعزيز السوق» (market-building grants program) الخاص بها. (الإفصاح الكامل عن المعلومات: مبادرة اتحاد رأس المال التحفيزي كُلِّفت بالعمل من قبل مؤسسة إف إس  جي (FSG)؛ حيث أعمل فيها بمنصب المدير الإداري)،

مثلاً، ينقصنا شرح وافٍ عن سبب حاجتنا إلى رأس المال التحفيزي ومتى نحتاجه؛ فما زلنا لا نَصِف ثغرات رأس المال السوقيّ وتداعياتها بوضوح ودقة، كما نحتاج إلى المزيد من الشفافية حول صفقات رأس المال التحفيزي وشروطها، وإظهار كيفية توظيفه بشكل فعّال لتحقيق أقصى قدر ممكن من نتائجه، وتبديد المخاوف حول كونه ليس أكثر من مجرد استثمار غير مدروس.

أخيراً؛ يجب علينا صياغة وجهات النظر هذه بما يتناسب مع احتياجات مختلف فئات المستثمِرين؛ إذ تشكِّل مؤسَّسات تمويل التنمية والمؤسَّسات الخاصة قطاعَين مهمَّين بشكل خاص؛ لأنهما يمثلان المصادر الهامّة لرأس المال؛ واللذان بدآ بالفعل بالاندفاع نحو الاستثمار التحفيزي، لكن يمكنهما أن يقدِّما أكثر من ذلك بكثير؛ حيث سنقوم بدراسة التحديات المحددة التي يواجهانها عند استخدام رأس المال التحفيزي، استناداً إلى الأبحاث الحديثة التي أجرتها مؤسسة «إف إس جي»  من أجل مبادرة «اتحاد رأس المال التحفيزي».

اقرأ أكثر عن الاستثمار المؤثر

مؤسسات تمويل التنمية

مؤسسات تمويل التنمية هي عبارة عن كيانات مدعومة من الحكومة، تستثمِر في البلدان النامية على أسس تجارية إجمالاً، لخلق فرص العمل وتحفيز النمو الاقتصادي، ويوجد توقع بأن عائداتها المالية ستكون بسعر السوق أو تقترب منه. إن اعتمادَها على أموال دافعي الضرائب يدفعهم إلى أن يكونوا شفافين للغاية؛ مما يدل على كفاءة الاستثمار، والاستخدام الحكيم لأية إعانات مالية، وتجنب الآثار الضارة غير المقصودة. كشف بحثنا عن العوائق الرئيسية التي تحول دون استخدامها لرأس المال التحفيزي، لتشمل:

  •        قلّة الأدلة على فجوات رأس المال في السوق؛ والتي- في الحالة المثالية- تربط وجود الفجوات بإخفاقات السوق المعروفة؛ مثل العوامل الخارجية وتباين المعلومات.
  •         الصعوبات في تحديد المستوى المناسب أو الفعّال من الإعانات المالية، وتقليل مخاطر التشوُّهات السوقية؛ من خلال الاستفادة من  تلك الإعانات.
  •       الافتقار إلى استراتيجيات وبنى وممارسات متطورة في الاستثمار التحفيزي؛ تتصف بالسهولة والسرعة نسبياً، وتمَكِّن المستثمِر من فهمها واستخدامها.

 تمكّنت بعض هذه المؤسَّسات من التغلب على تلك العقبات؛ مثل «مجموعة سي دي سي» (CDC Group)؛ وهي مؤسَّسة تمويل التنمية الرسمية في المملكة المتحدة؛ ففي عام 2019، وبعد عدة سنوات من الاختبارات، أَطلقت مبادرة «التحفيز» (Catalyst) التي تبلُغ قيمتها 2 مليار دولار؛ والتي أتاحت أنواعاً جديدةً من الصفقات عالية التأثير؛ تضمَّنت قروضاً بالعملة المحلية لدعم وصول المستهلك إلى الطاقة النظيفة، وبناء رأس المال المغامر ونظام الأسهم الخاصة في ميانمار، واستخدام ضمانات الحجم المكفولة للانتقال بسوق الصناعات الدوائية نحو إجراء فحوصات ولقاحات بتكلفة مناسبة.

نعتقد بوجود اهتمام متزايد بإعادة التفاوض مع المزيد من منتدبي مؤسَّسات تمويل التنمية، لوضع مخصَّصات واستراتيجيات جديدة متعلقة برأس المال التحفيزي، ولكن كما توضِّح التحديات المذكورة أعلاه؛ تحتاج مؤسسات التنمية المالية إلى المزيد من الأدلة القائمة على الأبحاث لتساعد في إقناع المساهمِين الحكوميين بقيمة الاستثمارات التحفيزية، كما أنها بحاجة إلى ممارَسات أفضل لتبسيطها وتدوينها؛ لجعل التنفيذ أكثر كفاءةً وشفافيةً وفعاليةً. 

المؤسَّسات الخاصة

يسير العمل في المؤسَّسات الخيرية الخاصة بأسلوب مختلف تماماً عن مؤسَّسات تمويل التنمية؛ حيث عادةً ما يكون لديها أهداف تأثير أكثر تحديداً، وتفتقر إلى التركيز على العائدات المالية، ولا تخضع إلّا لتدقيق خارجي بسيط، كما توفِّر ميزانياتها إمكانيات كبيرةً لاستثمار رأس المال التحفيزي؛ ففي حين أنها تُوظّف كمنحة في معظم الأحيان، يمكن أن تُستثمَر أيضاً بمرونة كبيرة حول المخاطر والعوائد؛ يُصنَّف هذا في الولايات المتحدة على أنه «الاستثمار المتعلِّق بالبرامج» (program-related investment – PRI).

تتشارك هذه المؤسَّسات مع أنواع أخرى من المستثمِرين الرغبة في فهم الفجوات السوقية المحددة، والاحتياجات لرأس المال التحفيزي، ومع ذلك؛ وعلى عكس الآخرين؛ يجب عليها تحديد أين ومتى يكون رأس المال التحفيزي هو النهج المناسب بدلاً من المنحة، كما يحتاجون أيضًا إلى النظر في سبب عدم إمكانية الاستثمار برأس مال استثماريّ بسعر السوق من صندوق منح المؤسَّسة (بدلاً من ميزانيات البرامج)؛ والمشار إليها في الولايات المتحدة باسم «الاستثمار المتعلِّق بالرسالة» (mission-related investment – MRI)، ويتطلَّب السؤال الأخير أسساً لفهم العنصر الذي يضيفه رأس المال التحفيزي بدقة؛ أي كيف يساهم في إحداث تأثير أعمق أو على نطاق أوسع من التأثير الذي يحدِثُه رأس المال الاستثماريّ التقليديّ.

يتجلَّى هذا العنصر الإضافي في الاستثمار التحفيزي المتعلِّق بالبرامج  لمؤسَّسة «ماك آرثر»؛ الذي يبلغ قيمته ستة ملايين دولار في «موَفِّرات الطاقة» (Energy Savers)؛ وهو برنامج يموِّل التطوير لأصحاب مشاريع المجموعات السكنية متعددة العائلات؛ مقلِّصاً تكاليف المرافق العامة وانبعاثات الكربون، وقد وضَّحت المؤسَّسة كيف أتاحت لها الدرجة الأكبر في تحمُّل المخاطر ومرونة الاستثمارات التحفيزية المتعلِّقة بالبرامج، «اختبار النظرية» حول هذه الفكرة الواعدة غير المثبَتة، بطريقة لم يستطع بها التمويل التقليديّ القيام بذلك. عندما أثبت النموذج نجاحه، انضم مقرِضون آخرون إلى مؤسسة «ماك آرثر»، وقدَّمت «موَفِّرات الطاقة» مليون دولار على شكل قروض ومنح، لمجالات تطوير الطاقة لأكثر من 66 ألف شقة؛ مما يساعد على الحفاظ على تكلفة إيجارات مقبولة، واستقرار الدخل لأصحاب العقارات في المتاجر الصغيرة، بالإضافة إلى ذلك؛ جعلت شركة «كوميونيتي إنفيسمنت كورب» (Community Investment Corp)؛ وهي مؤسَّسة إقراض غير ربحية رائدة، نهج «موَفِّرات الطاقة» في ضمان الاكتتاب وتحجيم القروض، الممارسَة النموذجية المتَّبعة في جميع قروضها.

يُظهِر مثال آخر لمؤسَّسة «مايكل آند سوزان ديل» ( MSDF-Michael & Susan Dell Foundation)، كيف يمكن لرأس المال التحفيزي والمنح أن يلعبا دوراً مستقلاً وليس مكمِّلاً؛ حيث قامت المؤسَّسة في عام 2009 بمخاطرة كبيرة، باستثمار أوليّ بقيمة مليون دولار في شركة تمويل مشاريع الإسكان الصغيرة؛ والتي كانت تقدِّم «قروضاً عقاريةً متناهية الصغر» للمقترِضين من القطاع غير الرسميّ وذوي الدخل المنخفض؛ الذين لا يملكون إثباتاً موثَّقاً لدخلهم مثل الباعة المتجوِّلين وسائقي سيارات الأجرة؛ ما بدا فكرةً لامنطقيةً في ذلك الوقت، تحوّل إلى قطاع مؤثِّر ومزدهر بقروض بلغ مجموعها أكثر من 4 مليارات دولار، كما قدّمت مؤسَّسة «مايكل آند سوزان ديل» منحاً؛ بما في ذلك إلى مؤسَّسة مؤسسة إف إس جي، لاستحداث معلومات أفضل عن السوق، والإعلان عن السياسات العامة الفعالة.

نحن نحتاج إلى إجراء أبحاث أفضل حول مكان وكيفية وسبب إحداث رأس المال التحفيزي تأثيراً إضافياً؛ مقارنةً برأس المال التقليدي أو المنحة؛ وذلك لزيادة عدد المؤسَّسات التي تلعب أدواراً تحفيزيةً، كما نحتاج إلى مساعدة المؤسَّسات في رؤية مدى ملاءَمة رأس المال التحفيزي لأولويات برامجها الحالية،؛من خلال تحديد فرص معينة.

اقرأ أيضاً: ماذا نقصد بالأثر الجماعي عالي الجودة؟

متطلَّبات رأس المال التحفيزي

تُمثِّل كلّ من مؤسَّسات التنمية المالية والمؤسَّسات الخاصة، مصادرَ مهمةً لرأس المال التحفيزي، لكن فعاليتها تعتمد على العمل إلى جانب فئات أخرى من المستثمِرين ممّن لديهم متطلبات منفصلة إضافية؛ فمثلاً، يحتاج مدراء الاستثمار إلى معرفة من الذين يقدِّمون رأس المال التحفيزي، بالإضافة إلى شروطهم وأولوياتهم؛ والتي قد تتباين تبايناً كبيراً؛ نظراً لأن الصفقات لا تتَّبِع معايير السوق التقليدية.

تعَدّ المؤسَّسات الاستثمارية مهمّةً أيضاً؛ فمع أنه من غير المحتمل أن يقدموا رأس المال التحفيزي، إلا أنهم يمكن أن يشاركوا في صفقات إلى جانب مستثمِر تحفيزيّ أو بعده، وقد يستفيدون من زيادة الوعي حول كيفية المشاركة في ذلك؛ ,سيحتاجون إلى رؤية أمثلة ملموسة لصفقات سابقة؛ بما في ذلك الهيكليات وأوراق شروط العمل.

التغيير الناتج عن رأس المال التحفيزي

مع تنامي الحاجة الملحَّة لتحقيق أهداف التنمية المستدامة، والارتفاع الكبير في الاستثمار المؤثِّر، وتريليونات من عمليات النقل المقبِلة للثروة بين الأجيال، حان الوقت الآن لمساعدة المستثمِرين المهتمِّين على حشد المزيد من رؤوس الأموال التحفيزية لتحقيق تأثير أكبر؛ علينا أن نشرح سبب اعتماد رأس المال التحفيزي وماهيَّته وكيفيته بأسلوب أكثر وضوحاً لفئات المستثمِرين المختلفة، ويجب أن نقوم بأبحاث على كل من الجهات التي تقدم العروض، وفرص تلقِّي الطلب، كما ينبغي علينا أن نبحث في إمكانية تحسين الأُطُر التنظيمية التي يمكن أن تؤثِّر على تدفقات رأس المال المؤثِّر؛ والتي تتجلّى من خلال «الصناديق التضامنية في فرنسا»، و«أحزمة الفرص» في الولايات المتحدة. إن اتخاذ هذه الخطوات سيساهم في توسيع نطاق استخدام رأس المال التحفيزي، مما يجعلنا أقرب إلى تحقيق الحلول واسعة النطاق التي يحتاجها العالم اليوم.

 يمكنكم الاطلاع على النسخة الإنجليزية من المقال من خلال الرابط،علماً أنّ المقال المنشور باللغتين محمي بحقوق الملكية الدولية. إنّ نسخ نص المقال بدون إذن مسبق يُعرض صاحبه للملاحقة القانونية دولياً.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى