تسخير العلم لجذب انتباه الجمهور للقضايا الاجتماعية

هذه المقالة جزء من سلسلة العلم يجيب: كيفية جذب انتباه الجمهور للقضايا الاجتماعية.

كان البحّار الإنكليزي جون نيوتن؛ الذي يبلغ من العمر 22 عاماً ويعمل في تجارة الرقيق، مسافراً إلى موطنه في 10 مارس/آذار 1748، على متن سفينة تجارية بعد سلسلة من الأحداث السيئة؛ بما في ذلك القبض عليه واستعباده في سيراليون، لكن عاصفة عنيفة ضربت ساحل دونيغال بأيرلندا في ذلك اليوم وأحدثت الصخور ثقباً في جانب السفينة، وبدا من المستحيل أن يصل إلى الشاطئ بأمان. صلّى نيوتن وتعهد بتكريس حياته للمسيحية إذا نجت السفينة، وتقول الحكاية أنه في تلك اللحظة انتقلت حمولة السفينة لتغطي الثقب وتسمح لها بالوصول إلى الميناء.

حافظ نيوتن على تعهده وأصبح كاهناً في النهاية، ولعل أكثر ما اشتُهر به هي الترنيمة التي ألفها بعنوان «أمازينغ غريس» (Amazing Grace). كرّس الكاهن نفسه لوضع حد لتجارة الرقيق، وانضم عام 1787 إلى آخرين لتأسيس «جمعية القضاء على تجارة الرقيق» (Society for Effecting the Abolition of the Slave Trade). كان من بين أعضائها أولودا إيكوانو؛ الذي تعرّض سابقاً لهذه التجربة، وقد أثبتت مهاراته في سرد ​​القصص إلى جانب سيرته الذاتية حقيقة أهوال العبودية. صمّم جوزيا ويدغوود؛ وهو رجل صناعيّ، شعاراً للحملة حشد من خلاله التعاطف، وربطه بوحشية العبودية المروعة. يصوّر الشعار رجلاً مستعبداً جاثياً على ركبتيه مقيداً بالسلاسل وتحيط به عبارة «ألستُ رجلاً وأخاً؟»، وقد ظهر ذلك الشعار على صناديق الديكور الصغيرة، وأزرار القمصان، والمجوهرات في جميع أنحاء أوروبا، وقد كتب نيوتن كتيباً بعنوان: «مفكّرات حول تجارة الرقيق الأفارقة» (Thoughts Upon the African Slave Trade)؛ والذي أرسله إلى كل عضو في البرلمان موضحاً فيه بالتفصيل الظروف على تلك السفن.

أنشؤوا معاً ما يُعدّ أول مخطط في العالم؛ وهو عبارة عن مخطط مقطعي لسفينة «بروكس» توضّح كيف يُكدّس الرجال السود ويُقيدون بالسلاسل، ثم نشروا تلك الصور في الأماكن العامة على نطاق أوروبا،كما دعوا إلى مقاطعة السكر كجزء من الحملة؛ وهو منتج تشتريه النساء عادة لأنهن يتخذن معظم القرارات المتعلقة بالأطعمة والمنتجات التي تستهلكها عائلاتهن. خفضت الحملة الطلب على السكر بنسبة 30%، مما أشار إلى أنّ العلاقة بين الاعتماد الاقتصادي على العمل بالسخرة والمنتجات محل الطلب في جميع أنحاء أوروبا يمكن أن تنفصل.

نجحت مساعيهم في النهاية، فقد أقرّ البرلمان عام 1807 قانون إلغاء تجارة الرقيق؛ الذي حظر السفن البريطانية من الانخراط في هذه التجارة. تُعتبر تلك الحملات التي أطلقوها من أولى الجهود التي سعت إلى تحقيق العدالة الاجتماعية، ينطوي ما أنجزه أولئك الرجال على السمات المميزة لأية حملة مؤثرة، وينقل لنا دروساً يمكننا تطبيقها في أيامنا هذه.

فيما يلي، نستند إلى العلم لمعرفة ما يشدّ انتباه الجمهور، وقد حددنا خمسة مبادئ تدعمها أبحاث من مجموعة من التخصصات الأكاديمية. تقدّم هذه المبادئ مجتمعة إطاراً لبناء وتقييم استراتيجية التواصل الخاصة بمؤسستك، وصقل الجهود التي تهدف إلى تغيير المعتقدات والسلوك، ولكن، كما هو الحال في أي عمل يسعى إلى تطبيق نتائج الأبحاث على الاستراتيجية، ينبغي الحرص حتى لا نبالغ في تقدير أو تبسيط ما تشير إليه  تلك الأبحاث.

الأهم من ذلك، لا يتطلب تطبيق هذه المبادئ تخصيص موارد ضخمة لدعم جهود التواصل الجديدة، بل إنها توفر طريقة ليصبح عملك أكثر فاعلية، ونظراً لسهولة إتقانها، يمكن لجميع الموظفين في مؤسستك المساهمة في تطبيقها بغض النظر عن الألقاب والأدوار.

تسخير المشاعر لجذب انتباه الجمهور وإحداث التغيير

تنفق مؤسسات الخدمات الاجتماعية مجتمعة ملايين الدولارات كل عام على التواصل الموجه لنشر التوعية بين الناس، لكنها تتجاهل المبادئ العلمية لما يحفز المشاركة وتغيير القناعات والسلوك، وبالتالي، فإنّ الكثير من تلك الأموال والجهود المستثمرة في التواصل تضيع سداً.

نحن مطالبون بتقديم عمل أفضل، لأن التحديات مثل الفقر والتشرد وانعدام المساواة على مستوى العرق والنوع الاجتماعي مستمرة على الرغم من الجهود المتواصلة والتمويل الكبير المخصص لمواجهتها. ناشدنا المؤسسات في القطاع الاجتماعي لتجاوز الأهداف المتمثلة في التوعية في مقالة نُشرت في «مجلة ستانفورد للابتكار الاجتماعي» (بنسختها الإنكليزية) ضمن عدد ربيع 2017، بعنوان «أوقفوا النهج المعتمَد لنشر التوعية» (Stop Raising Awareness Already)، لأن الجهود النمطية الموجّهة لرفع الوعي مكلفة للغاية، وكثيفة العمالة، ومن الصعب أن تخلص إلى نتائج أفضل. يُسفر عن مثل هذه الحملات عادة إحدى النتائج الثلاث التالية: الوصول إلى الجمهور الخطأ؛ وبالتالي يكون تأثيرها ضئيل أو معدوم، أو أن تسبب رد فعل عكسي، أو في أسوأ الحالات، تُلحق ضرراً معيناً، ولا شك أن علم التواصل يقف ضدها.

حققت الشركات فائدة كبيرة بتبني العلم في مجال تسويق مختلف المنتجات، لكن معظم مؤسسات القطاع الاجتماعي لم تسعَ إلى إحداث التحول ذاته. قد تُجري مؤسسات الخدمات الاجتماعية أبحاثها الخاصة من خلال مجموعات التركيز واستطلاعات الرأي، لكن أغلبها يفتقر إلى الموارد اللازمة لترسيخ استراتيجيات التواصل الخاصة بها في الأبحاث الأكاديمية المنشورة. قد يكون العلم الذي يساعد على فهم ما يشدّ انتباه الجمهور ويحفزه ويثير عاطفته هو أقوى الأدوات؛ التي تُعتبر كلفتها منخفضة، لكن مؤسستك لا تحقق الاستفادة منها.

عندما يكون الأشخاص الذين يعملون لصالح القضايا الاجتماعية قد رسخوا استراتيجيات عملهم بناءً على العلم، عن قصد أو بغير قصد، فإنهم غالباً يحققون نجاحاً كبيراً. شهدنا حدوث تغيير اجتماعي كبير في العقود الماضية، مثل النضال من أجل المساواة على مستوى العرق والنوع الاجتماعي، والحد من التدخين، وخفض نسبة الوفيات جرّاء القيادة تحت تأثير الكحول. قد تنظر إلى هذه التغييرات وتعتقد أنها انعكاس لمجتمع متغير بصورة طبيعية، لكن في الواقع تم تصميم هذه التغييرات من قبل خبراء في التواصل استخدموا الممارسات المبنية على علم السلوك والعلوم المعرفية والاجتماعية؛ والتي يمكنك تطبيقها لحشد الجمهور من أجل دعم قضيتك.

قالت الشاعرة والكاتبة مايا أنجيلو في إحدى المرات ما يلي: «تعلّمت أن الناس سوف ينسون ما قلته، وما فعلته، لكنهم لن ينسوا أبداً كيف جعلتهم يشعرون». تدعم الأبحاث قولها؛ أي من أجل تحقيق التأثير في قضيتك، أنت بحاجة إلى فهم ما يدفع الناس إلى استثمار انتباه الجمهور وعاطفتهم والإجراءات التي يتخذونها، فإذا كنت تسعى لإحداث فرق، عليك الاستناد إلى العلم لمعرفة ما يدفع الناس لإيلاء الاهتمام للقضية كأساس لاستراتيجيتك.

من الجدير بالذكر أن الأبحاث التي نشاركها تعكس سنوات من الدراسة، وتلخّص المواضيع التي انبثقت من استكشافنا لعلم التواصل الاستراتيجي. إنّ ما نشاركه هنا هو تفسيرنا لنظريات الأبحاث ونتائجها؛ التي لا يمكن أن تكون قاطعة بشكل نهائي، وتعكس التوصيات هنا اقتراحات العلماء بناءً على عملهم، ومنظورنا حول كيفية تطبيق أو تجربة بعض هذه الأفكار، على الرغم من أن هذه التوصيات مدعومة بدراسات من مجموعة من التخصصات الأكاديمية.

يمكنك إكمال هذه السلسلة للتعرف على مبادئ جذب انتباه الجمهور للقضايا الاجتماعية من مقالتنا التالية الانخراط بالمجتمع والتواصل البصري لجذب انتباه الجمهور للقضايا الاجتماعية.

يمكنكم الاطلاع على النسخة الإنجليزية من المقال من خلال الرابط، علماً أنّ المقال المنشور باللغتين محمي بحقوق الملكية الدولية. إنّ نسخ نص المقال بدون إذن مسبق يُعرض صاحبه للملاحقة القانونية دولياً.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى