استراتيجيات التواصل المبتكَرة: بلوغ الناس حيثما كانوا

إعداد: دانييلا جيبس ليجي

 

تم النشر 17 يونيو 2021

يلقس هذا المقال نظرةً على كيفية استخدام مركز التقدم الأمريكي لاستراتيجيات التواصل المبتكرة للوصول إلى أوسع جمهور ممكن.

التواصل استثمار ناجح

يمكن للخبراء المتألّقين كتابة أوراق سياسات مقنِعة ومليئة بالأفكار الخلّاقة لجعل مجتمعنا مكاناً أفضل؛ لكن لا يمكنهم التأثير في أي جدال دائِر وصياغته إذا لم يقرأ أحد أعمالهم ويستوعبها، وقد فهم هذا الأمر «جون بوديستا» (John Podesta) ومؤسِّسو «مركز التقدُّم الأميركي – سي أيه بي» (Center for American Progress CAP)، عندما بدؤوا بإنشاء نوع جديد من مراكز التفكير؛ كانوا يعلمون أنك كي تكون مؤثِّراً، يجب أن تكون صاحب تفكير استشرافي في أسلوبك في التوعية، واستراتيجي حول من تحاول التأثير عليه؛ يعني ذلك أنه يتوجَّب على المؤسَّسات الاستثمار في التواصل، وكذلك فعل «مركز التقدُّم الأميركي»، فبصفتنا مؤسَّسة تعليمية غير حزبية؛ يُعَدّ التواصل جزءاً من ثقافتنا؛ حيث أن ما يقارب نصف ميزانيتنا التشغيلية مكرَّس لأعمال التواصل والتوعية؛ هل هذا مبتكَر؟ نعم، فمن الضروري أيضاً التأكُّد أن الناس يستمعون إلى الأفكار التي نطورها وندعمها، وأن هذه الأفكار «تؤثر فيهم وتنتقل بينهم»؛ حيث يبدأ إحداث التغيير في بلوغ الناس حيث يكونون.

ولهذا السبب بالتحديد كان «مركز التقدم الأميركي» من أوائل المتبنِّين لوسائل التواصل الاجتماعية والرائدين فيها في عالم السياسة، وكان يُعَد موقعنا الذي يتألَّف من المدوّنات «ثينك بروغرس» (Think Progress)، إحدى أكثر المواقع السياسية زيارةً على الإنترنت؛ ولكن عندما أطلقناه في عام 2005، كان فكرةً جريئةً وغير مجرَّبة؛ كانت قنوات المركز على فيسبوك ويوتيوب وتويتر مُفعَّلةً مسبقاً، وتقود الحوارات تقريباً قبل أي شخص آخر في واشنطن، وكنا نعلم أن الجماهير الناقدة كانت تجمع الأفكار والمعلومات على وسائل التواصل الاجتماعي وتشاركها. مكّنتنا التكنولوجيا الجديدة من دخول مساحات حوار جديدة، كما مكنتنا البيانات؛ بما في ذلك أدوات البريد الإلكتروني الجديدة المتقدِّمة، والأدوات التحليلية على مواقعنا الاجتماعية، من أن نشهد انتشار أفكارنا.

اقرأ أيضاً: استراتيجية الاتصالات: دليلك المختصر لتحقيق تغيير اجتماعي فعلي

قادنا ذلك إلى إنشاء منصة قوية للتوعية والفعاليات؛ نحن نعلم أن المعلومات تنتشر (وتثبت) عندما يجتمع الناس وجهاً لوجه؛ ولكننا مجدداً نشعر بأننا ملزَمون بكسر هذا القالب، فنحن كما نحب أن نقول؛ لسنا مركز تفكير جدتك، فبالإضافة إلى إعداد حلقات الحوار والخطابات؛ استحدثنا برنامج «بكرة التطوير» (Reel Progress) لعرض الأفلام، لجذب الأشخاص إلى مشاهدة الأفلام الروائية والوثائقية المؤثِّرة وذات العقلية التقدمية؛ هذا يعكس إدراكنا لوجود أكثر من طريقة للوصول إلى الجمهور، فمثلاً في بعض الأحيان؛ يكون السبيل لتوضيح وجهة نظر سياسية حول الهجرة، هو عرض فيلم عن «الحالمين» (Dreamers)؛ وهم الأفراد الذين يستوفون شروط قانون التنمية والإغاثة والتعليم للأجانب القُصَّر، أو المشارَكة في حوار حول السياسة وقوة الثقافة في مهرجان سندانس السينمائي.

ولكن في نهاية المطاف؛ إن أكثر ما يهم هو الأفكار، فمثلاً في أواخر عام 2005؛ تعقّد النقاش حول حرب العراق بسبب الخوف والارتباك بشأن أمن الولايات المتحدة، وكان من الصعب على المجتمع التقدمي بالذات التعبير عن ارتيابه أو معارضته المطلَقة للحرب في مثل هذا المناخ السياسي المشحون. احتاج أولئك الذين لم يعارضوا الحرب بالكامل إلى إيجاد طريقة لانتقادها، مع احترام مشاعر ومخاوف الأمن القومي في الوقت ذاته، وفي هذه الظروف؛ أصدر «مركز التقدُّم الأميركي» «إعادة التوزُّع الاستراتيجي»؛ والذي كان مخططنا لإنهاء الحرب في العراق، ولم تكن هذه خطةً رائعةً فحسب؛ بل مكّنت التقدُّميين من تحويل الحوار من الجدال المتطرُّف (إما الانسحاب الفوري أو مواصلة السير في الطريق ذاته) إلى كيفية سحب القوات بطريقة منطقية ومرنة. كان هذا التحول في أسلوب الخطاب في غاية الضرورة والحساسية حينها؛ حيث أوجدت الخطة مساحةً أتاحت لواضعي السياسات والمؤثِّرين التعبير عن آرائهم حول الحرب، دون الحياد عن منظور الأمن القومي الدقيق، وبدأنا نرى تحولاً في الحوار الوطني حول مشارَكة الولايات المتحدة في العراق. لم يحدث هذا بين ليلة وضحاها، كما لم يحدث لأننا أصدرنا بياناً صحفياً فقط، فقد طوّر فريقنا مساعي استراتيجيةً في التواصل والتوعية ونفذها، لعرض خطتنا أمام أكبر عدد ممكن من الناس؛ من المراسِلين وقادة الكونغرس إلى الناشطين التقدُّميين.

بعد عقد تقريباً في عام 2013، وجدنا أنفسنا نخوض معركةً صعبةً أخرى، كانت هذه المرة حول الميزانية الفيدرالية؛ حيث سيطر موضوع التقشُّف المالي على الحوارات السياسية والمالية لأشهر في العاصمة واشنطن. إن تلك السياسة السيئة، مصحوبةً بتعطيل الحكومة الفيدرالية، غذّت روايةً حول عجز الحكومة تزيد الوضع سوءاً، وفي تلك اللحظة الحرجة؛ أصدر «مركز التقدم الأميركي» تقريراً بعنوان «حان وقت إعادة بدء الجدال المالي»، ولاقى التقرير صدىً واسعاً؛ حيث استعرضنا فيه سلسلةً من مبادرات التواصل الاستراتيجي؛ مثل التوعية الإعلامية رفيعة المستوى والحملة المنسَّقة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وكان تأثيره على واضعي السياسات يمثِّل تحوّلاً عن أسلوب السرد الذي يركّز على التقشُّف؛ والذي يدل أن الظروف الاقتصادية تغيرت لكن عملية وضع الميزانية والحوارات حولها لم تتغير، وكما هو الحال مع «إعادة التوزُّع الاستراتيجي»، فلم يحدث التحوّل في الحوار بالصدفة فقط؛ بل تطلَّب الأمر صياغة وتنفيذ استراتيجية تواصل وتوعية مدروسة للتأثير على الجدال.

أَولى «مركز التقدم الأميركي» لأكثر من 11 عاماً، الكثير من الاهتمام والتفكير في أفكار السياسة التي يبتكرها، والطريقة التي يدرج بها هذه الأفكار في المجرى السياسي والسياساتي؛ لقد تبنّى فريقنا الأول مفهوم التواصل واستثمر فيه، ويرى كل فرد من أفراد «مركز التقدم الأميركي» أن التواصل جزء من عملهم؛ وأعتقد أن هذا ما يميزنا عن العديد من أقراننا، ولهذا أيضاً يجذب «مركز التقدم الأميركي» بعضاً من ألمع العقول  في مجال صنع السياسة، وإذا نظرت إلى أنجح المؤسَّسات – مهما كانت مهمّتها – ستجد أن استراتيجية التواصل القوية والمتكاملة تكون دائماً جزء مهم مما تقوم به.

اقرأ أيضاً: صياغة استراتيجية الاتصالات: مزيد من الأسئلة

يمكنكم الاطلاع على النسخة الإنجليزية من المقال من خلال الرابط، علماً أنّ المقال المنشور باللغتين محمي بحقوق الملكية الدولية. إنّ نسخ نص المقال بدون إذن مسبق يُعرض صاحبه للملاحقة القانونية دولياً.

 

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى