فوائد الاستكشاف الذاتي لقادة التغيير الاجتماعي

وصف جميع قادة التغيير الاجتماعي الذين قابلناهم؛ من الرواد الاجتماعيين وقادة المؤسسات الخيرية والمؤسسات غير الربحية، ممارسة الاستكشاف الذاتي بأنه أساسي لقدرتهم على الاستماع الجيد، والتفكير المتعمّق، والحفاظ على علاقة صحية مع الأنا، وحدد بحثنا خمسة تحولات واسعة النطاق؛ حفزها الاستكشاف الذاتي لدى قادة التغيير الاجتماعي، وهي: تغييرات في إدراك الذات، والمزيد من الوعي بالمحفزات العاطفية، والقدرة على التعامل مع الحالات العاطفية المظلمة؛ مثل القلق، وتغييرات في الإجراءات التنظيمية، وعلى مستوى الثقافة، وتحسين القدرة على بناء شراكات حقيقية مبنية على الثقة مع القادة والمؤسسات الأخرى، وزيادة الوعي بالعلاقات بين الأفراد والقضايا والمؤسسات.

اقرأ أيضاً: ما هو الاستكشاف الذاتي؟

فوائد ممارسة الاستكشاف الذاتي

  1. التغييرات في إدراك الذات

تشمل التغييرات في إدراك الذات تبني وجهات نظر جديدة عن نفسك والدور الذي يمكنك أن تلعبه في التغيير الاجتماعي، ويتطلب تغيير إدراكك لذاتك؛ استعداداً للكشف عن نقاط ضعفك أمام الآخرين، حتى يتمكنوا من مساعدتك على تنمية وعي أكبر بالذات. تقول بيغي دولاني؛ رئيسة مؤسسة «سينرجوس فونديشن» (Synergos Foundation): «لدينا نزعة تتمثل في حماية جراحنا وبناء دفاعات حولها؛ وهذا يعني غالباً ارتداء قناع للحفاظ على سلامتنا، لكن أساس خلق أنواع التغييرات اللازمة لدينا هو الشعور بالأمان الكافي لنسمح للآخرين بالمشاركة في معالجة المشكلات، عندما نفتح عقلنا وقلبنا، نصبح أقل خوفاً، لأن الانفتاح والسماح للآخرين برؤية انفتاحنا يتيح إحساساً أكبر بالحضور والترابط والحب؛ إنه يمكّن الآخرين من الشعور بالأمان الكافي لخوض الدورة ذاتها، والنتيجة هي عيش حياة أكثر فاعليةً».

أحد أهم أنواع التحولات في التفكير هو التخلص من الضغط الذي تفرضه الذات من أجل «إنقاذ العالم»؛ حيث تقول موغونغو؛ المديرة التنفيذية المؤسسة لصندوق «أوهاي إياشري»: «سمحت لنفسي بالتحقق من إحساسي بالمسؤولية تجاه الآخرين وتجاه العالم، لأنه طوال حياتي، ما أردت القيام به وما فعلته لم يكونا دائماً الأمر ذاته، أما اليوم فقد أصبحت أكثر وعياً بما أريد، وأعمل على ملاحقة الأمور التي تجلب إليّ الفرح، لا يزال اهتمامي متمحوراً حول التغيير الاجتماعي، لكنني الآن أتبع طريقة جديدة لممارسة القيادة وعيش حياتي».

عمل خوسيه ماريا لوزاراغا؛ مؤسس أكاديمية «موندراغون تيم أكاديمي» (Mondragon Team Academy)؛ النموذج التعليمي الذي يركز على العمل الجماعي، على التغلب على عقلية التضحية بالنفس؛ حيث علمته نشأته الكاثوليكية أن يحب الآخرين كما يحب نفسه، لكنه قال: «كانت طريقة تفكيري تركز على خدمة الآخرين بأي ثمن، وشعرت بأنني مثقل بالمسؤولية والعبء الحقيقي، كان الأمر أشبه بحمل حقيبة ثقيلة على كتفي، لكن بعد التغيير الذي أجريته بطريقة تفكيري، لم أعد أرى مهامي على أنها عبء، بل مغامرة، وفي تلك اللحظات التي أشعر فيها بالخوف أو القلق، أحتضن المغامر الذي بداخلي وأتذكر أنني حر كل يوم في اختيار المغامرة التي أريد».

بالنسبة إلى بريمال شاه؛ مؤسس منصة التمويل الجماعي «كيفا» (Kiva)، والرئيس التنفيذي للأعمال في شركة «برانتش إنترناشيونال» (Branch International)، فإن التغييرات في الإدراك الذاتي تتمحور حول الرؤية الشخصية للطاقة التحفيزية التي تدفعه، ويقول: «يعمل الكثير منا بروح التضحية (أو الخصوصية)، لكن تخيل فقط ما هو الإحساس بخدمة الآخرين من موقع المفهم الأكمل للذات، عندما أشعر بالإشباع والترابط، أتحول إلى التعبير عن امتناني، إنه مصدر مختلف تماماً للتحفيز».

أخيراً، تحدّث بعض القادة عن تحولات مهمة في أنماط التفكير الناتجة عن التعافي من الصدمات السابقة، وقالت ياسمين باثييا؛ مؤسسة ومديرة مشروع «بلاك نويز» (Blank Noise) في الهند: «لقد ساعدني الاستكشاف الذاتي على عيش حياتي بشكل أعمق»؛ إذ تعمل من خلال مشروعها على معالجة حالات التحرش الذي تتعرض له النساء والفتيات؛ وهو أمر تعرضت له شخصياً، وتضيف «بعد سماحي للآخرين بالتدخل وتقبّلي لما أنا عليه ، تحررت من مشاعر كانت مدفونة في أعماقي ولم أكن أعلم بوجودها، لقد تمكنت من إظهار مشاعر العار التي تملكتني، والشفاء من التجارب التي أثرت بعمق في نفسي وعلى عملي، أشعر الآن بالاستقرار أكثر من أي وقت مضى».

  1. التغييرات في الوعي العاطفي

تشمل التغييرات في الوعي العاطفي تطوير المهارات لإدارة مشاعر التوتر والقلق والخوف التي ترافق العمل في العادة، وهذا يمكّن القادة من تبنّي حالات ذهنية إيجابية؛ مثل الفضول والتعاطف والرحمة والشعور بالسعادة، تساعد على تحقيق النجاح.

لسوء الحظ، غالباً ما يفتقر قادة التغيير الاجتماعي إلى إطار عمل أو وسيلة لفهم وتقييم عواطفهم؛ الأمر الذي يمكن أن يؤثر على عملهم وتفاعلهم مع القادة الآخرين بطرق غير صحية. قالت رينيه كابلان؛ الرئيسة التنفيذية لـ«ورشة عمل الأعمال الخيرية»؛ وهي شبكة عالمية تضمن قادة مؤسسات خيرية: «هناك نقص في الوعي لدى معظم المستثمرين وقادة المؤسسات الخيرية حول الإرهاق والضغوط الهائلة التي يتعرض لها قادة التغيير الاجتماعي، لذلك علينا أن نتحاور بطريقة أكثر انفتاحاً، ومن أجل تحقيق ذلك نحتاج إلى الأدوات المناسبة لإجراء بحث أعمق، وقائم على القيم لاستكشاف الذات».

الحسد هو من المشاعر الأكثر شيوعاً، ومن الممكن أن يختبره قادة التغيير الاجتماعي، ولكن نادراً ما يُفصحون عنه، تحدث ساشا تشانوف؛ المدير التنفيذي لـ«مؤسسة ريفيوج بوينت» (Refuge Point)؛ التي تدعم اللاجئين في جميع أنحاء العالم، حول رؤيته لهذه الطاقة السلبية بناءً على تجربته الخاصة، وقال: «لا زلت أعمل على معالجة مشاعر الحسد بداخلي، وأرى قادةً آخرين يعانون منه عندما تتلقى مؤسسة أو مؤسس آخر منحةً كبيرة، أو يفوز أحدهم بجائزة، أو يحظى باهتمام وسائل الإعلام؛ هذا ليس بالأمر السهل، لكني أحاول أن أنمّي مشاعر السعادة المتعاطفة؛ أي الشعور بالسعادة للآخرين، بدلاً من تبنّي رد فعل يركز على الذات» تُعدّ برامج الاستكشاف الذاتي جيدة في مساعدة الناس على تطوير وعي بميلهم نحو الحسد، وتنمية المهارات التي يحتاجون إليها لإدارته.

في كثير من الأحيان، يواجه القادة الذكور معايير الذكورة السامة التي تشرّبوها وهم أطفال؛ إذ قال ساني؛ مؤسس «بايت ذا بالوت»: «لقد نشأت في مجتمع من الطبقة العاملة، ومثل معظم الرجال البريطانيين، كبرت على الاعتقاد بأن التعبير عن المشاعر هو ضعف وسلوك أنثويّ، وكانت تنمية الوعي بمشاعري رحلةً رائعةً بالنسبة إليّ، أصبحت أعترف عندما أشعر بالاكتئاب أو القلق، لكني لست بحاجة إلى الهروب أو اللجوء إلى آليات للتكيف، بل أتقبل هذه المشاعر ولا أشعر أنني بحاجة إلى حلها».

يمكن أن تؤدي زيادة الوعي الذاتي بالمشاعر أيضاً إلى تشكيل رؤية واضحة لسلوك القادة الآخرين، قال لوزاراغا: «كنت أشعر بالإهانة والإساءة من قِبل القادة الآخرين في المؤسسة عندما يدافعون عن مصالحهم أو يضخمون أنفسهم، لكني الآن أرى نفسي؛ وأراهم، من منظور مختلف؛ إنهم يخوضون معاركهم الداخلية، ولا علاقة لي بذلك، وبدأت بسؤال نفسي، كيف يمكنني مساعدة هذا الشخص».

  1. التغييرات على مستوى الإجراءات التنظيمية والثقافة

لا شك أن القادة لا يتصرفون بمفردهم؛ إذ أنهم يديرون الفرق، ويوفّقون بين أعضاء مجلس الإدارة والممولين والشركاء، ويبنون الثقافة على جميع مستويات مؤسساتهم، يساعد الاستكشاف الذاتي العديد من قادة القطاع الاجتماعي على اكتساب فهم أعمق لكيفية تأثير أسلوب قيادتهم الخاصة على الثقافة التنظيمية.

تقول هوليا؛ مؤسسة سلسلة الصالات الرياضية «بي-فيت»؛ وهي سلسلة محلية من الصالات الرياضية المخصصة للنساء فقط، تهدف إلى تمكين المرأة في تركيا: «كان أسلوبي راسخاً لدرجة أنه أصبح يمثل أسلوب عملنا على مدار عدة سنوات، كنت أرسل الرسائل الإلكترونية باستمرار إلى الموظفين؛ وغالباً في وقت متأخر من الليل، للتحقق من سير العمل»، لكن الاستكشاف الذاتي ساعدها على التعرف على تأثير هذا الأسلوب على فريقها، وتضيف: «أدركت أنهم كانوا يشعرون بالإرهاق طوال الوقت، والسلوكيات التي كنت أتبعها كانت تحد من إبداعهم، لقد عملنا على تجديد سياسة التواصل لدينا بالكامل، والآن يعمل الموظفون على ابتكار طرقهم الخاصة لإنجاز العمل؛ مما يجعل عملنا يتطور».

بدأ العديد من القادة الآخرين بوضع نماذج لأشكال القيادة الحقيقية؛ والقائمة على السماح للآخرين بالانخراط لإيجاد حلول للمشكلات؛ وهي ممارسة تعلموها من خلال الاستكشاف الذاتي أثناء تواصلهم مع الموظفين. قال ساني: «إنني مدرك وحذر بشأن ما أشاركه في بيئة العمل وكيف أفعل ذلك، ولكني أعطي الأولوية لتثقيف الموظفين حول أهمية الاستكشاف الذاتي بالنسبة إليّ كرجل وقائد؛ على سبيل المثال، أنا صادق وشفاف بشأن رؤيتي لمعالج نفسي، ويقدم لي الموظفون ملاحظات حول ثقافة الانفتاح التي خلقناها والتغييرات التي أحدثوها في حياتهم».

لدى ألين أغلر؛ الرئيسة التنفيذية لـ«ذي إند فاند» (The End Fund)؛ وهي مؤسسة معنية بعلاج الأمراض المرتبطة بالمناطق المدارية المهملة، تجربةً مماثلة، وقالت: «لقد ساعدتني ممارسة الاستكشاف الذاتي الفردي على تنمية مهارات مثل الاستماع الجيد والصبر والتعاطف والوضوح والرؤية الشاملة، لقد أدخلت أيضاً- عن عمد- عدداً من أدوات الاستكشاف الذاتي في مؤسستنا؛ بما في ذلك أدوات التقييم الذاتي؛ مثل «سترينغثس فايندر» (StrengthsFinder) و«مايرز بريغز» (Meyers-Briggs)، إلى جانب ورش عمل للفريق، والذهاب لقضاء بعض الوقت في أماكن هادئة بمساعدة مؤسسة تنمية المهارات القيادية «سيرتش إنسايد يورسيلف» (Search Inside Yourself)؛ التي كانت في السابق جزءاً من شركة «جوجل»، وتعمل الآن على تثقيف فرق القيادة حول كيف يمكن لنتائج أبحاث علم الأعصاب والوعي التام أن تحسن ديناميات الفريق وإنتاجيته».

على عكس معظم القادة الذين قابلناهم، فقد طورت أغلر ممارسة الاستكشاف الذاتي على مدى عقدين من الزمن، وقد لعب ذلك دوراً مهماً في كفاءة عمل المؤسسة ونموها، وقالت: «أحاول أن أكون منفتحة بشأن القضايا التي أعمل عليها أو أعاني منها، ولا أتردد في طلب المساعدة، لدينا جميعاً نقاط عمياء، وكلما أصبحنا أكثر انفتاحاً وتقبلاً لنقاط ضعفنا كقادة؛ من خلال الاعتراف بأننا لا نمتلك جميع الإجابات، سيشعر الآخرون من حولنا بالراحة للمشاركة في إيجاد حلول للمشكلات؛ هذا مهم ليس فقط لبناء مؤسسة، ولكن أيضاً لبناء حركة اجتماعية، لا أعتقد أنه يمكنني إدارة هذا من دون ممارسة الاستكشاف الذاتي واليقظة».

سعى الأشخاص الذين قابلناهم للحصول على المساعدة من الآخرين؛ لإيجاد طرق لفهم أنفسهم بصورة أفضل، وتطوير عادات لتحسين مهاراتهم القيادية، وخلق بيئات صحية أكثر، ويقدم البعض هذه البرامج إلى مؤسساتهم؛ على سبيل المثال، قاد مارك بيرتوليني؛ الرئيس التنفيذي السابق لشركة التأمين الصحي «أيتنا» (Aetna)، إنشاء برنامج لتعزيز اليقظة الذهنية للموظفين بعد تعرضه لحادث تزلج خطير؛ تسبب له بألم شديد طويل الأمد، ووجد في النهاية الراحة في التأمل واليوغا والممارسات الشرقية الأخرى؛ والتي طبقها بعد ذلك على عالم الصحة وعلى موظفيه في الشركة.

أظهرت آبي فاليك؛ المؤسسة والرئيسة التنفيذية للمؤسسة الأميركية غير الربحية «غلوبال سيتيزن يير» (Global Citizen Year)، رغبةً غير عادية في أن تشارك الآخرين علناً من خلال كتابة دليل شخصيّ على موقع «مديوم» (Medium)؛ الذي انتشر على وسائل التواصل الاجتماعي، ويروي قصة نهجها القيادي وعاداتها في ممارسة الاستكشاف الذاتي. لدى المؤسسة أيضاً نشاط اختياري يمكّن الفريق من ممارسة التأمل صباح كل اثنين، كما يُدفع للموظفين للذهاب لأماكن هادئة وصامتة، وقد أصبح الاستكشاف الذاتي الآن جزءاً لا يتجزأ من الثقافة؛ حيث يدخل في سياسة الاستعلام الواضحة أثناء عملية التوظيف.

  1. التغييرات في القدرة على إجراء شراكات مع الآخرين

يتعرض قادة المؤسسات الخيرية لانتقادات على نحو متزايد؛ لفشلهم في فهم القضايا الاجتماعية المعقدة؛ التي تحاول مؤسساتهم والمانحون معالجتها، وتكون الفجوة كبيرة جداً في بعض الأحيان؛ بحيث تخلق علاقات غير صحية أو سامة بين أولئك الذين يتصرفون بالتمويل، والذين يحتاجون إليه لتمويل أعمالهم المعنية بالتغيير الاجتماعي. كتب إدغار فيلانويفا؛ رئيس مجلس إدارة مؤسسة «الأميركيون الأصليون في المؤسسات الخيرية» (Native Americans in Philanthropy): «غالباً ما يفتقر أولئك الذين يديرون الموارد الخيرية؛ بمن فيهم الذين يحددون مسار الوصول إلى تلك الموارد، إلى العلاقات العميقة مع المجتمعات التي تعاني من آلام العزلة الاجتماعية والعرقية والاقتصادية، ويتضح هذا عندما يحدد المموّلون ما يريده المجتمع، بدلاً من الاستماع إلى المجتمع والعمل على التوصيات التي يقدمها».

يمكن أن يساعد الاستكشاف الذاتي على حل هذه المشكلة، وقد ذكر كل قائد تحدثنا إليه أنه كان قادراً على التواصل بصورة أفضل مع الآخرين بسبب ممارسته للاستكشاف الذاتي؛ حيث قالت دولاني رئيسة مؤسسة «سينرجوس فونديشن»: «كلما تمتعت بحس إنساني أكبر، كان من الأسهل على الآخرين التفاعل والتحدث عن نقاط ضعفهم»، كما قال بيرتوليني إنه يسعى إلى إقامة علاقات أعمق مع الرؤساء التنفيذيين؛ الذين يقودون المؤسسات التي يشغل فيها دور عضو مجلس الإدارة، وأعضاء مجلس الإدارة الآخرين؛ مما يسهل إقامة علاقات عمل أكثر إنتاجيةً.

  1. التغييرات في الوعي الشامل

إن الرواج المتزايد لنهج الرؤية الشاملة للمشكلات الاجتماعية يتطلب مجموعة مختلفة من المهارات القيادية مقارنة بتلك التي يمتلكها المؤسس النمطي؛ الذي يركز على فكرة واحدة؛ وهي النمو التنظيمي؛ إذ بدلاً من التركيز على التدخلات أحادية الجانب، يسعى القادة المعنيون بتغيير النظم (أو رواد النظم) إلى التأثير على الأفراد والمؤسسات الأخرى؛ المنخرطة في نظام اجتماعي معين، لتغيير قواعد هذا النظام وتدفقات الموارد وديناميات السلطة والمعايير والعلاقات وأوجه الترابط، وغالباً ما تكون هذه النماذج من الحلول المشتركة، أكثر فاعليةً واستدامةً من النمو التنظيمي الخطي.

في هذا الإطار، تُعتبر الرؤى الشخصية للقائد، والوعي الذاتي الأوسع نطاقاً، من الأمور الضرورية؛ والتي يتم تطويرها من خلال الاستكشاف الذاتي، كما تُعتبر السمات المرتبطة بالأنا الموجَّهة؛ مثل التحلي بالتواضع والتعاطف والاستماع الجيد، أمراً مهماً للقادة الذين يحتاجون إلى كسب ثقة الشركاء والحلفاء ذوي المصالح ،وجداول الأعمال المؤسسية، ووجهات النظر المتنوعة جداً.

وصف لوزاراغا وعيه بالنظام الأوسع الذي يسعى إلى التأثير فيه بهذه الطريقة: «عندما تكون مغرماً بشيء ما، يمكنك الاقتراب منه، وعندما تكون لديك القدرة على التراجع ورؤية النظام بأكمله، فلن يكون ذلك مرهقاً عاطفياً؛ إذ أنني شخصياً لا أشعر بالحاجة للسيطرة على كل شيء، لأنني مدرك لذاتي، وأكثر قدرةً على رؤية الإجراءات الإيجابية اللازمة لتحسين نظام التعليم ككل، إن الأمر لا يتعلق بي، بل بتحويل النظام لإحداث تأثير أكبر».

يمكن أن يساعدك الاستكشاف الذاتي على تدريب نفسك على العمل على المستويات العليا؛ حتى تتمكن من رؤية النظام بأكمله، ثم الانتقال للأسفل وإنجاز شيء ما، إن القدرة على العمل على المستويات العليا والدنيا أمر مهم بالنسبة إلى القادة الناجحين. يذكر تشانوف؛ المدير التنفيذي لـ«مؤسسة ريفيوج بوينت»، النموذج الفكري السائد للندرة بصورة عامة؛ باعتباره العقبة الأساسية أمام إحداث المزيد من التعاون، واتّباع نُهج شاملة عبر حدود المؤسسات، وأشار إلى أن «جميع المحفزات تدفع قادة المؤسسات غير الربحية إلى التركيز على مؤسساتهم فقط»، ولمواجهة هذا التوجه، عمل مع فريق القيادة لتطوير نظام تقييم أداء للموظفين يراعي جميع الطرق التي يخلقون القيمة من خلالها؛ بما في ذلك تحفيز التمويل الجديد للمؤسسات الأخرى التي تعمل مع اللاجئين.

من خلال تبنّي الوعي الشامل، أوجد فريق قيادة «مؤسسة ريفيوج بوينت» فرصاً جديدة للاجتماع والتعاون مع الجهات الفاعلة الرئيسية؛ مثل «الهيئة المعنية باللاجئات» (Women’s Refugee Commission) و«ميرسي كوربس» (Mercy Corps) ووزارة الخارجية، حول خلق نظام قياس عالمي، ويربط تشانوف نتائج ممارسته للاستكشاف الذاتي؛ بما في ذلك إدارة الأنا، ومهارات الاستماع الجيدة، ووجهة النظر الشاملة التي تبناها، مع تمكين «مؤسسة ريفيوج بوينت» لبناء هذه الشراكات.

ننصحك بالبدء بممارسة الاستكشاف الذاتي

لقد كان للاستكشاف الذاتي دورٌ مهمٌ في حياة العديد من قادة التغيير الاجتماعي، نحن نعلم أنه ينجح من خلال تجربتنا الخاصة، ونشعر بالحماس لأن أصداء التأثير تتزايد مع ارتفاع عدد القادة والأشخاص الذين يؤثرون عليهم؛ ممن يبدؤون في ممارسة الاستكشاف الذاتي لإثراء حياتهم وتعزيز الفاعلية على المستوى الشخصي، يقول شاه: «ساعدتني عملية الاستكشاف الذاتي على الخروج من وضعي الافتراضي، والتأمل قليلاً، وخلق وعي أوسع، إن فضولي الموسّع يزيد من قدرتي على المساهمة الحقيقية».

على الرغم من عدم وجود نهج واحد يناسب الجميع لممارسة الاستكشاف الذاتي، ولأننا لا نرغب في تبنّي أسلوب أو نهج معين، فإننا على ثقة بأن العملية المستمرة للاستكشاف الذاتي تساعد على خلق المزيد من القادة الناجحين والمرنين والقادرين على إدارة الأنا الخاصة بهم بحيث يمكنهم الاستمرار حتى النهاية. إن التغيير الاجتماعي أشبه بماراثون؛ وليس رحلة قصيرة، وممارسة الاستكشاف الذاتي تزيد من قدرتنا على التحلي بالتواضع عند إقامة شراكات مع الآخرين لمعالجة المشكلات المعقدة، وكما تقول دولاني: «عندما نتجاوز العقبات الداخلية والمتعلقة بسلوكنا، يمكننا حينها أن نتصرف بطريقة أفضل من خلال عملنا الذي نؤديه في هذا العالم».

يمكنكم الاطلاع على النسخة الإنجليزية من المقال من خلال الرابط، علماً أنّ المقال المنشور باللغتين محمي بحقوق الملكية الدولية. إنّ نسخ نص المقال بدون إذن مسبق يُعرض صاحبه للملاحقة القانونية دولياً.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى