قادة الأنظمة: كيف يعملون لقيادة التغيير الاجتماعي؟

 

تم النشر 07 يونيو 2021

من شبح التغيّر المناخي إلى مشكلة الفقر المتجذرِّة، تصمُد المشاكل العالمية الأكثر إلحاحاً أمام التدخلات التي تعتمد على الهيكليات القيادية التنازلية، وإن ذلك يقتضي – كما يدرك المزيد والمزيد من الناس – التعاون؛ لكن المساعي التعاونية لا تحدث دون عناء، فهي تتطلب وجود القادة – وليس أي نوع من القادة؛ بل قادة الأنظمة، ففي مقالة «فجر قيادة الأنظمة»؛ والتي كانت القصة الرئيسية على غلاف إصدار شتاء 2015 من مجلة ستانفورد للابتكار الاجتماعي، سلّط «بيتر سينغ» و«هال هاميلتون» و«جون كانيا» الضوء على نوع جديد من القادة؛ حيث يناقش هؤلاء الكتّاب فكرة أن قادة النظام لا يدفعون عجلة التغيير بشكل فردي بقدر ما يفعلون عندما يتيحون لمجموعة واسعة من الأشخاص المشارَكة في القيادة الجماعية.

لاستكمال المقالة؛ نقدِّم لكم عنصرَين يوضِّحان كيف يعمل قادة الأنظمة في مجالات محدَّدة من القضايا لقيادة التغيير الاجتماعي، ونشارك هذه المواد مع امتناننا للكتّاب المشارِكين في كتابة هذه المقالة.

كانت شبكة «مختبَر الغذاء المستدام» (Sustainable Food Lab) إحدى الأمثلة عن قيادة الأنظمة التي ذكرها « بيتر» و«هال» و«جون»  في مقالتهم؛ وهي شبكة تجمع أشخاصاً من بعض أضخم الشركات الغذائية، وأشخاصاً من مجموعة واسعة من المؤسَّسات غير الحكومية. يقدِّم «هال» – مدير شبكة مختبَر الغذاء، والمشارِك المؤسِّس لأكاديمية التغيير المنهجي – في هذه المقالة الفرعية نظرةً أوليةً على كيف أتاحت الرحلات التعلُّمية والتخطيط للأنظمة وغيرها من الممارَسات، ظهور قادة أنظمة من مسيرة شبكة مختبَر الغذاء.

اقرأ أيضاً: فوائد الاستكشاف الذاتي لقادة التغيير الاجتماعي

قادة الأنظمة في شبكة الغذاء المستدام

بقلم «هال هاملتون»

لقد وصفْنا «قادة الأنظمة» أنا و«بيتر سينغ» و «جون كانيا» في مقالة «فجر قيادة الأنظمة» التي نُشرَت في إصدار شتاء عام 2014 من مجلة ستانفورد للابتكار الاجتماعي، بأنهم أشخاص يحثّون على القيادة الجماعية؛ افتتحنا هذه المقالة بالكتابة عن الطريقة التي دعا بها نيلسون مانديلا أصحاب البشرة البيضاء من جنوب أفريقيا للانضمام إلى أصحاب البشرة  السوداء منها، وتخطي الحدود نحو مستقبل مشترَك.

كانت المساهَمات التي قدَّمتُها في هذه المقالة مستمَدَّةً من تجربتي في المساعدة في تأسيس شبكة «مختبَر الغذاء المستدام» ثم قيادتها؛ وهي مؤسَّسة مرجعية لشبكة من شركات الأغذية والمؤسَّسات غير الحكومية، وأبحث في هذه المقالة كيف أصبح تعزيز قيادة الأنظمة يؤدّي دوراً هاماً في عملنا في الصناعات الغذائية. ساعد «بيتر» في تقديم المشورة لمختبَر الغذاء منذ بداية تأسيسه، وكنا دائماً نطبّق «نهجه المؤلَّف من ثلاث ركائز» في إمكانيات التغيير المنهجي؛ وهي الاطلاع على النظام، والمحادثة التأملية، والمشارَكة في صنع المستقبل، واختبرنا بإضافة «النظرية يو» (Theory U) التي طوَّرها «أوتو شارمر» (Otto Scharmer) بنيةً تنظيميةً للتغيير المنهجي التابع لعدة جهات من أصحاب المصلحة؛ والمعروف باسم «مختبرات التغيير».

قامت مجموعة مكوَّنة من ثلاثين قائداً من الشركات والمؤسَّسات غير الحكومية وجهات حكومية من ثلاث قارات في عام 2004، بتأسيس مختبَر الغذاء لتسريع الاستدامة في النظام الغذائي السائد، ولم يقبل كل من دعوناهم في البداية الانضمام إلى مختبر الغذاء، فقد أخبرني أحد كبار نواب رئيس شركة غذائية أن «الاستدامة ليست ضمن مجال اهتمامنا بعد»؛ لكن على مدى السنوات العشرالتي تلتها، أصبحت الاستدامة هي المفهوم السائد؛ حيث التزمت جميع شركات المواد الغذائية تقريباً بالحدّ من التأثير البيئي  السلبي الناتج عن مصانعها وأعمالها، وقدَّم معظمها التزامات تمتد حتى سلاسل التوريد الخاصة بها.

تُعَدّ الطبيعة المعقَّدة لنظام الأغذية، والتنازلات التي يجب على شركات الأغذية تقديمها للحدّ من تأثيرها على البيئة أموراً شاقّةً؛ تحتاج شركات الأغذية إلى السمعة الحسنة لأن معظم قيمة الشركة تكمن في علاماتها التجارية، لذا تجدهم  يريدون أن يكون لهم صلة بتنظيف المجاري المائية وتحسين حياة صغار المزارعين، كما يحتاجون إلى إمدادات موثوقة من المكوِّنات؛ والتي تتطلب مياهاً وفيرةً وتربةً صحيةً، لذا هم بحاجة إلى موافقة المؤسَّسات غير الحكومية العالمية؛ مثل «أوكسفام» و«الصندوق العالمي للحياة البرية»، وقد تعلموا الاستفادة من الخبرات التقنية للموظَّفين الميدانيين من هذه المجموعات. 

لا بُدَّ لشركات الأغذية من التعاون مع المنافِسين لوضع معايير وأدوات قياس مشترَكة، ولتحقيق كل ذلك؛ تحتاج شركات الأغذية والمؤسَّسات غير الحكومية إلى قادة الأنظمة.

اقرأ أيضاً: الاستكشاف الذاتي لتعزيز فعالية قادة التغيير الاجتماعي

بناء قادة الأنظمة

إن أول خطوة لتصبح قائد نظام هي تنمية القدرة على رؤية النظام من وجهة نظر الآخرين، وقد جرّب «لاري بوليام» ذلك خلال «رحلة تعليمية» في «مختبَر الغذاء» في عام 2004؛ وهو أحد مؤسِّسيه، وكانت تضم مجموعته مديري شركات، بالإضافة إلى قادة من الحكومة والمؤسَّسات غير الحكومية والشركات الصغيرة؛ حيث زاروا المزارع الصغيرة والكبيرة، وتحدثوا إلى منظِّمي الأعمال، ومدراء المصانع، وروّاد الأعمال، ومراقبي الأنظمة.

 تفاجأ «لاري» في البداية بحقيقة أنه «يمكننا جميعاً الاستماع إلى الحديث نفسه؛ لكن كل منا يمكنه سماع تفاصيل مختلِفة فيه، وإنني أكتسب المزيد من المعرفة من خلال التعلُّم مع الأعضاء الآخرين في هذه المجموعة».

«لاري» هو جمهوري محافِظ من مدينة هيوستن، وكان قبل تقاعده أحد كبار المسؤولين التنفيذيين الذين يديرون شركةً بقيمة 40 مليار دولار. عندما طلب منه رئيسه التنفيذي تمثيل شركة «سيسكو» في تأسيس «مختبَر الغذاء»؛ وجد نفسه في قاعة إلى جانب نشطاء بيئيين ومنظِّمين مجتمعيين لأول مرة. 

ذات مرة التفت نحوي وقال: «هال، لا أظن أنني أعجِب هؤلاء الأشخاص كثيراً»، ولاحقاً بعد تنقُّلنا في مختلف أنحاء الريف البرازيلي وزيارة المزارع والمصانع، وبعد مشارَكة تجربة البحث عن الرؤية في جبال أريزونا؛ ساعد «لاري» في بدء تحالِف رائد مع منظَّمة «أوكسفام» لدعم صغار المزارعين في غواتيمالا. طلبتُ منه ذات مرة أن يفتتح اجتماعاً مع قادة أعمال آخرين، وإليكم ما قاله لهم:

«من غير المعتاد أن يجتمع المنافِسون الشرسون معاً ويتعاونوا لتحقيق المصلحة العليا، وإن هذا هو جوهر ما نقوم به، فإن جوهر «مختبَر الغذاء المستدام» يكمن في قدرتنا على تحقيق 100 ضعف؛ بل 1000 ضعف عن ما يمكننا القيام به بشكل منفصل، وإن ما نقدِّمه للعالم هو العمل الصحيح، هو العمل الجيد، وهو مفيد لأعمالنا». 

لدينا في شركة «سيسكو» أفضلية تنافسية للمشارَكة؛ لكن لا يمكننا أن ندرك تماماً تلك الأفضلية التنافسية دون التعاون مع الآخرين في هذه المجموعة لتعميم مبادئ الاستدامة.

الرحلات التعليمية

إحدى أكثر الوسائل فعاليةً لتنمية القدرة على رؤية الأنظمة كما يجب، هي المشارَكة في الرحلات التعليمية -كالتي انضم إليها «لاري» في البرازيل، فهي أكثر بكثير من مجرد جولات ميدانية؛ حيث تتطلَّب المحادثات التأمّلية التي تدور في هذه الرحلات وجود مجموعة متنوعة من المشارِكين، ولهذا السبب يبذل «مختبَر الغذاء» جهده في جمع الأشخاص الذين يملكون مجموعةً متنوعة من الخبرات ووجهات النظر حول أنظمة الغذاء والزراعة. 

في بداية كل يوم؛ نجمع أعضاء المجموعة ليجلسوا بصمت لتدوين افتراضاتهم على دفتر يومياتهم حول زياراتهم التي سيقومون بها في ذاك اليوم، ومالذي يثير فضولهم، وكيف يأملون أن يمضي اليوم. بعد ذلك؛ يجلس المشارِكون مرةً أخرى بعد كل زيارة ميدانية بصمت، ويتأملون الأمور التي فاجأتهم أو ألهمتهم، ثم يشارِك الجميع أفكاره مع المجموعة، واحداً تلو الآخر، دون تعليق أو نقاش؛ تحفِّز هذه المشارَكة المحادثات التأملية؛ التي تكون في بعض الأحيان محتدِمة؛ ولكن ذلك دائماً ضمن سياق الثقة المتبادَلة والاستكشاف المشترِك. إليكم تعليقاً من شخص بدأ حديثه بوجهة نظر ناشط بحتة:

إحدى الأمور التي تثير اهتمامي حول هذه العملية برمَّتها هي أننا نمَّينا فيما بيننا القدرة على التساؤل؛ فهي مسألة طرح أسئلة صعبة، وأن تشعر أنه لا بأس أن تجيب، أو تقرّ  أنه ليس لديك أدنى فكرةً عما يحدث. إنني أقدُّم لـ «مختبَر الغذاء» التزامي المتواصل بمحاولة الإجابة على الأسئلة معكم، وللقيام بذلك؛ ما أحتاجه من المختبَر هو أن يستمر في توفير مساحة آمنة لنا للتعلُّم.

عقد «مختبَر الغذاء» مؤتمره السنوي للقيادة في كوستاريكا في عام 2008؛ وذلك بعد انطلاق مجموعة من 10 أشخاص في رحلة تعليمية في هندوراس، وانضم في هذه الرحلة مسؤولون تنفيذيون من عدة شركات غذائية كبرى – مثل «يونيلفر» (Unilever) و«سيسكو» – إلى المسؤولين عن المزارعين والمؤسَّسات غير الحكومية المحلية وموظَّفي منظَّمة «أوكسفام» من بريطانيا العظمى في أميركا الوسطى؛ حيث زارت هذه المجموعة المتنوّعة صغار المزارعين والجمعيات التعاونية والمؤسَّسات غير الحكومية التي كانت مهمّتها القضاء على الفقر.

في بداية الرحلة كانت وجهات نظر المشارِكين متباينةً تماماً؛ حيث ما فتئ موظَّفو الشركات الغذائية يكررون أنهم بحاجة إلى ما يكفي من الجودة والكمية، بالإضافة إلى ما سنعيد صياغته من آرائهم بالقول: «إن هؤلاء المزارعين الصغار والجمعيات التعاونية ينتجون الحد الأدنى، ولا يملكون أية معايير للجودة أو الأمان، لذا فهم يتواجدون في عالم منفصل تماماً عن التجارة». 

ومن الطبيعي أن تتّخذ منظَّمة «أوكسفام» والمؤسَّسات غير الحكومية المحلية موقفاً مناقِضاً، فمثلاً قالوا: «إن سبب فقر صغار المزارعين هو الاقتصاد العالمي غير المتكافئ؛ الذي يمنح الأفضلية للأغنياء ويستغل الفقراء، إن على هذه الشركات التزام أخلاقي  يلزُمِها بتقديم المساعدة».

لكن بنهاية الرحلة التعليمية؛ تقاربت وجهات نظر أعضاء المجموعة بشكل كبير، فقد كتبوا تقريراً معاً ليشاركوه مع سائر مؤتمر «مختبَر الغذاء» للقيادة في غواتيمالا، وقد حققت المجموعة ثلاث إنجازات رئيسية من رحلتها التعليمية:

  • فهم مشترَك للنظام الذي كانوا يشاركون فيه.
  • التزام مشترَك بتحسين حياة الفقراء.
  • عدة أفكار أولية حول ما يمكن أن تساهم به كل مؤسَّسة لتحقيق الالتزام المشترَك.

منذ تلك الرحلة التعليمية؛ كان يجرِّب موظَّفو منظمة «أوكسفام» من بريطانيا العظمى في أميركا الوسطى العمل مع الشركات التجارية، وتعهّدت شركة  «يونيليفر» بتحسين حياة 500 ألف من صغار المزارعين حول العالم، كما تشاركت شركة «سيسكو» مع «أوكسفام» في غواتيمالا، فسحبت موَرِّدها «سوبيرير فود» (Superior Foods).

 نتيجةً لذلك؛ تعلّمت مئات أسر المزارعين الصغار في مرتفعات غواتيمالا زراعة البروكلي، وتزويد  كل من الأسواق المحلية ومصانع التجميد في أسواق أميركا الشمالية خلال أربع سنوات.

عندما تبرز قيادة النظام في عمل مشروع تعاوني؛ كما برزت في هذه الحالة، يمكن أن تحقق تغييراً جذرياً؛ لكن أحياناً لا تسير الأمور كما يجب؛ حيث نفشل عادةً عندما لا نتمكن من دفع الأطراف الفاعلة الرئيسية إلى إيجاد مجال للثقة والإبداع للبروز. 

على سبيل المثال؛ قبل بضع سنوات، دعتنا إحدى المؤسَّسات غير الحكومية الكبرى العامِلة في مجال صيد الأسماك لتنسيق مبادرة أثر جماعي؛ كان أكبر تحدٍّ واجهناه هو أن هذه المؤسَّسة غير الحكومية لديها وجهة نظر راسخة مسبَقة بشأن الاستراتيجية اللازمة لإعادة مصائد الأسماك المستهلَكة من كثرة الصيد إلى العمل.

 لقد دعونا مجموعةً متنوعةً من الأطراف الفاعلة الذين صاغوا مجموعةً إبداعيةً من المشاريع التعاونية؛ لكن المبادَرة تعثرت لأننا فشلنا في تنمية الثقة الكافية بين أولئك الذين لديهم استراتيجيات تنظيمية متباينة، فبعض الأطراف الفاعلين المهمين ممن لديهم استراتيجيات مختلِفة لإعادة تفعيل مصايد الأسماك، لم يشعروا بأنهم يقابَلون بالترحيب الكامل في الاجتماعات، لذا مع غياب هذه الثقة، استمرت المجموعة في التعثُّر.

إن الإخفاقات مخزية؛ لكنها أيضاً فرص رائعة للتفكُّر في الشروط الأساسية لتحقيق النجاح. توجد ثلاث بوابات جوهرية لبناء قادة الأنظمة؛ وهي إعادة توجيه الاهتمام، إعادة توجيه الاستراتيجية، والممارَسة ثم الممارَسة ثم الممارَسة؛ فيما يلي أمثلة على أهمية كل من هذه البوابات.

اقرأ أيضاً: هل تعترض المنظمات غير الربحية طريق التغيير الاجتماعي؟

إعادة توجيه الاهتمام

إن البوابة الأولى التي يجب على قادة الأنظمة عبورها هي فهم دورهم في النظام بأكمله، وأن يكونوا قادرين على الانفصال عن هذا الدور ورؤية العالم من وجهة نظر الآخرين وحسب مصالحهم. عندما أتحدث مع الأشخاص الذين يُحتمَل أن ينضموا إلى مبادَرة ما، أبحث عن المصالح المتداخلة بينهم.

مثلاً؛ عندما أجرينا أنا و«آدم كاهاني» (Adam Kahane) مقابلات لأول مرة مع أعضاء محتمَلين من فريق مؤسِّسي «مختبر الغذاء»، تحدثنا مع مزارعين ومدراء أعمال وقادة مؤسَّسات غير حكومية وأفراد من الوكالات الحكومية من ثلاث قارات؛ كان أهم سؤال طرحناه هو «ما هو الهدف الوحيد الذي تحاول تحقيقه والذي يفوق إمكانياتك مع شركائك ومواردك الحاليَين؟».

 تقودنا خلاصة الإجابات على هذا السؤال إلى مساحة إبداع خصبة يمكن أن تنشأ منها شراكات جديدة، ومع تنامي هذه الشراكات الجديدة، يبدأ الجميع بالإدراك أن أدوارهم في مؤسَّساتهم المنفصلة صيغت بطرق لا تساهم دائماً في إيجاد حلول إبداعية، فمع التفكّر والمشارَكة والتأمُّل والمساحة الآمنة، تظهر احتمالات لم تكن موجودةً من قبل.

في المثال عن منظَّمة «أوكسفام» وشركتَي «سيسكو» و«يونيليفر»، لطالما كان الناشطون من منظَّمة «أوكسفام» يلقون اللوم على الشركات الجشعة؛ لكن عندما لاحظوا أن رجال الأعمال عبّروا أيضاً عن اهتمامهم بحياة صغار المزارعين؛ بدأ ناشطو منظَّمة «أوكسفام» في تغيير آرائهم، وإدراك أنه يمكنهم العمل مع شركاء من قطاع الأعمال، وعلى نحو مماثِل؛ اكتشف المسؤولون التنفيذيون في  شركة «سيسكو» طرائق جديدةً للقيام بأعمال تجارية من شأنها أن تفيد صغار المزارعين والمُصنِّعين.

عندما تعمل معاً على هذا النحو، تكتشف المؤسَّسات غير الحكومية ورجال الأعمال أيضاً، أمراً أساسياً أهم من هذه المهام والاستراتيجيات الموسَّعة؛ يكتشفون القدرات الشخصية التي يريدون تنميتها. يتطلب إيجاد هدف مشترَك بين مدير أعمال تنفيذي في هيوستن ومسؤول تعاوني عن مزرعة في غواتيمالا، القدرة على استشعار احتياجات وقيم الشخص الآخر، فإن حياة كل شخص مختلفة اختلافاً جذرياً عن الآخر، ومع ذلك؛ عليهم أن يفهموا ما يكفي عن بعضهم لعقد أي اتفاق، فهم يلاحظون جدران الاختلاف الثقافي التي تصيغ وجهات نظرهم والآخرين حول العالم، لذا فإن قادة الأنظمة يبذلون جهدهم لرؤية ما وراء جدرانهم، ويدركون أدوارهم في بناء تلك الجدران، فيتحول الاهتمام من تغيير الأنظمة «الخارجية» إلى تغيير القيم والتصوَرات «الداخلية».

استراتيجية إعادة التوجيه

يمكن أن تؤدي التحولات في اهتمام الفرد ووجهة نظره إلى تغييرات في استراتيجية مؤسَّسته، وللتشجيع على ذلك؛ يعمل فريق «مختبر الغذاء» بجدّ لإنشاء مساحات آمنة، ليتمكن الأشخاص من تنفيذ استراتيجياتهم بسهولة، وإيجاد فرص للقضاء على التحديات في منشئها. 

عندما سُئِلت «ليزا بويد» من شركة «تارغيت»، ما الذي ستشاركه مع زملائها بعد رحلة تعليمية في شمال غرب البيرو؛ الذي يعاني شحاً بالمياه، قالت: «أظن أنني سأخبرهم أن كل فرضية كنت أفكر فيها عندما أتيت إلى هنا انقلبت رأساً على عقب». يُحتمَل أن يكون الشك شرطاً أساسياً للتعلُّم، فهو يؤدي إلى مزيد من الانفتاح على الشراكة مع مؤسَّسات وأشخاص لا يمكن توقُّعهم.

بدأت العديد من شركات الأغذية والمشروبات الكبرى في القلق حول استمرارية الحصول على إمدادات من المكونات الزراعية في مختلف الظروف، وخاصةً أن المياه تصبح أكثر ندرةً في أجزاء كثيرة من العالم، فمثلاً؛ تركّز هذه الشركات أولاً على بناء مستوى كفاءة أكبر في المصانع والتعليم، للحدّ من استخدام المياه بدرجة كبيرة وإعادة التدوير، ثم لاحقاً تتطلّع هذه الشركات إلى تعزيز التغييرات في الإنتاج الزراعي، والعمل مباشرةً مع المزارعين مثلاً لاستخدام الري بالتنقيط لتخفيض بصمتهم المائية.

على الرغم من أهمية هذه الاستراتيجيات للحدّ من مخاطر جفاف المياه؛ إلا أنها غالباً غير كافية، فمثلاً؛  توجِد مصانع البيرة حوافز لمزارعي الشعير تدفعهم إلى اتباع أفضل الوسائل لتقليل استخدام المياه؛ لكن إذا تجاوزت نسبة استهلاك المياه نسبة توافره في منطقة زراعة الشعير، فستظل زراعة الشعير مهدَّدةً.

لتجاوز مخاطر جفاف المياه؛ لا بُدَّ من التعاون بين جميع الأطراف الرئيسية مع مستخدمي المياه في الأراضي، فلا يمكن لأي طرف تنفيذ حلول مجدية بمفرده؛ لكن التعاون يؤدي إلى الفوضى ويحتاج إلى التنظيم والتنسيق بمهارة، لذا يساعد «مختبر الغذاء» في تنظيم تعاون عالمي حول قضية المياه، مع العديد من كبرى شركات الأغذية والمشروبات؛ حيث يشارِك الفريق التعاوني بيانات حول أمكنة زراعة السلع الأساسية، وتحديد المناطق التي تواجه مخاطر جفاف المياه بينها، للعثور على الأماكن التي يمكن لهذه الشركات العمل معاً فيها، واستقطاب الدعم من المؤسَّسات غير الحكومية مثل «منظَّمة الحفاظ على الطبيعة» (Nature Conservancy).

إن رحلة العمل الجماعي ليست رحلةً يسيرةً؛ حيث يتوجَّب على الأشخاص المسؤولين عن المشتريات في كل شركة، مشارَكة البيانات التي يعدُّونها سريةً وتنافسيةً؛ حيث تتنافس المؤسَّسات غير الحكومية أحياناً على أرض الواقع على استقطاب الشركاء والتمويل، وتواجه الوكالات الحكومية صعوبةً في التفكير خارج حدود المهام الموكلة إليها؛ إن تنظيم مساحة آمنة يمكن للناس من خلالها تعلُّم إعادة توجيه استراتيجياتهم، يتطلّب استخدام كافة أدوات قيادة الأنظمة.

الممارَسة ثم الممارَسة ثم الممارَسة

كلما زاد تطبيق الأشخاص لأدوات مثل الرحلات التعلمية والتخطيط للأنظمة، زادت مهارتهم فيها، وقد يبدو ذلك بديهياً؛ لكن الكثير من الناس يفشلون في تخصيص الوقت للقيام بذلك.

على سبيل المثال؛ يوجد أسلوب صحيح وآخر خاطئ لتعليم الأشخاص كيفية وضع مخططات النظام واستخدامها، فقد شاهدت مجموعات يُعرَض عليها مخطط نظام أنشِئ مسبقاً، وقد تشوشت أبصارهم وهي تحاول متابعة جميع الخطوط والأسهم، كما كنت جزءاً من المجموعات التي شارَك جميع أفرادها في وضع مخطط النظام، وشاهدت كيف توالت أفكارهم عندما بدأوا يلمسون التآزر بين مختلَف المؤسَّسات في النظام نفسه.

لمساعدة الناس على تنمية قدراتهم في قيادة الأنظمة، أعقد مع زميلي كل شهر اجتماعات لثلاث مجموعات مختلفة لتدريب الأقران؛ إحداها مؤلَّفة من أفراد من المؤسَّسات غير الحكومية، واثنتان تضمان أفراداً مسؤولين عن تحقيق الاستدامة من شركات الأغذية أو المشروبات. نبدأ كل مكالمة بلحظات صمت عام قصيرة، ثم يشارِك أحد الأفراد تحدياً مهنياً، بعد أن يشارك مقدِّم/ة الحالة التحدي الذي يواجه/ها، يقوم الأفراد الآخرون بالتفكّر ومشاركة ردود أفعالهم، ونحتفظ بالنصائح لنهاية المكالمات، ونمحّص في المحادثات لنحقق أكبر قدر ممكن من الإدراك الذاتي، ويتعلم كل شخص رؤية الأمور من منظور الآخرين، فهم مجتمعون أذكى مما هم عليه متفرِّقون، وبمرور الأشهر؛  يمارسون المحادثة التأملية، ويطّلعون على النظام، ويتصوّرون بشكل جماعي الخطوات التالية التي قد تستجد.

ينظِّم «مختبر الغذاء» قبل أي اجتماع سنوي الرحلات التعليمية، وأحياناً تُجرَى خمس أو ست رحلات في الوقت ذاته، ونقسِّم المشارِكين بطريقة لتضم كل مجموعة صغيرة مشارِكين من رجال أعمال ومن غير رجال الأعمال، وننسِّق المحادثات بدقة. 

يبذل بعض قادة الفكر في العالم جهدهم كي لا يفوِّتوا هذه الفرص السنوية على الإطلاق، وذلك للانفتاح على أفكار جديدة وتنمية علاقات أعمق مع الأفراد من المؤسَّسات والقطاعات الأخرى.

كما أن هذه التجارب معدية نوعاً ما، فقد انتشرت الشراكات بين الأعمال التجارية والمؤسَّسات غير الحكومية بين الأنظمة الغذائية؛ وذلك حين اكتشفت مؤسَّسات مثل وكالة «خدمات الإغاثة الكاثوليكية» (Catholic Relief Services)، أنها يمكن أن تنفِّذ مهمتها بشكل أفضل من خلال المشاريع التعاونية مع الأعمال التجارية؛ التي تستمد مصادرها من البلدان النامية. 

وقد تعلّم العديد من قادة الأعمال الاطلاع على النظام، وفي بعض الأحيان؛ يبنون خبرات أكبر من خبرات خبراء المؤسَّسات غير الحكومية الذين كانوا يتعلمون منهم.

إلا أن الرحلة المقبِلة تستدعي وجود المزيد من قادة الأنظمة؛ وذلك مع توسُّع مجال العمل ليشمل أقسام المشتريات بأكملها ضمن الشركات، ومكاتب المؤسَّسات غير الحكومية على مستوى القطر، وواضعي السياسات في وزارات الزراعة، وقادة البرامج التعاونية من المزارعين في جميع أنحاء العالم. 

نحن بحاجة إلى تنمية قدرة المزيد والمزيد من قادة الأنظمة على العمل معاً، مستندةً على التواصُل الفعّال والإدراك الواضح للهدف.

نُسأل أحياناً في «مختبر الغذاء» عن مقاييس النجاح بالنسبة لنا، وما الذي أنجزناه على أرض الواقع؟ بصفتنا مؤسَّسةً مرجعيةً؛ نساهم في تقديم الدعم التصميمي والإداري للمشاريع التي تعمل على تحسين معيشة ملايين الأشخاص، التأثيرات البيئية على ملايين الهكتارات؛ ولكن لا يمكننا الاستئثار بالفضل في هذه النتائج دون المؤسَّسات التي نعمل معها.

بالرغم من ذلك؛ يمكننا أن ننسب الفضل إلينا في المساهمة في بناء المئات من قادة الأنظمة في عشرات المؤسَّسات، فهم يبتكرون أساليب جديدةً للعمل معاً، ووسائل جديدةً لممارَسة الأعمال.

وفي مثال آخر عن قيادة الأنظمة ذكره «بيتر» و«هال» و«جون» في مقالتهم؛ كان عن مبادَرة في دالاس تهدف إلى تحسين ظروف الأطفال المصابين بالربو؛ اجتمع المشارِكون من عدة مجالات معاً في مرحلة محورية من المبادَرة، لتحديد العوامل التي لم تتضمن التدخلات السريرية فحسب؛ بل تضمنت الهيكليات الأسرية والمجتمعية أيضاً – التي تحدد النتائج بالنسبة لمرضى الربو، كما أنشأ المشارِكون رسماً بيانياً يوضّح كيف ترتبط هذه العوامل ببعضها.

 

يمكنكم الاطلاع على النسخة الإنجليزية من المقال من خلال الرابط، علماً أنّ المقال المنشور باللغتين محمي بحقوق الملكية الدولية. إنّ نسخ نص المقال بدون إذن مسبق يُعرض صاحبه للملاحقة القانونية دولياً.

 

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى