أدوات تجعلك قائد منظومة ناجح

القيادة الجماعية
shutterstock.com/Sonja Filitz
استمع الى المقالة الآن هذه الخدمة تجريبية
Play Audio Pause Audio

عند رحيل نيلسون مانديلا في أواخر عام 2013 أشاد العالم بمسيرة حياته العظيمة. لكن التركيز المصبوب على إنجازات مانديلا سرق الأضواء من الكثير من الأسباب التي صنعت قدرته على ذلك التأثير الخالد في جنوب إفريقيا الذي امتد خارج حدودها. وأهمها قدرة مانديلا على تجسيد فكرة قائد المنظومة وبراعته في تشكيل القيادة الجماعية. كما أحدث مبادرات بطرق متنوعة لا حصر لها تهدف إلى جمع أشلاء ذلك البلد المقسم لمواجهة التحديات المشتركة بصورة جماعية وبناء أمة جديدة.

وفي تلك السنوات الحرجة الأربع بين إطلاق سراحه من السجن في عام 1990 وأول انتخابات علنية، أيَّد مانديلا خطة منهجية جمعت الأحزاب السياسية لذوي البشرة السمراء التي كانت محظورة سابقاً للعمل انطلاقاً من رؤيتها المختلفة لمستقبل جنوب إفريقيا، حيث أدى البحث العلني والجماعي في أيديولوجيات تلك الأحزاب المختلفة وفي مآلاتها إلى تضييق الخلافات التي من شأنها أن تؤدي إلى الانقسام والتي كان من الممكن أن تؤدي إلى تمزيق جنوب إفريقيا كالخلاف حول تأميم الصناعات الرئيسية.

وربما كان المثال الأكثر سمواً الذي أظهر مانديلا كـ “قائد منظومة” هو لجنة الحقيقة والمصالحة، التي كانت ابتكاراً جوهرياً للعلاج الوجداني للبلاد حيث جمعت ذوي البشرة السمراء والبيضاء من أبناء جنوب إفريقيا لتحدي الماضي والتعاون في تشكيل المستقبل، لأن فكرة الجمع بين الذين تكبدوا خسائر فادحة مع الذين تسببوا في تلك الخسائر ليواجهوا بعضهم بعضاً وليعرضوا الحقائق ومن ثم يتسامحوا ويمضون قدماً، لم تكن بادرة حضارية عميقة فحسب، بل بوتقة لصياغة قيادة جماعية. في الواقع كانت تلك العملية مستحيلة دون قيادة شخصيات مثل الأسقف ديزموند توتو والرئيس الأسبق لجنوب إفريقيا فريديريك دي كليرك.

ودعت هذه العملية الآلاف من الذين شاركوا فيها إلى المضي قُدماً لخلق واقع جديد لجنوب إفريقيا والتخلي عن كل ما قد يحد من التقدم إلى الأمام. وبذلك تجسد المعنى الأصيل للقيادة؛ فالجذور الهندوأوروبية لكلمة (lead) هي “leith” وتعني حرفياً تخطي العتبة.

ولم يسبق في التاريخ أن كنا بحاجة ماسة إلى قادة منظومة كما نحن بحاجة إليها الآن. فنحن نواجه مجموعة من التحديات الشاملة التي تتجاوز قدرة المؤسسات القائمة وهياكل سلطتها الهرمية. حيث تستدعي الأزمات الراهنة مثل التغير المناخي وتدمير النظم البيئية وأزمة شح المياه المتفاقمة والبطالة بين الشباب والفقر وعدم المساواة تعاوناً جاداً بين مختلف المنظمات والقطاعات وحتى البلدان. واستجابة لهذه الأزمات ظهرت مبادرات تعاونية لا حصر لها في العقد الماضي على المستويات المحلية والإقليمية وحتى العالمية. لكنها تعثرت في كثير من الأحيان ويرجع ذلك جزئياً إلى فشلها في تعزيز القيادة الجماعية داخل المنظمات المتعاونة وفيما بينها.

والغرض من هذا المقال نقل ما تعلمناه عن قادة المنظومة الذين نحتاج إلى أمثالهم لتعزيز القيادة الجماعية. ونأمل في إزالة الغموض عن مفهوم قائد المنظومة للسير في طريق النمو يداً بيد. ومن الطبيعي أن يتبادر إلى أذهاننا عندما نتحدث عن قادة مثل مانديلا أن هؤلاء القادة مميزون ولديهم رؤى وطرق تفكير أسمى من رؤانا وطرق تفكيرنا. لكننا في الحقيقة كان لنا شرف العمل مع العديد من أمثال مانديلا، وقد أقنعتنا هذه التجربة بأنهم متماثلون في القدرات الأساسية التي نستطيع تطويرها. وعلى الرغم من أهمية المنصب الرسمي وامتلاك السلطة، فقد شهدنا أناساً يعملون كقادة منظومة من مواقع متنوعة. وكما بيّن رونالد هايفتز في كتابه حول القيادة التكيفية، فإن هؤلاء القادة يغيرون الظروف التي من خلالها يمكن للآخرين، وبخاصة الذين لديهم مشكلات، التعلم بشكل جماعي لإحراز تقدم في التغلب عليها. والأهم من ذلك كله أننا تعلمنا الكثير من خلال متابعة مسار عملية تطوير الذات التي يقوم بها قادة المنظومة. وتلك العملية ليست بالمهمة السهلة، فالذين يتقدمون في تطوير ذواتهم يفرضون على أنفسهم التزاماً من نوع خاص بمسيرة تعلمهم ونموهم. ويوضح لنا فهم السبل التي يسلكونها نوعية هذا الالتزام وأن القيادة ليست مجالاً غامضاً لقلة مختارة.

يسبح الكثير منا مع هذا التيار ويحاول تنمية القيادة الجماعية في بيئات متنوعة حول العالم على الرغم من أن سياقاتنا الثقافية السائدة مرتبطة بقوة بأسطورة القائد الفرد البطل. وتسعى هذه الأبحاث الجديدة حول القيادة إلى خلق إمكانية حقيقية لتسريع التعلم المشترك من قادة المنظومة، لأننا بلا شك ما نزال في بداية الطريق لتعلم طرائق إطلاق عملية التغيير الشامل وتوجيهها على نحو يتناسب مع حجم المشكلات التي نواجهها، وما تزال رؤيتنا محدودة في هذا المجال.

القدرات الأساسية لقائد المنظومة

يمتاز قادة المنظومة الحقيقيون بتأثير متشابه إلى حد كبير على الرغم من تنوع شخصياتهم وأساليبهم. وبمرور الوقت، يثمر التزامهم العميق بمصلحة الجميع التزاماً مماثلاً لدى الآخرين حولهم. وتشجع قدرتهم على رؤية الواقع من خلال منظور الآخر المختلف الآخرين على أن يحذو حذوهم في الانفتاح على الآخر. ويؤسسون لعلاقات قائمة على الإصغاء باهتمام ما يثمر روابط الثقة والتعاون المتينة. كما يحملون قناعة راسخة بأن تحقيق الإنجازات لا يحتاج بالضرورة إلى خطط مثالية، وبالتالي يشجعون الآخرين للمضي قدماً والتعلم من خلال العمل. وتنبع إحدى أعظم سماتهم من قوة نقص المعرفة لديهم، ما يخولهم طرح أسئلة واضحة وتجسيد الانفتاح على التعلم المستمر والالتزام به وبنموهم الذي يزهر في النهاية جهود تغيير عظيمة.

في حضرة قادة منظومة كهؤلاء تصبح المواقف التي كان يشوبها الاستقطاب والقصور الذاتي أكثر انفتاحاً، وتتحول المشكلات المستعصية إلى فرص ابتكار، وتتحول الحلول التي تأتي كردة فعل آنية إلى حلول دائمة ومتوازنة وذات قيمة، ويعاد النظر في إطار المنفعة الذاتية للمؤسسة، حيث يكتشف الناس أن نجاحهم ونجاح مؤسستهم يعتمد على نجاح المنظومة الأكبر التي يشكلون جزءاً منها.

وينمي قادة المنظومة ثلاث قدرات أساسية من أجل تعزيز القيادة الجماعية. القدرة الأولى هي فهم المنظومة الأكبر. ففي ظل الظروف المعقدة عادة ما يركز الناس انتباههم على أجزاء المنظومة المرئية من وجهة نظرهم الخاصة. وينتج عن ذلك عادة جدالات حول من يمتلك المنظور الصحيح للمشكلة. إن مساعدة الناس على رؤية المنظومة الأكبر أمر ضروري لبناء فهم مشترك للمشكلات المعقدة. ويتيح هذا الفهم للمؤسسات المتعاونة تطوير حلول مشتركة تكون غير مرئية لأي منها من منظور فردي والعمل معاً من أجل نجاح المنظومة بأكملها بدلاً من مجرد علاج أعراض المشكلة من جوانب فردية.

وتتمثل القدرة الثانية في تعزيز التفكير العميق والمحادثات الخلاقة. ويعني التفكير العميق هنا إعادة النظر في طرائق تفكيرنا، ورفع الغطاء لرؤية الافتراضات التي نسلّم بها وننطلق منها في أي محادثة ومعرفة كيف تقيدنا نماذجنا العقلية. ويعتبر التفكير العميق المشترك خطوة حاسمة في تمكين المجموعات من المؤسسات والأفراد من “سماع” وجهات نظر مختلفة عن وجهات نظرها وتفهّم المنطلق المعرفي والعاطفي لكل طرف وهو خطوة رئيسية لتعزيز الإبداع الجماعي ولبناء الثقة من جديد في بيئة انعدمت فيها الثقة.

وترتكز القدرة الثالثة على تحويل التركيز الجماعي من الحلول التي تأتي على شكل ردود فعل آنية إلى التشارك في صناعة المستقبل. فغالباً ما يترافق البدء في التغيير مع ظروف قاسية، لكن قادة المنظومة البارعين يمدون يد العون للناس لكي يتجاوزوا الاستجابة الآنية لهذه المشكلات إلى بناء رؤى إيجابية للمستقبل. ويحدث ذلك عادةً على نحو تدريجي حيث يساعد القادة الناس على التعبير عن تطلعاتهم الحقيقية وبناء الثقة على أساس الإنجازات الملموسة التي تحققت عبر التعاون المشترك. ولا يشمل هذا التحول بناء رؤى ملهِمة فحسب، بل يتجاوز ذلك لمواجهة مصاعب الواقع الحالي وتعلم كيفية استغلال التعارض بين الرؤية والواقع لإلهام سبل مبتكرة.

كتب الكثيرون عن هذه القدرات القيادية في أدبيات التعلم المؤسسي والأدوات التي تدعم تطوره. لكن الكثير من هذه الأعمال ما يزال غير معروف نسبياً أو معروفاً لكن بشكل سطحي فقط من قبل المشاركين في جهود التغيير التعاوني الشامل.

الخطوات الأولى لتصبح قائد منظومة

منذ عدة سنوات، طرح موجهنا الرئيس التنفيذي السابق لشركات التأمين في هانوفر، ويليام أوبراين، سؤالاً مهماً يقول فيه: “يتبنى العديد من قادة الأعمال مبادئ مثل الرؤية والعزيمة والتنمية البشرية لتحقيق أفضل النتائج. وإذا كان الجميع يؤمن بهذه المبادئ فلماذا لا نراها مطبقة على أرض الواقع في المؤسسات؟” وكانت إجابة أوبراين بسيطة: “أعتقد أن سبب ذلك هو أن قلة قليلة من الناس تعرف طبيعة الالتزام المطلوب لتطبيق هذه المبادئ في المؤسسات”. نعتقد أن هذه الرؤية تنطبق أيضاً على قادة المنظومة الواعدين الذين يسعون للمساعدة في بناء جسور التعاون في سبيل التغيير الشامل.

ولطالما بيّنت لنا متابعة قادة المنظومة في بداياتهم مدى عمق الالتزام المطلوب لنجاحهم ووضحت لنا ذلك الخطوات الأولى التي بدؤوا بها في رحلتهم على طريق التنمية. مع العلم أن هذه الخطوات لا توضح المسار الكامل لتلك الرحلات لكنها تحدد إذا ما كانت ستبدأ الرحلة أو لا. فقد يشرح الذين لا يرغبون في اتخاذ الخطوات الأولى كل المواصفات المطلوبة لقيادة المنظومة، لكن من غير المرجح أن يحرزوا تقدماً ملموساً في تجسيد تطلعاتهم.

إعادة توجيه الانتباه، أي النظر إلى المشكلات “هناك” على أنها “هنا” أيضاً وكيف يرتبط “هنا” مع “هناك”: إن الاستمرار في ممارسة نفس أسلوب الأداء لكن بجهد أكبر أو ذكاء أكثر لن يؤدي غالباً إلى نتائج مختلفة كثيراً. ويبدأ التغيير الحقيقي بالاعتراف بأننا جزء من المنظومة التي نسعى إلى تغييرها. الخوف وانعدام الثقة اللذان نسعى إلى علاجهما موجودان أيضاً في داخلنا وكذلك الغضب والحزن والشك والإحباط. ولن تصبح تصرفاتنا أكثر فاعلية حتى نغير طبيعة الوعي والتفكير اللذين يقوداننا إلى تلك التصرفات.

تأسست مؤسسة روكا آي إن سي (Roca، Inc) المجتمعية لتنمية الشباب في بوسطن عام 1988. وتعمل مؤسسة روكا مع الشباب الذين يرفض الجميع العمل معهم. فالعديد من موظفي المؤسسة أعضاء سابقون في العصابات ويعملون الآن في الشوارع لمساعدة أعضاء العصابات على تغيير مسار حياتهم. في عام 2013، لم يتعرض 89% من الشباب الخطرين في برنامج روكا للمفرج عنهم والمدانين السابقين لأي اعتقالات جديدة، ولم يقترف 95% منهم مخالفات جديدة، وحافظ 69% منهم على عملهم. وبناءً على قوة هذه النتائج، أبرمت ولاية ماساتشوستس في عام 2013 عقداً للتأثير الاجتماعي بقيمة 27 مليون دولار مع مؤسسة روكا، حيث سيتم دفع المال للمؤسسة لتبقي الشباب المعرضين لخطر العودة للسجن بعيداً عنه، وستحصل على مبالغ مباشرة تتناسب مع النتائج الإيجابية التي تحققها.

ومن العوامل الحاسمة لنجاح روكا قدرتها على بناء علاقات تؤدي إلى إحداث تغيرات جذرية في الشباب الذين تعمل معهم. وتقوم بذلك من خلال ما تطلق عليه التواصل “الحثيث” وتعزيز العلاقات. تقول المؤسِّسة والرئيسة التنفيذية لمؤسسة روكا مولي بالدوين: “مهمتنا الأولى هي ببساطة “الحضور” بين الشباب، في الواقع لم يكن لدى الكثيرين منهم مَن يمكنهم الاعتماد عليه للاستمرار في حياتهم”.

إن الحضور بين الشباب يعني تطبيق ممارسات مثل “حلقات حفظ السلام“، وهي من ممارسات الأميركيين الأصليين قامت روكا بتعديلها وتطبيقها في عدة حالات، من نزاعات الشوارع إلى حلقات إصدار الأحكام والإفراج المشروط. تبدأ تلك الممارسة بجمع جميع المعنيين مباشرة على شكل حلقة ويبدأ كل شخص بإلقاء بضع كلمات تعبر عن نواياه بصراحة. والفكرة الرئيسية للحلقة هي أن ما يؤثر في الفرد يؤثر في المجتمع، وأن كليهما يحتاج إلى التعافي معاً. ويقول المختص بالشباب في مؤسسة روكا عمر أورتيز: “نتعلم الاستماع بعضنا إلى بعض بصراحة في تلك حلقات، حيث ترى أن المشكلة لا تخص شخصاً واحداً فقط بل تخص الجميع”.

لم يكن تطوير حلقات حفظ السلام سهلاً حتى على بالدوين نفسها. وتتذكر بالدوين الحلقة التدريبية الأولى لمؤسسة روكا منذ 15 عاماً قائلة: “جاء أربعون شخصاً منهم شباب وشرطة وضباط مراقبة وأفراد من المجتمع وأصدقاء، وفي منتصف الجلسة الافتتاحية، اشتعل الموقف، راح الناس يصرخون والشباب يسبون ويلعنون، وكان الجميع يقول: انظر! لن ينجح هذا الأمر أبداً! كانت مشاهدة الحلقة وهي تنهار أمراً مؤلماً، لكنني في النهاية فهمت أنني كنت أسعى للانقسام وليس الوحدة، وإلى أي مدى كنت بعيدة عن أن أكون صانعة سلام. لقد فهمت المستوى العميق للمشكلات المتعلقة بعقلية “نحن وهُم”، وكيف عززت ذلك على المستوى الشخصي ومستوى المؤسسة. فالعناد في الإصرار على “أنا على حق وأنت المخطئ! المشكلة فيكم وليست فينا لأننا ذوو أخلاق عالية!” تلك العبارات وطريقة التفكير كانت سبباً رئيسياً للحد من قدرتنا على مساعدة الناس وحل المشكلات”.

يصف أوتو شارمر وكاترين كاوفر في كتابهما “القيادة من المستقبل الناشئ” (Leading from the Emerging Future) ثلاثة “انفتاحات” لازمة لتغيير الأنظمة: انفتاح العقل (لمواجهة افتراضاتنا)، وانفتاح القلب (لنجعله رقيقاً ونصغي بعضنا إلى بعض بصدق)، وانفتاح الإرادة (للتخلي عن الغايات والأجندات المحددة سلفاً ومعرفة ما هو المطلوب وما هو الممكن). تناسب هذه الانفتاحات الثلاثة النقاط التي لا تلتفت لها غالبية محاولات التغيير، والتي غالباً ما تستند إلى افتراضات وأجندات صارمة وتفشل في فهم أن تغيير الأنظمة يتعلق أساساً بتغيير العلاقات بين الأشخاص الذين يشكلون تلك الأنظمة. في المقابل يفشل العديد من محاولات التغيير ذات النية الحسنة لأن قادتها غير قادرين على تبني هذه الحقيقة البسيطة أو غير راغبين بذلك. بدأ نمو بالدوين كقائدة منظومة برغبتها في مواجهة التحيزات وأوجه القصور لديها وكيف حدّت هذه العيوب من فعالية مؤسسة روكا في عملها وبانفتاحها على إعادة ضبط مسار المؤسسة على نحو تدريجي.

ويمتد أثر انفتاح العقل والقلب والإرادة اليوم إلى خارج مكاتب روكا حيث أصبحت المؤسسة حلقة وصل مهمة بين العصابات والشرطة والمحاكم ومجالس الإفراج المشروط والمدارس ووكالات الخدمة الاجتماعية. في الواقع، نشأت علاقة تحالف بين روكا والعديد من أقسام الشرطة في المجتمعات التي تعمل بها. ويعتبر ذلك قفزة كبيرة للأمام بالنسبة إلى النشطاء الاجتماعيين الذين كانوا يعتبرون رجال الشرطة أعداء لهم في كثير من الأحيان.

استراتيجية إعادة التوجيه: من خلال توفير فرصة للتغيير وتمكين الخبرة والحكمة الجماعيتين من أداء دورهما: يحاول القادة العديمو الفعالية إحداث التغيير، بينما يركز قادة المنظومة على توفير الظروف التي من شأنها أن تنتج التغيير والتي تؤدي في نهاية المطاف إلى تغيير ذاتي ومستدام. وبينما نواصل وضع المتطلبات الأساسية للنجاح في خدمة الجهود التعاونية المعقدة، يزيد تقديرنا لذلك التحول المهم في التركيز الاستراتيجي وللجهود المميزة لأولئك الذين يتعلمون كيفية توفير الفرص للتغيير.

بدأت رحلة دارسي وينسلو لتصبح قائدة نظام في عام 1998 عندما كانت مسؤولة عن قسم الأبحاث المتقدمة في شركة نايكي وكانت تراجع تحليل جهاز الكروماتوغراف للغازات السامة الذي أظهر “المواد الكيميائية الموجودة في أحد أفضل أحذية الجري” على حد وصفها. وأضافت: “نظر نائب رئيس إدارة المنتج إلى تلك النتائج التي أظهرت السموم الموجودة في منتجاتنا وعمليات الإنتاج بالإضافة إلى العديد من المواد الكيميائية التي تشكل مخاطر محتملة، ثم فاجأنا بسؤاله لنا حول ما يجب فعله حيال ذلك. اعتقدنا حينها أنه مدير هذا الجزء من العمل وأنه سيعرف الحل. لكننا فهمنا فيما بعد. كانت تلك المواد الكيميائية موجودة بسبب عوامل التكلفة والأداء بالإضافة للتصميم والمواد التي نختارها. وكان السؤال الحقيقي هو “من يستطيع، ويجب عليه، قيادة عملية معالجة هذه المشكلة المعقدة؟”.

وبعد أشهر من تلك الحادثة، أدركت وينسلو الحقيقة. تقول وينسلو: “تبتكر شركة نايكي عدة منتجات، ويعتمد مبدأ عملنا الرئيسي على الابتكار. وعلينا التحدث مع المصممين لنجد الحل. وفي حين كان عدد الموظفين في نايكي يقارب الـ 25,000 موظف في ذلك الوقت، وصل عدد المصممين إلى 300 فقط. و5 إلى 10% من المصممين يعملون في قسمنا أي 15 إلى 30 مصمماً فقط. وفجأة بدا أن تشكيل كتلة حرجة أولية أقل صعوبة مما توقعت. وبدأت أطرق الأبواب”.

أطلعت وينسلو المصممين على نتائج التقرير وطلبت رأيهم. تقول وينسلو: “يمكنك أن تعرف في غضون دقيقتين ما إذا استطعت تحفيز أي شخص للقيام بأي خطوة”. “وفي حال لم يتحفز ذلك الشخص أتابع طريقي. وفي حال تحفز للقيام بخطوة ما أطلب منه موعداً لعقد اجتماع”.

وسرعان ما بدأت وينسلو بتشكيل مجموعات من المصممين المتحمسين وغيرهم من الموظفين في التصميم الوظيفي للمنتج، وبدأت شبكة جديدة في الظهور. “إذا أخبرت مصمماً عظيماً أن شيئاً ما مستحيل، مثلاً لا يمكنك صنع حذاء جري من الطراز العالمي دون مواد لاصقة، فسيزداد الحماس لديه. فالتحدي ما يثير حماسه. وفي غضون عامين، حضر حوالي 400 من المصممين ومدراء المنتجات اجتماعات استمرت يومين حيث بحث كبار خبراء الاستدامة مع الإدارة العليا مفهوم التصميم لتحقيق الاستدامة. وولد تيار جديد في شركة نايكي.

واليوم، تحفز الجهود التي بذلتها نايكي القيادات الجماعية في قطاع صناعة الملابس الرياضية لاتخاذ إجراءات بشأن قضايا النفايات ومستوى السُميّة والمياه والطاقة. فعلى سبيل المثال، مبادرة “خارطة الطريق المشتركة نحو التخلص من المواد الكيميائية الخطرة” (Joint Roadmap Towards Zero Discharge of Hazardous Chemicals)، وهي مبادرة مشتركة من منظمة غرين بيس وشركات نايكي وبوما وأديداس ونيو بالانس وغيرها، وتهدف هذه المبادرة إلى تحديد السموم الرئيسية بشكل منهجي والتخلص من المواد الكيميائية الخطرة في مجمل قطاع صناعة الملابس الرياضية في جميع أنحاء العالم ابتداء من الصين. غادرت وينسلو شركة نايكي في عام 2008 وهي الآن المديرة الإدارية لمؤسسة سيستيميك تشينج أكادمي (Academy for Systemic Change).

نحن نتعلم بسرعة كيف نفهم تلك الخطوات الأولى لخلق فرصة للتغيير، ولكن ليس المهم إطلاق الجهود التعاونية بل ماذا ينتج عنها في نهاية المطاف. قبل بضع سنوات، شارك أحدنا (من مؤلفي هذا المقال) في تأليف مقال تحت عنوان “التأثير الجماعي” يصف خمسة شروط لتحقيق التقدم على نطاق واسع عبر نهج منضبط للتعاون. اليوم وبينما نقوم بالبحث ومراقبة مبادرات التأثير الجماعي الفعالة، فإن ما يبرز من خارج الشروط الخمسة هو الذكاء الجماعي الذي تتأكد أهميته بمرور الوقت من خلال عملية منضبطة لإشراك أصحاب المصالح التي لم يكن من الممكن توقع طبيعتها مسبقاً.

يحتاج التغيير الشامل إلى أكثر من بيانات ومعلومات؛ فهو يحتاج إلى ذكاء وحكمة حقيقيين. أشار مؤسس منهجية ديناميكيات المنظومة جاي فورستر التي شكلت أسلوبنا في فكر المنظومة، إلى أن الأنظمة المعقدة تُبدي “سلوكاً مخالفاً للمنطق”. وقد أوضح ذلك من خلال استشهاده بعدد كبير من التدخلات الحكومية التي انحرفت عن مسارها لأنها استهدفت التحسن القصير المدى لأعراض المشكلة القابلة للقياس، ولكنها تؤدي في النتيجة إلى تفاقم المشكلات الأساسية مثل زيادة أعداد أفراد الشرطة في المناطق الحضرية التي تؤدي إلى انخفاض قصير المدى في معدلات الجريمة ولكنها لا تفعل شيئاً لمعالجة أسباب الفقر المتأصل ومعدلات أحكام السجن الطويلة الأمد. حيث وصف أحد رواد فكر المنظومة راسل أكوف الحكمة بأنها القدرة على التمييز بين التأثيرات القصيرة المدى والتأثيرات الطويلة المدى للتدخل. والسؤال هو أين الحكمة في التعامل مع المشكلات بتدخلات تعالج أعراض المشكلة وبتأثيرات قصيرة المدى؟

يعلم قادة المنظومة أمثال بالدوين ووينسلو أن الحكمة الجماعية لا يمكن تصنيعها أو تضمينها في خطة تم وضعها سلفاً. ولن تصدر عن قادة يسعون إلى “قيادة” التغيير عبر أجندة محددة سلفاً. بدلاً من ذلك يعمل قادة المنظومة على توفير فرصة للذين يعانون من المشكلة أن يجتمعوا لرواية الحقيقة والتفكير بشكل أعمق بتفاصيل المشكلة، ودراسة خيارات تتجاوز التفكير السائد، والبحث عن تغييرات ذات فعالية عالية من خلال حلقات مستمرة من العمل والتفكير والتعلم. ولأن قادة المنظومة يعرفون جيداً عدم وجود حلول سهلة للمشكلات المعقدة، يهيؤون الظروف التي تنشأ فيها الحكمة الجماعية بمرور الوقت من خلال عملية النضج التي تؤدي تدريجياً إلى طرق جديدة للتفكير والتصرف وإثبات الوجود.

بالنسبة إلى المستجدين في عالم قيادة المنظومة، يمكن أن يبدو توفير الفرص عملاً يفتقر إلى القيادة أو ضعيفاً. فبالنسبة إليهم تتمثل القيادة القوية بتنفيذ الخطط. الخطط ضرورية طبعاً، ولكن دون الانفتاح لن ينتبه القادة إلى المستجدات، مثل بحار ملتزم جداَ بمساره المخطط له مسبقاً لدرجة أنه يرفض التأقلم مع تغيرات مهب الريح. والأهم من ذلك، أن الأفعال المسؤولة المتمثلة في توفير الفرص، وإشراك الناس في أسئلة حقيقية، والاجتماع بنوايا صادقة دون أجندات خفية، تخلق طاقة مختلفة تماماً عن الطاقة التي تنشأ عن السعي إلى حث الأشخاص على الالتزام بخططك الموضوعة مسبقاً. عندما ذهبت وينسلو إلى المصممين، ذهبت حاملة البيانات الأساسية وسؤالاً كبيراً: “ما رأيك في هذا وماذا يجب أن نفعل؟” ونجاحها في بناء شبكة غير عادية من التعاون والالتزام المشترك على مدى 15 عاماً التي ما زالت تتنامى، كان قد بدأ عبر هذا التحول البسيط في الاستراتيجية. يعلم قادة المنظومة أن الخطط وإتاحة الفرص هما العنصران المتناقضان والمتكاملان للقيادة، وكلاهما ضروريان. والأكثر ضرورة التوازن فيما بينهما.

التدريب ثم التدريب ثم التدريب، فالتعلم قائم على التدريب، لكن التدريب المطلوب يجب أن يكون تنموياً بطبيعته: إن الجمع بين أصحاب المصالح المتنوعين مع خبرة ضعيفة في التعاون ونماذج عقلية مختلفة وأهداف مختلفة ومتعارضة ظاهرياً هو في الحقيقة مهمة محفوفة بالمخاطر. النوايا الحسنة لا تكفي ويجب أن تتمتع بالمهارات اللازمة، ولا تنمو المهارات إلا عبر التدريب، فالجميع يرغب بامتلاك أدوات ليحقق التغيير الشامل، لكن قلة قليلة مستعدة لاستخدام هذه الأدوات بالانتظام والانضباط اللازمين لبناء قدراتهم وقدرات الآخرين.

لذلك قادة المنظومة مثل بالدوين ووينسلو لا يتوقفون أبداً عن التدريب على كيفية مساعدة الناس على رؤية المنظومة الأكبر التي تحجبها النماذج العقلية التقليدية، وكيفية تعزيز المحادثات المختلفة التي تبني تدريجياً المشاركة الحقيقية والثقة، وكيفية استشعار الاحتمالات الناشئة والمساعدة على تحويل التركيز الجماعي من معالجة المشكلات بردود فعل فحسب إلى إطلاق الإبداع الجماعي. والتدريب داخلي وخارجي ويستلزم الانضباط.

ولحسن الحظ ظهرت على مدى العقود القليلة الماضية مجموعة غنية من الأدوات في مجالات متنوعة لتطوير هذه القدرات الأساسية لقيادة المنظومة. الأدوات المهمة لها وظيفتان فهي تنتج فوائد عملية وتؤثر في طريقة تفكير الناس ورؤيتهم للعالم. وكما قال المخترع باكمنستر فولر: “إذا كنت تريد تغيير طريقة تفكير الشخص فاستسلم. لا يمكنك تغيير طريقة تفكير الآخرين. امنحهم أداة يؤدي استخدامها تدريجياً إلى دفعهم للتفكير بشكل مختلف بمرور الزمن”.

فيما يلي أمثلة على عدد قليل من هذه الأدوات وكيف يمكن تطبيقها لتطوير القدرات القيادية الأساسية.

أدوات لفهم المنظومة الأكبر. تجري الأدوات التي تساعد الناس على فهم المنظومة الأكبر عملية تكامل للنماذج العقلية المختلفة لأصحاب المصالح المتعددين وذلك بهدف بناء فهم أكثر شمولاً. وغالباً ما تبدأ بأسئلة بسيطة، مثل سؤال وينسلو “هل نعرف ماذا يحتوي منتجنا؟” وقد يكون السؤال بالنسبة للمعلمين: “ماذا يحدث للطفل عندما يكون خارج المدرسة؟” ويمكن استخدام مخططات المنظومة لتوسيع هذا السؤال من خلال مساعدة أصحاب المصالح في بناء صورة واضحة للعلاقة والاعتماد المتبادل خارج الحدود التي يفترضونها عادة.

على سبيل المثال، في مبادرة ركزت على تحسين نتائج معالجة الربو لدى الأطفال في مدينة دالاس، كانت اللجنة التوجيهية مكونة من أطباء ومسؤولي المستشفيات ووكالات مجتمعية ومزودي خدمات تأمين وإدارة صحة المدينة ومؤسسات دينية ومسؤولين تنفيذيين في مجال البيئة الحضرية ومؤسسات خيرية ومدارس عامة الذين تعاونوا معاً لرسم مخطط منظومة صحة الأطفال التي كانوا يشكلون أجزاء منها. اتفق قادة المبادرة مقدماً على أنهم بحاجة إلى كل تلك الآراء المختلفة حول الربو لدى الأطفال من أجل بلورة منظور متكامل. وكان من الواضح في أثناء الحوار المبدئي ضمن المجموعة أن منظور كل جهة حول أسباب ضعف نتائج معالجة الربو والحلول لتحقيق نتائج أفضل كان مختلفاً.

ساعد مخطط المنظومة الذي رسمته المجموعة جميع المشاركين على فهم المنظومة الأكبر بشكل أفضل، وكل اختصاص فهم الجوانب التي تؤثر في صحة الأطفال والتي كانت أقل وضوحاً بالنسبة إليه. في النهاية ابتكرت المجموعة ما أطلقت عليه “معادلة الربو الصحية”، التي ترجمت الرؤى من مخطط المنظومة إلى رسم توضيحي يربط مسببات الربو وممارسات إدارة التعامل مع الربو وقيادة الأسر والمجتمع في وضع هيكليات الدعم التي عززت الشعور بالفاعلية لدى الأطفال المصابين بالربو أنفسهم. (لمشاهدة نسخة من الرسم التوضيحي، قم بزيارة www.ssireview.org) ساعد هذا المخطط المختصين الطبيين بشكل خاص على الاهتمام بتأثير الأسرة والمجتمع الذي غالباً ما يتم تجاهله في معالجة الربو، بعد أن كانوا يهتمون فقط بتأثير التدخلات الطبية. كما ساعد الجهات الفاعلة غير الطبية، مثل المدارس ومدراء الإسكان العام، على رؤية كيفية ارتباط عملهم بشكل أوضح بعمل المختصين في القطاع الطبي.

أدوات لتعزيز التفكير العميق والمحادثات الخلّاقة. تهدف الأدوات التي تساعد على تعزيز التفكير العميق والمحادثات الخلّاقة إلى تمكين المجموعات من التوقف “لتفحص” وجهات نظر الآخرين حول المشكلة المعقدة. وتتيح هذه الأدوات للمؤسسات والأفراد طرح الأسئلة ومراجعتها وفي كثير من الحالات إطلاق افتراضاتهم الضمنية. ومن الأمثلة عن ذلك حلقات حفظ السلام التي استخدمتها مؤسسة روكا والمقابلات الحوارية التي أجرتها وينسلو.

هناك أداتان أخريان رأينا قادة المنظومة يستخدمونهما كثيراً هما “ملازمة الأقران” و”رحلات التعلم”. تم استخدام كلتا الأداتين لتأسيس مؤسسة سوستينبل فود لاب (Sustainable Food Lab)، وهي شبكة تضم أكثر من 70 من أكبر شركات الأغذية في العالم والمنظمات غير الحكومية العالمية والمحلية (نصفها من المنظمات غير الحكومية ونصفها الآخر شركات) التي تعمل معاً لجعل “الزراعة المستدامة هي النظام السائد”. والمنظمون الأوائل للشبكة هم منظمة أوكسفام (Oxfam) وشركة يونيليفر (Unilever) ومؤسسة كيلوغ (Kellogg Foundation)، وابتداءً من عام 2004 قضى فريق مكون من 30 من كبار المدراء من شركات الأغذية والمنظمات غير الحكومية الاجتماعية والبيئية وقتاً في كل مؤسسة من مؤسساتهم بعضهم مع بعض وسافروا معاً للتعرف على جوانب من منظومة إنتاج الغذاء لم يروها من قبل. وزار المدراء التنفيذيون تعاونيات المزارعين وعاين النشطاء الاجتماعيون عمليات شركات الأغذية المتعددة الجنسيات. يقول عضو مجلس الإدارة في شركة يونيليفر والفريق المؤسس لسوستينبل فود لاب أندريه فان هيمسترا: “يعد ذلك حدثاً نادراً نظراً لتركيزنا الدائم على المهام والنتائج”. عندما بدأ الشركاء من المنظمات غير الحكومية والشركات يفهمون بعضهم بعضاً على نحو أفضل كأشخاص وكمحترفين بدأ التناقض المعرفي بينهم يقل تدريجياً، وتزايدت قوة وجهات نظرهم المختلفة. حيث قال أحد المشاركين بعد مرور عام على هذه العملية: “نحن بالطبع نرى العالم بشكل مختلف تماماً، وتلك أعظم نقاط قوتنا”. أصبحت سوستينبل فود لاب اليوم حاضنة أعمال قوية للمشاريع التعاونية، مثل الشركات والمنظمات غير الحكومية التي تتعلم معاً كيفية إدارة سلاسل التوريد العالمية من أجل الموثوقية الطويلة الأمد المبنية على سلامة البيئة والمجتمعات الزراعية، وتُدمج رحلات التعلم بانتظام في اللقاءات والمشاريع.

يعتبر تضمين تلك الأدوات مثل حلقات حفظ السلام، والمقابلات الحوارية، وملازمة الأقران، ورحلات التعلم نهجاً منضبطاً للمراقبة والمحادثات الصريحة يطلق عليه “سُلم الاستدلال”. يتعلم قادة المنظومة الملتزمون بالتدرب على السلم الانتباه بشكل أفضل لكيف تُشكل افتراضاتهم اللاواعية تصوراتهم، انطلاقاً من البيانات التي يعتمدون عليها والتي لا يعتمدون عليها وصولاً للاستنتاجات التي يستخلصونها. كما يقدم السلم مساراً لإعادة التوجيه وذلك بهدف تغيير السلوك من تأكيد الافتراضات الذاتية كواقع إلى تحديد الحقائق التي يمتلكها الآخرون والمنطق الذي يفسرون من خلاله تلك الحقائق. تطلق عليه وينسلو “أداة أساسية للإصغاء المُركز الذي يبني شبكات من قادة التغيير المتعاونين”.

أدوات للتحول من ردود الفعل إلى المشاركة في صنع المستقبل. يرتكز بناء القدرة على التحول من ردود الأفعال إلى الإبداع المشترك على طرح سؤالين على نحو دائم وهما ما الذي نريد إبداعه؟ وما المتوفر اليوم؟ ذلك التوتر المبدع، الفجوة بين الرؤية والواقع، يولد الطاقة مثل الشريط المطاطي المشدود بين قطبين. إحدى الممارسات الأساسية لقادة المنظومة هي مساعدة أنفسهم والآخرين على توليد التوتر المبدع والحفاظ عليه.

وأحد الأساليب الذي يجسد التوتر الإبداعي الذي وجدناه مفيداً في المبادرات الكبيرة المتعددة أصحاب المصالح هو اجتماع التحري التقييمي (AI). استخدمت إحدى المبادرات في عام 2010 اجتماع التحري التقييمي الذي جمع بين ضباط شرطة ومناصرين على مستوى القاعدة ومحاكم وضباط مراقبة وهيئات حكومية ووكالات خاصة ومؤسسات تعليمية ومقدمي رعاية صحية ومؤسسات خيرية لإصلاح نظام قضاء الأحداث في ولاية نيويورك. ظن الكثيرون في البداية أنه من غير الممكن إقناع هذه المجموعة المكونة من 20 جهة من أصحاب المصالح بالتوافق حيث كانت إحدى المجموعات تقاضي مجموعة أخرى. لكن لم يجمعهم أحد من قبل لجلسة حوار حقيقي واستكشاف الرؤى التي قد يتبادلونها.

في البداية تم تشجيع الناس على تصور جماعي مفاده أن “معدلات معاودة الإجرام في ولاية نيويورك أصبحت الأدنى في الولايات المتحدة، وأصبح نظام قضاء الأحداث في ولاية نيويورك نموذجاً يحتذى به للولايات الأخرى في جميع أنحاء البلاد”. استطاعت هذه المجموعة مدفوعة بالتصور الجماعي لأبعاد هذا المستقبل الواعد الاتفاق بصعوبة على هدفين يمكنهم العمل معاً لتحقيقهما، وهما رفع مستوى الأمن العام وإعادة تأهيل الشباب من أصحاب السوابق على نحو فعال.

واستطاعت المجموعة تحويل هذين الهدفين إلى خطة إصلاح متكاملة في غضون عشرة أشهر. وبعد مرور عام تبنى حاكم الولاية بنود خطة الإصلاح هذه، وتم تشريعها ونشرها في المجتمعات المحلية في جميع أنحاء الولاية. واليوم بعد ثلاث سنوات من بدء تطبيق خطة الإصلاح، انخفضت نسبة الأحداث المحتجزين في سجون قضاء الأحداث التابع لولاية نيويورك 45% دون أي زيادة في معدلات الجريمة. يستشهد العديد من المشاركين في اجتماع التحري التقييمي باعتباره حدثاً ملهماً استطاع تحويل المسار من تمسك الناس بالماضي وما فيه من مشكلات إلى بناء شبكة من المؤسسات والأفراد المتحمسين لمستقبل واعد.

يوضح هذا المثال شيئاً نراه مراراً وتكراراً. الفكرة الأساسية للتحول من حل المشكلات إلى الإبداع ليست معقدة، ولكن التأثير غالباً ما يكون هائلاً. تقول وينسلو: “نحن المدراء قادرون على حل المشكلات بشكل جيد، ومن السهل أن ننشغل بردود أفعال تجاه ما لا نريده لكننا سنفشل تماماً في الاستفادة من قلوب وخيال الناس الذين يهتمون بصدق بما يريدونه، وسنفشل في الاستفادة من هذه الطاقة لتجاوز عقلية “نحن وهُم”. كما رأينا أن رعاية النهج الإبداعي الجماعي يسير على نحو أكثر موثوقية في حال ترافق مع مساعدة الناس على فهم المنظومة الأكبر وتعزيز التفكير العميق، وإجراء محادثات نوعية مختلفة، وقد حدث كل ذلك في اجتماع التحري التقييمي.

وأخيراً، يعي قادة المنظومة تكوين وأسلوب المجموعات التي يمارسون معها أدوات التعلم المذكورة أعلاه. وتصبح تلك الأدوات ذات فعالية تنموية فقط عندما تكون في أيدي الراغبين بتنمية مهاراتهم. فيمكن أن تجد مجموعات منفتحة لكن لا تملك من السلطة ما يمكّنها من اتخاذ إجراءات، ويمكن أن تجد مجموعات تتمتع بالسلطة لكن مع القليل من الانفتاح. ولا توجد مجموعة مثالية، لذلك قادة المنظومة لا يتوقفون أبداً عن العمل الابداعي المتمثل في “جمع الأشخاص المناسبين في المكان المناسب”.

إرشادات للسير في الاتجاه الصحيح

من الواضح أن الطريق لتصبح قائد منظومة ليس معبداً بالورود. ومن المفيد قبل أي مهمة شاقة أن تحصل على بعض الإرشادات البسيطة لتساعدك على إنجازها.

التعلم في أثناء العمل

إن النمو بالنسبة إلى قائد منظومة هو عملية لا تنتهي أبداً، ولكي تكون ناجحاً يجب أن تتم عملية النمو ضمن نطاق العمل. وعلى الرغم من أهمية التدريب وتلقي المساعدة بين الحين والآخر، فإن فائدتهما ستكون أكبر بكثير عند دمجهما في ثقافة العمل التي تعزز التفكير والتعاون المستمر. حيث تشغل المهام كل الوقت في غالبية المؤسسات. وينفق بعضها مبالغ كبيرة من المال على تطوير الموظفين مع القليل من النتائج. وغالباً ما تتمثل الحلقة المفقودة في الرؤية الواضحة لكيفية تحويل العمل نفسه إلى مجال تنموي. وهذا يعني استخدام نماذج التغيير التي تجمع بين التنمية البشرية والعمليات والنتائج، حيث يتم تفعيلها من خلال ممارسات تنموية مضمنة مثل حلقات حفظ السلام في روكا أو رحلات التعلم في سوستينبل فود لاب.

الموازنة بين المناصرة والاستفسار

كل تغيير يتطلب مناصرين متحمسين. لكن غالباً ما ينغلق المناصرون على وجهات نظرهم الخاصة ويفشلون في إشراك الآخرين من ذوي الآراء المختلفة. لذلك يداوم قادة النظام الناجحون على صقل قدرتهم على الاستماع واستعدادهم للاستفسار عن الآراء التي لا يتفقون معها. فالقيادة المتضمنة البحث الدائم عن المعلومات ليس بالمهمة السهلة، ولكنها تشكل رحلة تنموية مهمة للمناصرين المتحمسين. مع نمو الشبكات التعاونية وتوسعها، يتعلم قادتها كيفية إضفاء الطابع المؤسسي على توازن المناصرة والاستفسار. فعلى سبيل المثال، تمتلك سوستينبل فود لاب عدداً كبيراً من المناصرين المتحمسين. وإدراكاً من اللجنة التوجيهية للمنظمات غير الحكومية والشركات التابعة لسوستينبل فود لاب أن التأييد الحماسي يمكن أن يضع الآخرين في موقف دفاعي (على الرغم من أنهم قد يتفقون مع ما يتم تأييده)، أعلنت أن جميع الاجتماعات الرئيسية ستكون “مناطق خالية من الدعاية”، ومساحات آمنة للتفكير المشترك وليس مكاناً يأتي فيه الناس سعياً لإشراك الآخرين في أجنداتهم الخاصة.

إشراك الناس من خارج الحدود

غالباً ما نشعر بالراحة أكثر مع الذين نتشارك معهم في الآراء والماضي المشترك. لكن العمل داخل مناطق الراحة الخاصة بنا لن يؤدي أبداً إلى إشراك مجموعة من الجهات الفاعلة اللازمة للتغيير الشامل، على غرار الشرطة في حالة روكا أو شركات الأغذية المتعددة الجنسيات بالنسبة لمؤسسي سوستينبل فود لاب من المنظمات غير الحكومية. وعلى الرغم من أن التواصل مع من خارج الحدود صعباً دائماً، يمكن أن يكون له مكاسب هائلة. تقول وينسلو: “غالباً ما ينبع الابتكار من رؤية المنظومة من وجهات نظر مختلفة”.

التحرر

يحتاج قادة المنظومة إلى وجود استراتيجية، لكن القادة الأكثر فعالية يتعلمون كيف “يتبعون مصدر الطاقة” ويضعون استراتيجيتهم جانباً عند ظهور مسارات وفرص غير متوقعة. يوجد في سوستينبل فود لاب العديد من الشركات التي أصبحت قادة ولم يكن لديهم سابقاً التزام بالزراعة المستدامة حتى ساعدهم قادة المنظومة الماهرون على رؤية الصورة الأكبر. في إحدى الحالات، أحرزت إحدى المشاركات المناصرات لممارسات الأعمال “الداعمة للفقراء” تقدماً طفيفاً. فعندما تحدثت إلى نائب الرئيس في مؤسستها عن محنة فقراء الريف كان متعاطفاً لكنه رد أن ذلك عمل المؤسسات الخيرية، وعليها أن تتواصل مع تلك المؤسسات. وحينها أشار أحد الزملاء إلى قلق مديرها العميق بشأن الإمداد الطويل الأجل للمنتجات المهمة وتوافقه الضمني مع مخاوفها. عندها أوضحت لنائب الرئيس كيف قد لا تتمكن الشركة من الحصول على مصدر للمنتجات الغذائية المهمة إذا لم تستثمر في رفاه المجتمعات الزراعية، فقال: “كان عليك فقط إخباري أنه إذا لم نفعل ذلك فلن نستطيع بيع منتجاتنا”. واليوم، تعد هذه الشركة رائدة عالمياً في ابتكارات سلسلة التوريد الغذائية المستدامة. وتقول تلك المشاركة: “بمجرد أن تحررت من التركيز على الحديث عن الفقراء، اكتشفت الطريق لمساعدة مدرائي المشغولين دوماً على رؤية المشكلة بطريقة يمكنهم من خلالها مساعدة الفقراء”.

إنشاء مجموعة أدواتهم الخاصة

يتوفر العديد من الأدوات والأساليب المفيدة اليوم على نحو واسع ومتنامٍ، ويجب أن يكون قادة المنظومة على دراية بها. نجمع في عملنا الأدوات التي نستخدمها بانتظام من مجموعة متنوعة من المصادر، قليل منها مذكور هنا مثل نهج “التخصصات الخمسة” لفكر المنظومة والتعلم المؤسسي، ونظرية يو (U) واستشراف أفضل ما في المستقبل، والتحري التقييمي، والحصانة من التغيير، وحلقات روكا لحفظ السلام، ومختبرات التغيير وتخطيط سيناريو مؤسسة ريوز بارتنارز (Reos Partners). وبدأ العديد منا مؤخراً عملية تنظيم هذه الأدوات لتوفير مجموعة أدوات متكاملة للتغيير الشامل. لكن من المهم أن تتذكر أن إنشاء مجموعة أدوات لا يقتصر على تجميعها. بل المهم تعلم استخدامها، وبمرور الوقت مع الممارسة المنضبطة، تتعلم كيف تصبح ماهراً باستخدامها.

العمل مع قادة منظومة آخرين

إن تنمية القدرات لتصبح قائد منظومة ذا كفاءة عمل شاق. ويجب أن يتم ذلك في ظروف صعبة وتحت الضغط لتحقيق نتائج ملموسة. ومن السذاجة أن يظن قائد المنظومة أنه يستطيع النجاح بالعمل بمفرده، حتى بالنسبة إلى قائد المنظومة الأكثر نجاحاً. لا نعرف أي أمثلة حقق فيها قادة منظومة ذوو فعالية نجاحاً واسع النطاق دون شركاء. أنت بحاجة إلى شركاء يشاركونك تطلعاتك وتحدياتك ويساعدونك على مواجهة التغييرات الصعبة في الوقت الذي تهتم أيضاً بالتنمية الشخصية المستمرة وموازنة الوقت بين إنجاز المهام والتفكير والعمل والاستراحة. وعليك مساعدة الزملاء في مراحل مختلفة من رحلاتهم التنموية. وتحتاج إلى فسح المجال لما هو غير متوقع بالظهور وسط ضغط الوقت والمهام العاجلة. ويمكن أن يساعد التواصل مع الآخرين الذين يشاركون أيضاً في هذه الرحلة في تخفيف العبء وتعزيز الصبر المطلوب عندما تتغير المؤسسات أو الأنظمة بوتيرة أبطأ من وتيرة تغيرك.

صحوة الفجر

نعتقد أن قيادة المنظومة أمر بالغ الأهمية في وقتنا الراهن مع أن الأفكار الكامنة وراءها قديمة جداً. منذ حوالي 2500 عام عبَّر الفيلسوف الصيني لاو تزو ببلاغة عن فكرة الأفراد الذين يحفزون القيادة الجماعية قائلاً:

القائد الشرير يحتقره الناس.
القائد الصالح يقدسه الناس.
القائد العظيم هو الذي يقول عنه الناس: “صنعناه بأيدينا”.

السؤال الحقيقي اليوم هو هل هناك أي أمل واقعي في ظهور عدد كافٍ من قادة منظومة مهرة في الوقت المناسب لمساعدتنا في مواجهة التحديات الشاملة والهائلة؟ نؤمن أن هناك ما يدعو للتفاؤل. أولاً، نظراً لوضوح الطبيعة المترابطة للتحديات المجتمعية الأساسية، يحاول عدد متزايد من الجهات تبني توجه شامل. وعلى الرغم من أننا لم نصل بعد إلى مرحلة الكتلة الحرجة من الأشخاص القادرين على إدراك أن النهج الشامل والقيادة الجماعية هما وجهان لعملة واحدة، فإن أساس المعرفة العملية لهذه الحقيقة في طور النمو.

ثانياً، خلال الثلاثين عاماً الماضية شهدنا تزايداً كبيراً في أدوات دعم قادة المنظومة، وقد تطرقنا إلى عدد قليل منها في هذا المقال. لقد لاحظنا العديد من الحالات التي يمكن أن يؤدي فيها الاستخدام الاستراتيجي للأداة المناسبة في الوقت المناسب وبروح الانفتاح الصحيحة إلى مضاعفة قدرة أصحاب المصالح على تحقيق النجاح الجماعي عشرات المرات. ومع التحولات الصحيحة في توجيه الاهتمام، تظهر شبكات تعاون تتناسب مع تعقيد المشكلات التي تقوم بمعالجتها، وتبدأ المواقف المتعنتة سلفاً بالتلاشي.

وأخيراً، هناك تعطش كبير لعمليات التغيير الحقيقي، وإن لم يكن معلناً بشكل واضح. وبلا شك ذلك ما دفع شخصاً مثل مانديلا إلى العزف على هذا الوتر الحساس. وهناك شك واسع النطاق بأن الاستراتيجيات المستخدمة لحل مشكلاتنا المعقدة تتسم بالسطحية بحيث لا يمكنها الوصول إلى جذور تلك المشكلات. وذلك يؤدي دون شك إلى الشعور بالقدرية، بمعنى اليأس الصامت من أن منظوماتنا الاجتماعية والبيولوجية والاقتصادية والسياسية ستستمر في الانجراف نحو الفوضى والعجز. لكنه يمكنه أيضاً أن يدفع الناس إلى البحث عن مسارات جديدة. ومقارنة بحالنا منذ بضع سنوات، نجد اليوم الكثيرين يستكشفون طرائق جديدة تبتعد عن السطحية لإنارة الطريق أمام تغيير أعمق. لقد نجحت مؤسسات ومبادرات مثل تلك المذكورة في هذا المقال بسبب الوعي المتزايد بأن الأبعاد الداخلية والخارجية للتغيير يرتبط بعضها ببعض. ومع استمرار صحوتنا، المزيد والمزيد من قادة المنظومة الذين يسعون إلى تحفيز القيادة الجماعية سيظهرون.

يمكنكم الاطلاع على النسخة الإنجليزية من المقال من خلال الرابط، علماً أنّ المقال المنشور باللغتين محمي بحقوق الملكية الدولية. إنّ نسخ نص المقال دون إذن سابق يُعرض صاحبه للملاحقة القانونية دولياً.

Content is protected !!