التواطؤ في استدامة الشركات (الجزء الثاني)

إعداد: أودن شنلدر

 

تم النشر 12 أكتوبر 2021

تقدم منصة ستانفورد للابتكار الاجتماعي الجزء الثاني من سلسلة “التواطؤ في استدامة الشركات” والتي تحدثنا في جزئها الأول عن معاجلة مشكلة المناخ المنهجية وكيفية استدامة الشركات. أما اليوم في الجزء الثاني من هذه السلسلة فسوف نتحدث عن صناعة الوقود الأحفوري بشكل أساسي ودورها في استدامة الشركات المربحة.

الازدواجية

في العديد من الحالات، تصبح المراوغة نوعاً من الازدواجية الصريحة: مثل بطلة فيلم “بينيلوبي” (Penelope)، تعلمت الشركات الكبرى أن تنسج غطاء تخفي خلفه رصيدها من انبعاثات الكربون المسموح بها وتقليل النفايات في النهار، ثم تحله في الليل من خلال مساهماتها في الشركات وجماعات الضغط. يلتزم “القادة” في حركة استدامة الشركات الصمت حول هذه السياسة بشكلٍ أو بآخر. وفي الوقت نفسه، مع تركيز الجزء الأكبر من نشاطاتهم ورسائلهم على كيفية جعل عملياتهم الخاصة أكثر حفاظاً على البيئة، فإنهم يقدمون الأموال إلى سياسيين مثل ميتش ماكونيل أو غيره من مُنكري أزمة المناخ مثل ديفيد بوردو (كما فعلت كل من “مايكروسوفت”، و”بنك أوف أميركا” (Bank of America)، وشركة السيارات الكهربائية الرائدة “جنرال موتورز”، من بين عدة شركات أخرى). لو فاز بوردو بالانتخابات، لكانت إجراءات معالجة أزمة المناخ أمراً مستحيلاً في مجلس الشيوخ الأميركي، ما سيلغي كل التطلعات لحل مشكلة التغير المناخي التي قد تكون لدى الشركات. نجد أن الشركات التي تنادي بالحفاظ على البيئة قد تقوم أيضاً بتصميم وبيع خدمات استضافة سحابية، وبرمجيات ذكاء اصطناعي مخصصة، وأدوات لتعلم الآلة التي يمكن استخدامها لإيجاد وتوزيع الوقود الأحفوري بشكل أفضل مع الادعاء بالاهتمام بالتغير المناخي. (لن أقوم بتسميتها، لكن هناك “مايكروسوفت”، و“أمازون”، وحتى فترة قريبة كانت معهم “جوجل” أيضاً). في بعض الحالات، يمارسون الضغط المباشر ضد أهدافهم البيئية المُعلَنة، مثلما فعلت “جنرال موتورز” بخصوص معايير السيارات في عهد ترامب، على الرغم من عضويتها في مجموعة استدامة الشركات الكبرى “سيريس” (CERES). وكما أشار سيناتور رود آيلاند، شيلدون وايتهاوس، توجد شركات كبرى تتخذ إجراءات ضخمة داخل بنية الشركة وتشارك قصتها مع العالم، لكنها تُطلق مجموعات الضغط التابعة لها لتفعل العكس.

تمتد الازدواجية في الغالب إلى ما يتجاوز مشكلة المناخ لتشمل المسؤولية والعدالة الاجتماعية، وهذه القضايا جزء لا يتجزأ من حركة حل أزمة المناخ. وكما لاحظ أوسيتا نوانافو، هناك العديد من الشركات الكبرى التي تدعو نفسها مسؤولة تمول ممارسات غير ديمقراطية عبر دعم مجموعات مثل مشروع إعادة تقسيم الأغلبية التابع للجنة قيادة الدولة التابعة للحزب الجمهوري، ويقول:

“كوكاكولا، على سبيل المثال، التي أعلن رئيسها التنفيذي في شهر يونيو/حزيران أنها ستقوم بتوظيف ‘مواردها وطاقاتها في المساعدة على إنهاء دائرة التمييز العرقي المنهجي’، يتعين عليها في الغالب الكفّ عن توظيف مواردها في إعادة انتخاب مشرّعي الولايات التابعين للحزب الجمهوري – بما فيها ولايات مثل جورجيا حيث يقع مقر الشركة وحيث يقوم الجمهوريون بالمحاربة لحرمان الأميركيين الأفارقة من حقوقهم”.

كان المبدأ التالي الذي تخلت عنه “كوكاكولا” أنها سمحت بإقرار قانون قمعي جداً لاستبعاد الناخبين في جورجيا، ثم انتقدته شفهياً بعد وضعه موضع التنفيذ. لقد حصلت على القانون الذي أرادته لحماية الوضع الراهن، ثم عارضته عبر لعب دور الصالحين الساخطين على القانون، لكن بعد إقراره.

مثال آخر، تمتلك شركة “بروكتر آند غامبل” (Proctor and Gamble) تقارير عن الاستدامة تعود حتى عام 1999، كما أنها نشرت إعلاناً عن العدالة العرقية في عام 2020. إلا أن الشركة خلال الدورة الانتخابية لعام 2016 تبرعت لجمهوريي البيت الأبيض ومجلس الشيوخ الأميركي بحوالي ضعف ما تبرعت به للديمقراطيين. وبمعرفة كيف يتصرف “الحزب الجمهوري” (GOP) حيال المناخ والتمييز العرقي، كيف يبدو هذا الأمر عادلاً؟

الصب في مصالح صناعة الوقود الأحفوري

على مر السنين، أودت بنا هذه الأنواع من الاكتشافات الكئيبة إلى مكان أكثر تعاسة: كانت الإجراءات التي تتخذها الشركات تحت شعار استدامة الشركات المُربحة والتي تضم منفعة للطرفين كما أنها جيدة الصالح للعالم تفعل بالضبط ما تريد صناعة الوقود الأحفوري منها أن تفعله. تضمن هذه التحركات أن تتحمل الشركات المسؤولية عن مشكلة المناخ على اعتبارها تحدياً خاصاً بها حول نسبة الانبعاثات الفردية لكل منها فقط، بدلاً من اعتبارها مشكلة منهجية. ما يسبب تركيزاً بالغ الصغر وعديم الأهمية على إجراءات الاستدامة للحد الذي يجعله غير قادر على زعزعة سيطرة صناعة الوقود الأحفوري على الحوكمة. هذه الطريقة جزء مما يدعوه عالم المناخ مايكل مانحرب المناخ الجديدة“.

فكر في الأمر. تحب شركات الوقود الأحفوري المكاتب والمنازل ذات الانبعاثات الصفرية. والشركات المحايدة من ناحية الأثر الكربوني. وتعويض الكربون. وتتحدث عن “الاقتصاد الدائري”، حيث يتم إعادة استخدام الأشياء وإعادة تدويرها. أو فكرة “الأهداف المستندة إلى العلم” حيث تحدد الشركات “نصيبها العادل” من عبء خفض الكربون في العالم (كما لو كان ذلك منطقياً على الإطلاق – ما هو نصيبك العادل في إخماد حرائق الغابات التي تهدد منطقتك؟) كذلك تحب شركات الوقود الأحفوري أن يقوم المواطنون والشركات “بتأدية أدوارهم”، وتتحدث عن أن “كل خطوة مهمة”. عموماً، تحب هذه الشركات أن تركز على نفسها، لا على النظام.

تحب شركات الوقود الأحفوري هذه الأشياء لأنها تصرف انتباه الشركات والمواطنين عن الإجراءات التي قد تتخذها الشركات والتي من شأنها أن تسبب الضرر بالفعل لصناعة الوقود الأحفوري، وهي أفعال تخشاها هذه الصناعة؛ منها إخراج الأموال التي تضخها الشركات في السياسة، أو التهجم على رخصها الاجتماعية التي تحتاجها الصناعة للعمل. أو تعرية هذه الصناعة على حقيقتها، واعتماد السياسة العامة التي تلغي أشكال الدعم الجانبية وتشجع الطاقة المتجددة والكهرباء. أو القيام بمقاطعات واحتجاجات ضد خطوط الإمداد أو العمليات التي تجريها الشركات. أو شغل مكاتبهم الرئيسية من قبل الناشطين. أو تشريعات وكالة “حماية البيئة الأميركية”، وفرض ضرائب الكربون بالحجم الصحيح، وتغطية وسائل الإعلام التي تتعمق بالفعل فيما تعنيه كلمة “أخضر” أو “صديق للبيئة” (انظر: البنوك الأميركية الكبرى تعلن بصخب عن فرض حظر على تمويل عمليات الحفر في القطب الشمالي الذي لا يتم مثلما يجب كما أنه محفوف بالمخاطر ومكلف على أي حال)، والرؤساء التنفيذيون أصحاب النفوذ الذين يعلنون الحاجة إلى سياسة صارمة لمعالجة أزمة المناخ في وسائل الإعلام الرئيسية. إنهم يكرهون الانتخابات الحرة والنزيهة التي تمكّن الغالبية العظمى من الأميركيين الذين يهتمون بالنشاط المناخي الهجومي.

كيف أصبحنا في هذا الموقف؟

عندما أدرك فرع من صناعة الوقود الأحفوري – صناعة البلاستيك – في أواخر الستينيات أن الزجاجات وعبوات الألبان كانت تسد الطرق السريعة والأنهار، كانوا يعلمون أن عليهم إزالة اللوم عن أنفسهم وتحميله المواطنين. لقد فعلوا ذلك ببراعة، من خلال إعلان “الهندي الباكي” الشهير، الذي لعب فيه ممثل (من أصل صقليٍّ) دور أميركي من السكان الأصليين يذرف دمعة بسبب قيام الأميركيين المتهورين بتكويم القمامة. ونجح الأمر. بدلاً من ملاحقة صناعة البلاستيك، تحمل الأميركيون مسؤولية المشكلة بمفردهم، على الرغم من أنه لم يكن لديهم المزيد من الطلب على الزجاجات البلاستيكية أكثر مما أصروا على نقله أو زجاجات المشروب الباردة التي تم إيصالها بطريقة غير حضارية.

لاحقاً، تبنت صناعة الوقود الأحفوري الاستراتيجية ذاتها، كما تبنت سابقاً نكران شركة “بيغ توباكو” (Big Tobacco) أزمة المناخ. وكما قال مارك كوفمان: “عيّنت شركة “بريتيش بتروليوم” (BP) المتخصصة في العلاقات العامة “أوجيلفي آند ماذر” للترويج أن التغير المناخي ليس خطأ شركة نفط عملاقة، ولكن خطأ الأفراد”. وكانت النتيجة هي حاسبة البصمة الكربونية المبتكرة: أداة لتحديد مدى الذنب الذي يقع على عاتقنا جميعاً، وتحويل اللوم بسلاسة من المهندسين المسؤولين عن المشكلة إلى بيادق الأنظمة. تذكر: لم يقم المواطنون الأميركيون بإنشاء القوانين المعززة للكربون والبنية التحتية التي تحكم عالمنا. بل إن تأثير الصناعة هو من فعل ذلك.

يمكنكم الاطلاع على النسخة الإنجليزية من المقال من خلال الرابط، علماً أنّ المقال المنشور باللغتين محمي بحقوق الملكية الدولية. إنّ نسخ نص المقال بدون إذن مسبق يُعرض صاحبه للملاحقة القانونية دولياً.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى