الضريبة العاطفية للاعتقاد بالنقص (الجزء الثاني)

إعداد: أنانيا موكيرجي ريد

 

تم النشر 14 سبتمبر 2021

تقدم منصة ستانفورد للابتكار الاجتماعي الجزء الثاني من سلسلة “الضريبة العاطفية للاعتقاد بالنقص”، حيث تحدثنا في الجزء الأول عن أثر الاعتقاد بالنقص على الموظفين المنتمين إلى المجموعات التي لا تمثَّل تمثيلاً كافياً، وكيف يثبّط ذلك شعورهم بالانتماء. أما في هذا المقال فسوف نتحدث عن معنى الضريبة العاطفية والحالات التي تتجلى فيها وأهم الخطوات لتعزيز الشعور بالانتماء.

الضريبة العاطفية

 

تفرض الأشكال الخفية والمكشوفة للعنصرية الناتجة عن اعتبار التنوع نقصاً ضريبة عاطفية على الأشخاص الذين ينتمون إلى المجموعات التي لا تمثل تمثيلاً كافياً. وبحسب المؤلفين دنيكا ترافيس وجينيفر ثورب-موسكون، فإن الضريبة العاطفية هي “عبء نفسي يلزم المرء باستهلاك موارده العقلية للبقاء يقظاً إزاء التحيز والتمييز والاستبعاد”، وبمرور الوقت، تسبب هذه الضريبة العاطفية أذى شخصياً ومهنياً على رفاه الشخص ونجاحه المهني.

إليك أربع حالات بارزة تتجلى فيها الضريبة العاطفية:

العزلة والتهميش:

تصف الطبيبة النفسية الأكاديمية صاحبة البشرة الداكنة ليا توماس نفسها “بالبقعة الداكنة على قماشة بيضاء“، تعبيراً عن نظرة زملائها إليها حسب اعتقادها. وبحسب ما يبين هذا القول، يشعر أصحاب البشرة الملونة بالوحدة لأنهم فعلاً بمفردهم في معظم الأحيان ضمن المؤسسة، ويزداد هذا الشعور كلما ارتقت مناصبهم. يبين مشروع “فجوة التنوع” الافتقار الدائم إلى التنوع في أرفع المناصب القيادية في الجامعات ضمن الأوساط الأكاديمية الكندية.  كما أن الفجوات الناتجة عن عدم وجود ممثلين عن أصحاب البشرة الملونة في القطاعات الربحية وغير الربحية موثقة بدقة، إضافةً إلى توثيق آثارها عليهم عندما يشغلون مناصب في هذه المجالات.

متلازمة المحتال:

تشير هذه المتلازمة إلى تشكيك المرء المتواصل بنفسه على الرغم من وجود دلائل على نجاحه.  يُظهر لنا بحث حالي مدى التفشي المنهجي لمتلازمة المحتال، فضلاً عن آثارها المفرطة على أصحاب البشرة الملونة. لكن عندما استُحدِث مفهوم متلازمة المحتال، لم تؤخذ آثار التمييز العرقي أو أشكال التحيز الأخرى في الاعتبار، لذا ضمن السياق الحالي، علينا الإقرار بأن هذه المتلازمة قضية اجتماعية وثقافية، وهي ليست مشكلةً فرديةً تحتاج إلى “حل” فردي.

العجز:

تتألف المؤسسات من هيكليات من العلاقات بين القوى. فمثلاً تتألف الجامعة من تراتبية تتمثل فيها العلاقات بين القوى بين الأنواع/المناصب المختلفة من الهيئة التدريسية والطلاب والموظفين والإدارة. تفاقم هذه التراتبية تأثيرات القوى المنهجية الأخرى، لا سيما عندما يكون الشخص الذي يتعرض للتمييز العرقي غالباً هو الشخص الأقل نفوذاً. فمثلاً يتضاعف اختلال موازين القوى بين طالبة وأستاذ، عندما تكون الطالبة هي صاحبة البشرة الداكنة الوحيدة في الفصل الدراسي؛ ما يزيد شعورها بالعزلة والاستضعاف والتردد في التحدث. كما يغير التمييز العرقي العلاقات بين القوى من نواحٍ مهمة، فعلى سبيل المثال، عند تناول العلاقة بين الطالب والأستاذ، نتوقع عادةً أن يكون للمعلم “سلطة” على الطالب، وأن الطالب هو من سيتعرض للتمييز العرقي، مع أن هذا أمر صحيح، لكن المعلمين يتعرضون أيضاً للتمييز العرقي الذي يتجلى في تقييم تدريسهم، والذي يكشف عن كثرة الافتراضات حول قلة كفاءة المرء الذي ينتمي إلى غير العرق الأبيض.

الغموض:

عندما تكون قواعد المشاركة مبهمةً، تبقى أدوار الأفراد ومسؤولياتهم غامضة وعرضة للتأويل، فمثلاً ماذا سيحدث إذا انتقد المرء تصرفاً عنصرياً علناً؟ صحيح أن قادة المؤسَّسات يحثون موظفيهم على فعل ذلك، لكنهم لم يحددوا لهم العواقب المحتملة لذلك بوضوح. هل سيترتب قصاص على التصرف العنصري؟ هل سينظَر في الأمر ليحكَم فيه؟ هل سيحدث تفاهم؟ هل تُحدِث هوية الشخص الذي انتقد الفعل العنصري فرقاً؟ هل تختلف الاستجابة لانتقاد تصرف عنصري من شخص داكن البشرة أو ينتمي إلى السكان الأصليين لأميركا عن الاستجابة لانتقاد من شخص أبيض؟ نادراً ما تقدم المؤسسات إجابات واضحة على مثل هذه الأسئلة، ويبرز هذا خاصةً في قواعد المشاركة التي تتبعها لجان المؤسسة. إذ تكون اللجان مسؤولة عن اتخاذ القرارات المهمة، ويحدد تشكيل اللجنة في معظم المؤسسات من خلال مبادئ توجيهية أو سياسات معينة. إن الهدف من تشكيل اللجان إتاحة الفرصة لجميع أصحاب المصالح للمشاركة في صنع القرار، لكن اللجان تعمل في إطار مصفوفات من العلاقات بين القوى، التي تفرض قيوداً على مدى المشاركة المجدية لكل عضو فيها. إن شعور الأفراد بالتهميش أو الإسكات ضمن اللجان التي ينضمون إليها آملين أن يؤثروا على عملية اتخاذ القرارات، له تأثير محبط، فهو يرسخ مشاعر العجز التي تحدثنا عنها في هذه الفقرة. يصعب تجاوز هذه المشاعر، التي تتسبب في انسحاب المرء نهائياً من المؤسَّسة.

3 خطوات لتعزيز الشعور بالانتماء

تنتج عن اعتبار التنوع نقصاً، ضريبة عاطفية تمنع أصحاب البشرة الملونة من الشعور بالانتماء إلى مؤسستهم، لكن يمكن للمؤسسات – بل ويجب عليها – اتخاذ تدابير تتعمد فيها استئصال الممارسات والثقافات التي تغذي هذه الضريبة العاطفية.  يجب أن تتعدّى هذه التدابير مجرّد إجراءات مبسَّطة تتخذها الموارد البشرية أو تدريبات على تجنب الانحياز اللاإرادي، وأن تمحِّص في السياسات والممارسات المؤسَّسية.  فيما يلي 4 اقتراحات تبين كيف يمكن للمؤسسات أن تبدأ في تحقيق ذلك:

توقف عن اعتبار الإساءات البسيطة حوادث منفصلة

تستطيع المؤسسات تحديد أشكال الإساءات البسيطة التي تطلق العنان لدوامة الشك الذاتي السامة، وتبذل جهوداً متضافرة مكثفة للقضاء عليها. علينا التوقف عن التعامل مع الشكاوى من الإساءات البسيطة على أنها أحداث جرت لمرة واحدة وستعالَج على أنها مشكلة موظف واحد، بل علينا أن ننظر إليها على أنها ظاهرة تدل على سلوك نمطي أوسع في كامل المؤسَّسة (والمجتمع). ويمكننا قول الشيء نفسه عن متلازمة المحتال، فكما أشار الباحثان الطبيان ساميوكتا مولانغي وريشما جاغزي في مقال نشراه مؤخراً: “ليست متلازمة المحتال سوى أحد أعراض داء عدم التكافؤ”. إن فهم هذه الحالات على أنها حالات تمييز عرقي واعتبارها جزءاً من النزعة المنهجية ناحية اعتبار التنوع نقصاً، أمر ضروري لبناء ثقافة انتماء مؤسَّسية.

تفعيل المشاركة المجدية

تعَد المشاركة المجدية لجميع أفراد المؤسسة أمراً بالغ الأهمية لتنمية إحساس حقيقي بالانتماء، لكن يشعر أفراد المجموعات التي لا تمثَّل تمثيلا كافياً بأنهم مستبعدون من المشاركة في معظم الأحيان، أو الأسوأ من ذلك، أنهم يشعرون بأن مشاركتهم مطلوبة فقط كإجراء رمزي. وكما سبق وذكرت، أن مشاركتهم في اللجان التي تتخَذ فيها القرارات المؤسسية المحورية، ذات أهمية بالغة. يجب على المؤسسات أن توضّح قواعد المشاركة في اللجان، مع مراعاة ديناميكيات السلطة والحضور القوي لاعتبار التنوع نقصاً.

التوقف عن اعتبار التنوع نقصاً

يحثنا الباحثون المناهضون للتمييز العرقي مثل لوري باتون ديفيس وساميول موسيوس على التوقف عن اعتبار التنوع نقصاً، وتبنّي منظور مناهض لهذا. يرفض المنظور المناهض لاعتبار التنوع نقصاً الرأي بأن المجموعات التي لا تمثَّل تمثيلاً كافياً تتسم “بنواقص” معينة لن تفي بالمعايير “الموضوعية” “للجدارة”. يشرح ذلك مدرس الرياضيات أديتيا أديريدجا في مقالته عما يسمى “التحصيل الدراسي الضعيف” في الرياضيات للطلاب من أصحاب البشرة الملونة:

يبدأ المنظور المناهض لاعتبار التنوع نقصاً بافتراض أن الطلاب من أصحاب البشرة الملونة قادرون على التفكير بأسلوب رياضي وأنهم يقدمون موارد منتجةً لتعلم الرياضيات. وبتحدي وجهات النظر التي تعتقد بالنقص في بناء المنطق الرياضي، تدرك وجهات النظر المناهضة لاعتبار التنوع نقصاً إنتاجية المعرفة التي يكتسبها هؤلاء الطلاب من خلال تجاربهم داخل الفصل الدراسي وخارجه.

هذه هي القضية الجوهرية للمنظور المناهض لاعتبار التنوع نقصاً، وهي أن نعترف بأن أفراد المجموعات التي لا تمثَّل تمثيلاً كافياً ليسوا “ناقصين” بل بحكم تجاربهم الحياتية والعوائق المنهجية التي يواجهونها ويتغلبون عليها، هم يقدمون وجهات نظر قيمة وفريدة من نوعها.

لنأخذ معرفة السكان الأصليين في المجال الصحي مثالاً:  توضّح نادين كارون، أول امرأة من السكان الأصليين تعمل في الجراحة العامة  في كندا: لو حظيَت معرفة السكان الأصليين في المجال الصحي بالتقدير، لأصبح السكان الأصليون يوماً ما “قادةً في مجال الصحة، ليس في مجال صحة السكان الأصليين فحسب، بل في مجال الصحة بشكل عام”. المتوقع هنا هو تحول جوهري في المنظور عن معارف السكان الأصليين والشعوب الأصلية يركز على الثروة التي يمكنهم المساهمة بها بدلاً من “نواقصهم”. في عالم يتبنى مثل هذا المنظور المناهض لاعتبار التنوع نقصاً، لن يضطر خبراء مثل ميشيل سينغليتاري إلى التساؤل عن سبب تعيينهم.

لن تتحقق هذه التحولات بسهولة. يجب أن يكون إصغاؤنا لبعضنا، وممارستنا للتأمل الذاتي القاسي، وتحلينا بالتواضع للاعتراف بأهمية التغييرات المطلوبة هي نقاط انطلاقنا. وأعتقد أننا بدأنا بالفعل.  وعلى الرغم من تباين مراحل عملية التغيير بين مؤسسة وأخرى، لا أخشى من التمسك بالأمل.

يمكنكم الاطلاع على النسخة الإنجليزية من المقال من خلال الرابط، علماً أنّ المقال المنشور باللغتين محمي بحقوق الملكية الدولية. إنّ نسخ نص المقال بدون إذن مسبق يُعرض صاحبه للملاحقة القانونية دولياً.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى