الاستثمار المبني على الحوكمة البيئية والاجتماعية وحوكمة الشركات

قد يكون العالم أفضل حالاً دون الاستثمار المبني على الحوكمة البيئية والاجتماعية وحوكمة الشركات

إعداد: هانز تاباريا

 

تم النشر 05 أكتوبر 2021

في ظل الدمار البيئي وأوجه الظلم الاجتماعي التي تدفع كوكبنا إلى حافة الهاوية، نحتاج إلى وجود نظام تقييم الحوكمة البيئية والاجتماعية وحوكمة الشركات (ESG) ليضمن المستثمرون إحداث الأثر الإيجابي الذي يدفعون من أجل تحقيقه.

لولا تصاعد الموجة الثانية من الجائحة أو الفوضى التي تلت الانتخابات الأميركية، لنالت إضافة شركة “فيليب موريس” إلى مجموعة الشركات التي يفترض أنها ناجحة بحسب عوامل الحوكمة البيئية والاجتماعية وحوكمة الشركات (ESG) اهتماماً أكبر. ففي النهاية، تبيع هذه الشركة 700 مليار سيجارة في السنة الواحدة. كيف يمكن أن تنضم شركة “فيليب موريس” إلى مؤشر “داو جونز للاستدامة” (DJSI) في أميركا الشمالية، وهو واحد من مئات مؤشرات السوق التي أنشئت حديثاً، ومهمته تتبع الشركات التي تدعي أن تقييمها جيد في سلامة المنتجات والحد من انبعاثات الغازات الدفيئة والتنوع في مجلس الإدارة وغيرها من عوامل الحوكمة البيئية والاجتماعية وحوكمة الشركات؟

الحوكمة البيئية والاجتماعية وحوكمة الشركات

إن السبب بسيط: إن معايير اعتبار مواطنة الشركة جيدة منخفضة جداً، وربما هذا ما جعل الاستثمار المبني على الحوكمة البيئية والاجتماعية وحوكمة الشركات، الذي يمكن القول إنه أكثر التوجهات رواجاً في عالم الاستثمار اليوم، قوةً أكبر في زعزعة استقرار المجتمع والكوكب لم تكن لتحدث لو لم يكن موجوداً أصلاً.

يكمن لب المشكلة في طريقة حساب تقييمات الحوكمة البيئية والاجتماعية وحوكمة الشركات، التي تتبعها شركات التقييم مثل مؤشر “مورغان ستانلي كابيتال إنترناشيونال” (MSCI) و”ساستيناليتيكس” (Sustainalytics). فعلى عكس ما يعتقده الكثير من المستثمرين، فإن معظم التقييمات ليس لها أي علاقة بمسؤولية الشركات الفعلية وإنما ترتبط بعوامل الحوكمة البيئية والاجتماعية وحوكمة الشركات. وبدلاً من ذلك، فإن ما يقيسونه هو درجة تهديد القيمة الاقتصادية للشركة بحسب عوامل الحوكمة البيئية والاجتماعية وحوكمة الشركات. على سبيل المثال، قد تكون الشركة مصدراً ضخماً لانبعاثات الغازات الدفيئة ولكنها تنال على الرغم من ذلك تقييماً لائقاً من الحوكمة البيئية والاجتماعية وحوكمة الشركات، إذا ارتأت شركة التقييم أن الإجراءات التي تسبب التلوث تدار جيداً أو لا تهدد القيمة المالية للشركة. وهذا قد يفسر سبب حصول شركتي “إكسون” (Exxon) و”بي بي” (BP)، اللتين تشكلان تهديدات وجودية على الكوكب، على متوسط تقييم ​​إجمالي (BBB) من مؤشر “مورغان ستانلي كابيتال إنترناشيونال”، إحدى شركات التقييم الرائدة. قد يكون هذا أيضاً سبب إضافة شركة “فيليب موريس” إلى مؤشر “داو جونز للاستدامة”. لقد ألزمت الشركة نفسها مؤخراً بتحقيق مستقبل “خالٍ من التدخين”، الذي قد تراه وكالات التقييم أنه إجراء لتخفيض المخاطر التنظيمية، على الرغم من أن الجيل القادم من منتجاتها سيبقى مضراً ومسبباً للإدمان.

أما المشكلة الثانية، فتكمن في آلية تحديد شركات التقييم قيمة كل عامل من عوامل الحوكمة البيئية والاجتماعية وحوكمة الشركات. لحساب تقييم شركة وفق الحوكمة البيئية والاجتماعية وحوكمة الشركات، تقيم شركات التقييم كل شركة وفق مجموعة متنوعة من عوامل الحوكمة البيئية والاجتماعية وحوكمة الشركات وتحدد قيمة كل عامل من هذه العوامل، وتجمع النتائج في درجة إجمالية وفق الحوكمة البيئية والاجتماعية وحوكمة الشركات. قد تنال الشركة القوية وفق معايير الحوكمة البيئية والاجتماعية وحوكمة الشركات على درجة (AAA)، في حين قد تحدد درجة (CCC) للشركة المتقاعسة وفق تلك معايير. تشكل هذه الدرجات أساس بناء مؤشرات وصناديق تمويل الحوكمة البيئية والاجتماعية وحوكمة الشركات لمحافظها الاستثمارية. قد يبدو هذا نهجاً مشروعاً، لكنه ليس كذلك. فهو يخضع للحكم البشري والوصول المتفاوت إلى معلومات الحوكمة البيئية والاجتماعية وحوكمة الشركات، الذي يؤدي إلى تفاوت شاسع بين المقيّمين. ولكن الأمر الأكثر ضرراً هو أنه يسمح للشركات أن تحقق درجات إجمالية مرتفعة حتى لو كانت تضر جهة أو أكثر من أصحاب المصلحة ضرراً بالغاً، لكنها تبلي بلاءً حسناً وفق جميع المعايير الأخرى.

نماذج لشركات تتبع عوامل الحوكمة البيئية والاجتماعية وحوكمة الشركات

لنتناول حالة شركتي “بيبسي” و”كوكا كولا”. إن كلتا الشركتين حاصلتان على درجات عالية وفق عوامل الحوكمة البيئية والاجتماعية وحوكمة الشركات من أكبر شركات التقييم. كما تعدان من بين أكبر الشركات القابضة في صناديق الحوكمة البيئية والاجتماعية وحوكمة الشركات، ويرجع ذلك إلى حد كبير إلى أنهما تحتلان مرتبة عالية في معايير مثل حوكمة الشركات وانبعاثات الغازات الدفيئة. على الرغم من ذلك، فإن أعمالهما الأساسية تشمل تصنيع وتسويق منتجات مسببة للإدمان تعد مسبباً رئيسياً لمرض السكري والسمنة والوفاة المبكرة. تستغل شركتا “بيبسي” و”كوكا كولا” قوتهما لمنع الضرائب والتهرب من القوانين في أعمالهما وتمولان أعداداً ضخمة من الأبحاث لصرف الانتباه عن التأثير الصحي لمنتجاتهما، فمع بلوغ كلفة التعامل مع مرض السكري الآن أكثر من 300 مليار دولار سنوياً في الولايات المتحدة وحدها، قد يفوق الضرر البشري والاقتصادي الذي تسببه هاتان الشركتان مساهمتهما الاقتصادية.

تميل شركات التكنولوجيا مثل “ألفابت” و”أمازون” و”فيسبوك” أيضاً إلى أن تكون من بين أكبر الشركات القابضة لصناديق الحوكمة البيئية والاجتماعية وحوكمة الشركات. تنال في معظم الأحيان تقييمات مرتفعة وفق الحوكمة البيئية والاجتماعية وحوكمة الشركات لأنه يمكن التنبؤ بأن إنتاجها لانبعاثات الغازات الدفيئة منخفض. لكن القليل فقط من يعدّها شركات مواطنة صالحة. فمثلاً تجد في “أمازون” ممارسات عمل يرثى لها، إضافةً إلى مشاركتها في التسعير المفترس. تتضمن نماذج الأعمال في “ألفابت” و”فيسبوك” خوارزميات نشرت خطابات الكراهية الخطرة والمعلومات المضللة في كل مكان على الإنترنت، ووُجدت صلة بين منتجات هاتين الشركتين وارتفاع نسبة مشكلات الصحة العقلية عند اليافعين. صنفت الأوساط الأكاديمية وواضعو السياسات وقادة الأعمال والمدعون العامّون هذه الشركات الثلاث على أنها احتكارية تهدد وجود نظام سوق حرة حسن الأداء. إذا تسبب نموذج العمل الأساسي للشركة في ضرر بالغ، لا يجب أن يكون التستر عليه من خلال اتباع الشركة “سلوكاً حسناً” وفق بقية المعايير سهلاً لهذه الدرجة.

وإن الذي فاقم المشكلة، نُشر عدد ضخم من الأبحاث في السنوات الأخيرة استندت إلى بيانات تقييمات الحوكمة البيئية والاجتماعية وحوكمة الشركات لإثبات وجود علاقة إيجابية بين أداء الحوكمة البيئية والاجتماعية وحوكمة الشركات والأداء المالي. إن الاستنتاج العام الذي استخلصته تلك الأبحاث أن الشركات التي تبني استثمارها على عوامل الحوكمة البيئية والاجتماعية وحوكمة الشركات ستحقق أرباحاً أعلى وإيرادات أفضل للمستثمرين. لكن توجد عدة مآخذ على هذا الاستنتاج. إن أول مأخذ هو أن الروابط الإيجابية تميل إلى أن تكون روابط ضئيلة وحساسة جداً لطريقة قياس الأرباح وفي أي فترة قيست. والثاني، أن العلاقة الترابطية لا تعني السببية. كما أشار أسواث داموداران في منشور نشره على مدونته الأخيرة حول هذا الموضوع: “يرجح أن تتبنى الشركات الناجحة غطاء الحوكمة البيئية والاجتماعية وحوكمة الشركات تماماً كما أن تبنّي غطاء الحوكمة البيئية والاجتماعية وحوكمة الشركات يجعل الشركات ناجحة”. أما الثالث والأهم، فإن العلاقة الترابطية الإيجابية تقوم أساساً على نظام تقييمات الحوكمة البيئية والاجتماعية وحوكمة الشركات الذي سبق وصفه، والذي تعد معاييره في منح التقييمات الجيدة منخفضة جداً. في الواقع، تفوقت شركات التكنولوجيا، التي تمتلك معظم صناديق الحوكمة البيئية والاجتماعية وحوكمة الشركات فيها أهميةً مبالغ بها، على أداء السوق لسنوات، ولكن هناك حجة يجب طرحها مفادها أن الكثير من نمو إيرادات تلك الشركات نتيجة تضخيم نماذج الأعمال التي تقودها خوارزميات غالباً ما تؤذي المجتمع.

إن في مواجهة واقع وصول الدمار البيئي وعدم المساواة إلى حافة انهيار واضحة، يتزايد حرص المستثمرين القلقين بشأن هذه القضايا على أن تعكس محافظهم الاستثمارية مخاوفهم. للاستفادة من هذا التوجه، أطلقت المؤسَّسات المالية الكبرى مثل مؤسستي “بلاك روك” (Blackrock) و”فانغارد” (Vanguard) المئات من صناديق الحوكمة البيئية والاجتماعية وحوكمة الشركات، التي تدير تريليونات الدولارات، وتعكس مؤشرات الحوكمة البيئية والاجتماعية وحوكمة الشركات أو تستثمر في شركات ذات تقييم جيد وفق معاييرها. شكلت تدفقات الأموال إلى هذه الصناديق 25% تقريباً من إجمالي التدفقات الصافية إلى الصناديق المشتركة في عام 2020، وكانت أكثر بعشرة أضعاف مما كانت عليه في عام 2018. كانت صناديق الحوكمة البيئية والاجتماعية وحوكمة الشركات مربحةً بالنسبة للمؤسسات المالية، فقد وفر لها دخول هذه الصناديق كأمر مستحدث تحصيل رسوم إدارية أعلى، وبالنسبة لهواة “الرأسمالية الواعية”، فإن التحول السريع في تدفقات رأس المال هو دليل على أن الأعمال يمكن فعلاً أن تكون قوةً للخير. لكن النظام بوضعه الراهن يسمح بوجود الكثير من الجهات الفاعلة المؤذية، وذلك يؤدي إلى تدفق مبالغ كبيرة من الأموال إليهم وتخفيض تكلفة رأس المال عليهم، على حين يحتفل الرؤساء التنفيذيون والمسؤولون التنفيذيون في وول ستريت بحراك مربح يأملون أن يلمّع صورتهم العامة.

كيف يمكن تدراك مشكلات الحوكمة البيئية والاجتماعية وحوكمة الشركات؟

لتدارك تلك المشكلات وتقدير الأثر الحقيقي لسلوك الأعمال التجارية على عوامل الحوكمة البيئية والاجتماعية وحوكمة الشركات، لا بد من بناء نظام تقييم جديد بالكامل؛ نظام يقيس التكاليف الاقتصادية والبشرية والبيئية لـ “العجز في السوق” الذي تسببه الشركات. يتضمن العجز في السوق ما يلي: الاحتكار أو احتكار الشراء الذي يكون فيه للبائع أو المشتري بالترتيب منافسة محدودة أو قوة هائلة، أو العوامل الخارجية السلبية بحيث يسبب العمل ضرراً مباشراً لطرف ثالث، أو الأضرار البيئية، مثل تدمير الغابات أو تلويث المحيطات أو إغراق غلافنا الجوي بانبعاثات الغازات الدفيئة.

في ظل مثل هذا النظام، لن تنال الشركة تقييماً إجمالياً عالياً إذا لم تبلِ بلاءً حسناً بحسب أحد العوامل مع تحمل تكاليف اجتماعية أو بيئية كبيرة. على سبيل المثال، ستنال الشركة التي تنتج منتجات غذائية تؤذي صحة الإنسان على تقييم سيئ حتى لو كانت مدارة بحنكة ومسؤولة بيئياً.

لقد أصبحت أوجه العجز في السوق منتشرة جداً اليوم لدرجة أن معظم الشركات المقيَّمة بهذه الطريقة قد تحصل على تقييم سيئ وفق معايير الحوكمة البيئية والاجتماعية وحوكمة الشركات، مما يخفض عدد فرص الاستثمار المتاحة في الحوكمة البيئية والاجتماعية وحوكمة الشركات بدرجة كبيرة. قد يتوقف النظام بأكمله إضافةً إلى الرسوم الإدارية المربحة التي تفرضها الشركات الاستثمارية التي تستفيد من الاستثمار في الحوكمة البيئية والاجتماعية وحوكمة الشركات من أجل “الرأسمالية الواعية”.

ربما هذا ما نحتاجه بالضبط، إذ اتبع الرؤساء التنفيذيون عقلية “تحقيق النمو مهما كلف الأمر” لمضاعفة القيمة السهمية لشركاتهم لفترة طالت أكثر مما ينبغي. وعلى الرغم من استمرار الكوارث والظلم، يسلط الضوء على نواحيهم الإيجابية بفضل نظام تقييم الحوكمة البيئية والاجتماعية وحوكمة الشركات الذي يعتم على طبيعة مواطنة شركاتهم. لكي يكونوا قادة حقيقيين في الحوكمة البيئية والاجتماعية وحوكمة الشركات، عليهم رفع أجور موظفيهم، وصنع منتجات لا تسبب الإدمان، وزيادة إنفاقهم بهدف حماية البيئة. بتعبير آخر، قد يضطرون إلى التضحية بالربح. إن صدقنا مع الحوكمة البيئية والاجتماعية وحوكمة الشركات لن يتحقق بهذه السهولة.

يمكنكم الاطلاع على النسخة الإنجليزية من المقال من خلال الرابط، علماً أنّ المقال المنشور باللغتين محمي بحقوق الملكية الدولية. إنّ نسخ نص المقال بدون إذن مسبق يُعرض صاحبه للملاحقة القانونية دولياً.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى