التواطؤ في استدامة الشركات (الجزء الأول)

إعداد: أودن شنلدر

 

تم النشر 10 أكتوبر 2021

تقدم منصة ستانفورد للابتكار الاجتماعي الجزء الأول من سلسلة “التواطؤ في استدامة الشركات” والتي سوف نتحدث في جزئها الأول عن معاجلة مشكلة المناخ المنهجية وكيفية استدامة الشركات.

بعد الاحتفاء لفترة طويلة بممارسات استدامة الأعمال التجارية باعتبارها جزءاً أساسياً من حل أزمة المناخ، فإن هذه الممارسات لم تقصّر كثيراً في أداء دورها فحسب، بل إنها مكنت أكثر السيادة المستمرة للوقود الأحفوري.

معالجة مشكلة المناخ المنهجية

في أوائل التسعينيات، عملتُ على استدامة الشركة مع مجموعة من الزملاء الشباب الأذكياء المتفائلين، ولم أدفع أي مبالغ تُذكر تقريباً، حيث عملت من مكتب صغير بجوار الحمام في معهد “روكي ماونتن” (Rocky Mountain Institute)، وهو مركز تفكير في أبحاث الاستدامة. تحت الأكوام الشاهقة من تقارير الطاقة ونسخ “نيويورك تايمز” التي يُتعين علينا قراءتها، وضعنا مسودات لكتيبات تعريفية وأوراق استشارية تبين أن الشركات الكبرى كانت الكيانات الوحيدة الكبيرة والذكية بما يكفي، والمُحفَّزة (وفق الأرباح) لحلّ مشكلة المناخ كُنا محاطين شخصياً وفكرياً بمُنشئي الحركة: أموري لوفينز، خبير كفاءة الطاقة، وبول هاوكينز، مؤلف كتاب “إيكولوجي أوف كوميرس” (Ecology of Commerce)، وراي أندرسون، الذي غيرت اكتشافاته البيئية شركة “إنترفيس المحدودة” (Interface, Inc.) – بالإضافة إلى مهندسين أكْفاء مثل المهندس لوك لي، الذي يشبّه تصميم الأنظمة بالمطبخ الصيني؛ حيث تستفيد من كل شيء، حتى أرجل الدجاج.

كنا نعتقد أن إنقاذ العالم، ومعالجة التغير المناخي، والقضاء على التلوث والنفايات، جميعها ستندفع بواسطة أرباح الأعمال والمحفّزات الاستراتيجية. لم تكن مسؤوليتنا البيئية الوحيدة الالتزام بممارسات تحافظ على البيئة، مثل التقليل من استهلاك الطاقة باستخدام مصابيح وأدوات كهربائية أفضل، أو تقليل عدم الفاعلية من خلال التصميم والهندسة، أو إضافة مصادر طاقة تعمل بالطاقة المتجددة، كانت هذه الأساليب جيدة لتحسين صافي المبيعات؛ صفقة رابحة لطرفين، وتحقق فائدة للبيئة. هذه الرؤية هي التي دفعت أشخاصاً مثلي للانخراط في المجال، وهي مُصممة خصيصاً لتكون موضوعاً رائعاً تتناوله أحاديث مؤتمرات تيد (تيد توكس)، كما أنها ألهمت الزبائن والموظفين والمستثمرين. بالإضافة إلى أن استدامة الشركات تتبنى قيمة واضحة: يمكن للتصميم الجيد، دون أي تكلفة، تحقيق أشياء عظيمة.

انظر إلى كوب قهوتك من “ستاربكس” على سبيل المثال: إذا أضفت الكريمة ثانياً، فستحتاج إلى عصا للتحريك – وهي قطعة من الخشب المجنيّ من الغابات خضعت لعمليات تصنيع ونقل وتغليف وتوزيع. لكن إذا أضفت الكريمة قبل صبّ القهوة (وهو حلٌّ تصميمي)، فأنت لن تحتاج إلى عصا تحريك في هذه الحالة. إنك وظّفت الذكاء للاستغناء عن شيء مادّي؛ لقد قلّلت النفايات باستخدام فكرة. يا لها من طريقة مُقنِعة للغاية للنظر إلى مشكلاتنا! تخيّل شعور العَظَمة الذي ستشعر به بعد استبدال مصابيح الإضاءة في المرآب – كما فعلتُ باكراً في مسيرتي المهنية – بحيث ينخفض إجمالي الاستطاعة الكهربائية المُستهلَكة من 400 إلى 30 واط، مع توفير إضاءة أفضل باستخدام مصابيح تدوم لمدة أطول. ليس عليك أن تكون عالماً فذاً لتجد هذا النوع من الأشياء أمراً مُلهماً.

تخيل تركيب مبولات لا تعلق بها الرائحة ولا تستخدم الماء في ناطحات السحاب لأن تكلفة ضخ المياه تشكل 8% من إجمالي طاقة المبنى، ما سيوفر المياه والطاقة. هذه الأشياء – التي أطلقنا عليها اسم الفوائد المتتالية – حدثت بالفعل. ولكن بعد 25 عاماً أو أكثر، حتى مع نمو – أو ازدهار! – حركة الأعمال المستدامة ظلّ تغير المناخ، وهو المقياس الوحيد الأكثر أهمية لإمكانية تحقيق مستقبل مستدام يسير على قدم وساق. والكوكب الذي تشتعل فيه النيران، ويغرق في الفيضانات، ويُزعزعه الجفاف والمجاعة والحرب وموجات الحر – حيث تنشغل الحكومات والمواطنون بالاستجابة للكوارث بدلاً من الاستقرار والازدهار – ليس تصوّر أحد للاستدامة.

على الرغم من ذلك وعلى مدار فترة ثورة استدامة الشركات، تحوّل التغير المناخي من أمر مُقلقٍ إلى شيء محتوم، مع ارتفاع الحرارة الكارثي الذي يتجاوز درجتين مئويتين أكثر أو أقل. حتى إن السنوات السبع الماضية كانت ⁧الأعلى حرارة على الإطلاق في السجلات التي لدينا⁧⁩.

في مواجهة هذا الواقع الصعب، حتى الانتصارات المُحققة مثل قيام مجموعة كبيرة من الشركات الكبرى بخفض البصمة الكربونية بمعدل 30% – وهو أمر بطولي خارق ويصعب تحقيقه للغاية – لن تتمكن حتى من التأثير على مشكلة المناخ الأمر فقط أن ثمة الكثير من الأشخاص والحكومات والأعمال التجارية الأخرى الذين لا يكترثون ببساطة.

حتى التخفيضات الجذرية للكربون، في الولايات المتحدة على الأقل، ليست كافية: إن مجتمعنا شديد التلوث بمصادر الكربون لدرجة أنه حتى ⁧الأشخاص المشردين⁩ يمتلكون بصمة كربونية كبيرة بشكل غير مستدام. لذلك، استنتجتُ أن حقيبة العمل بالنسبة للقضايا البيئية، والتي تظل الاستراتيجية الرئيسية للشركات في مواجهة التغير المناخي، لا تتعلق بالاستدامة بقدر ما هي مرتبطة بنوايا ممارسيها ورؤاهم. والأسوأ من ذلك، أن التركيز على الممارسات المستدامة بدلاً من ترشيد استهلاك الطاقة أدى عن غير قصد إلى تمكين سيطرة صناعة الوقود الأحفوري على سياسة الحكومة وإجراءاتها، ما وفر غطاء للسماح لشركة “إيكسون موبايل” (ExxonMobil) وغيرها بتضخيم الأرباح والانبعاثات العالمية من غازات الاحتباس الحراري، دون أي مضايقات.

إن التغيير المنهجي هو الطريق الوحيد لتحقيق استقرار المناخ. ولكن ما نجحت فيه حركة استدامة الشركات حقاً هو ضمان أن يعمل الجميع ضمن مجال عمل ضيق محدد ما يترك الشيء الوحيد الذي نحتاج إلى تغييره، وهو الاقتصاد المعتمد على الوقود الأحفوري، غير ملموس وغير مهدد.

إلهاء حسن النية

لا تكمن المشكلة فقط في ممارسات الأعمال المستدامة التي لا يمكن توسيع نطاقها أو حجمها، على الرغم من أن هذا الأمر صحيح ووثيق الصلة بالموضوع.

بل في أن هذه الممارسات تحلّ محل الإجراءات الهادفة.

إن أي شركة ستصبح في عين وسائل الإعلام وفي وجهة منظور الزبون شركة “خضراء” بمجرد سعيها “للاستدامة” بمفهومها الشائع (وتقوم بجميع الأعمال مثل تحمل المسؤولية وإعداد التقارير والالتزام بالمعايير، ومراجعات المنظمة الدولية للمعايير (آيزو) 140001 وإعداد ملفات المبادرة العالمية لإعداد التقارير، والحصول على شهادات نظام الريادة في تصميمات الطاقة والبيئة (LEED) وشهادات الأساس وشهادات الطرف الثالث، وجميعها وثائق داعمة للهدف وتُظهر الالتزام إلا أنها لا تُقلل الانبعاثات نهائياً).

لا يتعين على مثل هذه الشركات القيام بالنشاط السياسي الشاق الذي قد يؤدي إلى خفض الانبعاثات العالمية بالفعل مثل المناصرة السياسية، واستخدام الصوت العام، والشهادة في واشنطن، وبناء التحالفات الصاخبة وغير المريحة وضغط الأقران، وسحب الاستثمارات أو المناشدة العامة للحدّ من السلوك السيئ. بل إنها لا تحتاج إلى تخفيض الانبعاثات كي تتم عنونتها كشركة قائدة في المجال، إذ يتعين على الشركة فقط أن تطمح لذلك. لكن هذه الطريقة قد تكون في الواقع أسوأ من الإلهاءات.

من الناحية العملية، يبدو أن هذه الإجراءات مصممة صراحة للحصول على شهادة بمحافظة الشركة على البيئة دون المطالبة بالعمل الجاد المتمثل في التمسك بالسلطة والنشاط السياسي (الذي يمكن أن يزعج المساهمين ويكون غير مريح، وقد يؤدي إلى الحث على إصدار القوانين وغضب المسؤولين المُنتَخبين الذين يحتاج منهم المدراء إلى خدمات أخرى).

في الواقع، خلال المراحل الأولى من مكافحة التغير المناخي، تجنبت الشركات حتى الاعتراف بعلوم المناخ، لأنها يمكن أن تتقي بسهولة من هذا الانزعاج المترافق مع ما أصبح (ولا يزال) لازمةً شائعة: “إن هذا النوع من الأمور يدر الكثير من الأرباح، يجب أن نفعله بغض النظر عن ما يقول العلم!” ويمكننا بوضوح أن نرى في ذلك تأسيساً لبداية الانحدار الأخلاقي. تخيل: “بوضع التمييز العرقي جانباً، يجب علينا معاملة الأشخاص بمساواة لأنه أمر مفيد لصافي المبيعات!” ولكن كان من المهم جداً أن تعترف الأعمال بالعلم، لأن السياسة كانت، في ذلك الوقت وحتى اليوم، تتم على أساس إنكار العلم. والعديد من المواقف المحرجة صعبة لأنها أيضاً مواقف أخلاقية. كما فسّر لي مرةً أحد اللاهوتيين: “لم يُقتل المسيح لأنه دعا إلى المحبة واللطف؛ لقد صُلب لأنه دعا إلى تحقيق العدالة”.

بمعنى ما، يعد تغيير المصابيح الكهربائية وتقليل البصمة الكربونية هو المحبة واللطف – لا يوجد شيء لن يُعجبك في ذلك. إلا أن معالجة مشكلة المناخ المنهجية وجهاً لوجه، هذا في النهاية يتعلق بالعدالة. وهذا ما سيحدث لك المشكلات.

يمكنكم الاطلاع على النسخة الإنجليزية من المقال من خلال الرابط، علماً أنّ المقال المنشور باللغتين محمي بحقوق الملكية الدولية. إنّ نسخ نص المقال بدون إذن مسبق يُعرض صاحبه للملاحقة القانونية دولياً.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى