تعزيز التنوع في القطاع التكنولوجي بالاستثمار المدروس في التعليم العالي

إعداد: دوانا فرانكلين-ديفيس، كينيس غوشا

 

تم النشر 06 أكتوبر 2021

بذل المزيد من الجهد لدعم مؤسسات التعليم العالي سيعزز التنوع والمساواة والشمول (DEI) في القطاع التكنولوجي، ويجب إنجاز ذلك باحتراف أكبر لتصحيح عيوب النهج الحالي وتذليل الصعوبات التي تواجهها الكليات.

كشفت جائحة “كوفيد-19” عن أوجه عدم التكافؤ في الولايات المتحدة وأشعل مقتل جورج فلويد احتجاجات على مستوى البلاد لتحقيق العدالة العرقية، ما جعل شركات التكنولوجيا التي ارتفعت إيراداتها خلال هذه الفترة التاريخية تواجه ضغوطاً عامة متصاعدة لتعزيز التنوع والمساواة والشمول (DEI) في قطاعاتها. ومن بين النُهج المتنوعة التي أعلنت عنها شركات “أمازون” و”آبل” و”جوجل” و”فيسبوك” وغيرها في سعيها لتحقيق التقدم في التكافؤ العرقي، برز نهج يستحق أن نوليه اهتماماً أكبر: دعمها للمؤسسات التعليمية لمرحلة ما بعد الثانوية لزيادة عدد أصحاب البشرة الملونة الذين يعملون في مجال التكنولوجيا.

المساعدات الخيرية في القطاع التكنولوجي

في عام 2017، منحت نسبة 3% فقط من أموال المساعدات الخيرية في القطاع التكنولوجي لصالح برامج علوم الحاسوب الموجهة للمستوى الجامعي، مقابل منح نسبة 66% لصالح برامج موجهة للمدارس في المراحل التعليمية من رياض الأطفال وحتى نهاية المرحلة الثانوية. هذا توزيع خاطئ؛ فالقطاع يفترض أن الاكتفاء بالاستثمار في المراحل التعليمية من رياض الأطفال وحتى نهاية المرحلة الثانوية يدفع عجلة التغيير بسرعة وكفاءة، لكن الوضع الحالي لمجال تعليم الحوسبة يدحض هذا الافتراض: لا تقدَّم الدورات التدريبية في أساسيات علوم الحاسوب إلا في أقل من نصف المدارس الثانوية العامة. وحتى عدد أقل منها توفر دورات تدريبية متقدمة أكثر فاعلية في تحديد المجال الأكاديمي. فمثلاً في كاليفورنيا تكون احتمالية تقديم المدارس في المناطق ذات الدخل المنخفض لدورات متقدمة في علوم الحاسوب أقل بأربع مرات، واحتمالية تقديم المدارس الريفية لتلك الدورات أقل بسبع مرات. لذا إن عقوداً من الاستثمار المركّز في مراحل التعليم من رياض الأطفال وحتى التعليم الثانوي لم تحقق بعد التنوع المنشود في القطاع التكنولوجي.

لكن توجد جوانب مشرقة: فقد جذبت دورة متقدمة حديثة في تحديد المجال الأكاديمي المزيد من طلبة المدارس الثانوية من أصحاب البشرة الداكنة واللاتينيين والإناث إلى القطاع التكنولوجي. لكن مثل هذه المساعي لا تنهي مشكلة التوفير المحدود للدورات الأساسية التي تحفز الطلبة غالباً على دراسة علوم الحاسوب في الكلية. إن نتيجة كل ما ذكر هي فشل القطاع التكنولوجي الذريع في تعزيز التنوع بين المدرَّبين للعمل في هذا القطاع: على سبيل المثال، نالت النساء صاحبات البشرة الداكنة واللاتينيات ومن سكان أميركا الأصليين مجتمعات نسبة 4% فقط من شهادات علوم الحاسوب في عام 2017، بعد أن كانت هذه النسبة 7% عام 2003.

نحن لا نقلل أهمية الاستثمار في مدارس المراحل التعليمية من رياض الأطفال وحتى التعليم الثانوي، لكن لدينا أسباب وجيهة تؤكد أن بذل المزيد من الجهد لدعم مؤسسات التعليم العالي سيؤدي إلى تعزيز التنوع والمساواة والشمول في القطاع التكنولوجي، ويجب إنجاز ذلك باحتراف أكبر لتقويم عيوب النهج الحالي وتذليل الصعاب التي تواجهها الكليات. نبني ملاحظاتنا على عقود من خبراتنا الجماعية في العمل ضمن الأوساط الأكاديمية ومناصرة الشركات، ونشهد من كثب قدرة التعليم العالي والقطاع الخاص على دفع عجلة التغيير نحو تحقيق التنوع، أو البقاء على الوضع الراهن عند عدم اتخاذهما أي خطوة لتحقيقه.

تتمثل إحدى ميزات الجامعات في سعة نطاق الدورات التي تقدمها، والتي تبدأ من الدورات التمهيدية وتنتهي بالدروس المتقدمة. وعلى عكس العديد من المدارس في المرحلة الثانوية وما قبلها، تستطيع الجامعات تعريف الطلبة على علوم الحاسوب وتنمية اهتمامهم بهذا المجال. إضافة إلى قدرة مؤسسات التعليم العالي على المساهمة في تلبية مطلب رئيسي لتحقيق التنوع والمساواة والشمول: العجلة. إن الأفراد المهمشين الحاملين لشهادات في علوم الحاسوب مرشحون بارزون لشغل وظائف في القطاع التكنولوجي على الفور، وهذا يسهم في تقريبنا خطوة نحو تحقيق التكافؤ من خلال تغيير ظروفهم بطريقتين رئيسيتين: الأولى، سيشغلون وظائف مجزية الأجر تحسن حراكهم الاقتصادي. أما الثانية، فيستطيعون السعي لتحسين المعايير والروايات والثقافات من داخل القطاع، من خلال التنسيب الوظيفي في شركات التكنولوجيا الذي سهّله لهم حصولهم على الشهادة الجامعية.

قواعد تصنيف التنوع التي يجب تركيز الجهود عليها

إضافة إلى اعتقادنا أن تقديم المزيد من الاستثمارات بالقطاع التكنولوجي في التعليم العالي سيصحح المسار الحالي، نعلم أنه يجب تقديمها وفق نهج استراتيجي، فالأمر ليس ببساطة اختيار جامعة وتحديد مبلغ. يجب اتباع ثلاث قواعد لتصنيف التنوع على أنه ذو قيمة مهمة علينا تركيز جهودنا لتحقيقه:

1. الخروج عن المألوف

تنتقي الكثير من الشركات موظفينها من المؤسسات ذاتها مراراً وتتساءل لماذا لا تلحظ تنوعاً في القوى العاملة. لا يجب أن يثير ذلك تساؤلها أصلاً. فإذا كانت الشركات ترغب في تحقيق نتائج أفضل، فعليها أن توسع خياراتها لتشمل المدارس المتاحة أكثر للطلبة ذوي البشرة الداكنة والسمراء، التي تتضمن الكليات المجتمعية والجامعات الحكومية وجامعات ذوي البشرة الداكنة وكلياتهم التاريخية (HBCUs) والمؤسسات التي تخدم ذوي الأصول الإسبانية (HSIs) والكليات القبلية.

لإدراك حجم المشكلة، يجدر النظر في البيانات التي جُمعت عن النساء ذوات البشرة الداكنة واللاتينيات واللواتي تنتمين إلى سكان أميركا الأصليين. نجد نقصاً ملحوظاً في تمثيلهن ضمن هذا القطاع، وأنهن يواجهن قمعاً منهجياً وإقصاءً على جبهتين: لأنهن نساء وصاحبات بشرة ملونة. فمن بين 93 ألف خريج في قسم الحوسبة تقريباً بالولايات المتحدة في عام 2019، كان 3,968 خريجاً فقط من النساء ذوات البشرة الداكنة واللاتينيات واللواتي تنتمين إلى سكان أميركا الأصليين. ارتادت 225 خريجة منهن فقط (5.7% من الدفعة) أفضل 20 مدرسة في تصنيف أفضل مدارس علوم الحاسوب في عام 2018 الذي حددته الشبكة الإعلامية “يو إس نيوز آند وورد ريبورت” (US News & World Report). و382 من بينهن فقط (9.6% من الدفعة) ارتدن واحدة من بين 40 أفضل مدرسة. لذا فإن اتباع أي استراتيجية توظيف تولي الأولوية للمدارس “التي تحتل المراتب الأولى” على المدارس الأخرى تعني أنك تتجاهل حوالي 90% من شبكة المرشحين للوظائف من النساء اللائي تنتمين إلى سكان أميركا الأصليين وذوات البشرة الداكنة واللاتينيات الحاصلات على شهادات في الحوسبة.

يجب على شركات التكنولوجيا التي تعتزم تحقيق التنوع أن تعيد النظر في اختيار المؤسسات التعليمية التي تعين موظفيها منها. إذا لم تفعل ذلك، فإنها تجازف في استبعاد معظم شبكة المرشحين الموهوبين للوظائف.

2. لا تفترض درايتك بحاجات الجامعات

تختلف ثقافة التعليم العالي اختلافاً شاسعاً عن ثقافة القطاع التكنولوجي، فإن تقديم التبرعات مع فرض قيود كثيرة عليها يعيق ولا يساعد. لذا فإن أنجح الاستثمارات في مجال التعليم العالي تكون وفق نهج تعاونية تتعاون فيها المؤسسة التعليمية مع الشركة التكنولوجية المتبرعة في تصميم نهج يفيد كليهما.

إن الخطوة الأولى في بناء التعاون ببساطة هي إصغاء شركات التكنولوجيا، عليها التواصل مباشرة مع أساتذة علوم الحاسوب والعمداء. قد يتعلمون مثلاً أن التبرعات بمنتجاتهم غير مجدية إذا كان أعضاء الهيئة التدريسية بالكلية يفتقرون إلى الاحتياجات الأساسية من الوقت والمال ليتعلموا العمل على ذلك المنتج ودمجه في المناهج التعليمية. إن الأصوب هو استثمارات أخرى مثل الاستثمار في منصب الأستاذ الخبير. لتتمكن المؤسسة أن توظف عضواً في هيئة التدريس يملك الوقت ليحقق أقصى استفادة من التبرعات بالمنتجات.

دعونا نذكر دورة هندسة المبيعات المقدمة من شركة “ديل تكنولوجيز” (Dell Technologies) إلى جامعة “كلارك أتلانتا”  (Clark Atlanta University) وكلية “مورهاوس” (Morehouse College) وكلية “سبيلمان” (Spelman College) في أتلانتا.  بدأت القصة عندما أدرك موظفو شركة “ديل تكنولوجيز” أن الطلبة الذين يتخرجون في الكلية لا يتقدمون بطلب توظيف لشغل شاغر هندسة المبيعات لأنهم لا يعرفون ما هي طبيعة هذا المنصب. فكر موظفو شركة “ديل” كيف يمكنهم التعاون مع مؤسسات التعليم العالي، وخاصة جامعات ذوي البشرة الداكنة وكلياتهم التاريخية، لإعداد الطلبة الذين يستهان بقدراتهم ولا تستثمَر للخوض في مجال العمل التقني الذي ينتظرهم. فأنشأت دورة تدريبية مدتها 16 أسبوعاً يدرّسها في الدرجة الأولى المسؤولون التنفيذيون في شركة “ديل” الذين وضعوا المنهج الدراسي لها بالتعاون مع الهيئات التدريسية في مجال الحوسبة. كان رد أكثر من 90% من الطلبة الذين التحقوا بالدورة أنهم سينصحون زملاءهم بحضورها. كما تعد بين أفضل 10% من الفصول الدراسية التي نالت استحسان الطلبة في كلية “مورهاوس”، وقد وظفت شركة “ديل” نسبةً أكبر من 15% من الأشخاص الذين التحقوا بهذا الفصل في وظائف بدوام كامل.

3. تدريب الطلبة على تحقيق النجاح

في السنوات الخمس عشرة الماضية، زاد الاهتمام بتخصصات علوم الحاسوب زيادة ضخمة في جميع أنحاء الولايات المتحدة. لكن لطالما كانت محاولة جعل الطلبة ذوي البشرة الداكنة واللاتينيين وسكان أميركا الأصليين والنساء يتابعون دراستهم في الجامعة حتى نيل الشهادة تحدياً مستمراً. تشمل أسباب ترك هؤلاء الطلبة للجامعة قبل التخرج الافتقار إلى الدعم، وقلة النماذج الموجودة التي يمكن الاحتذاء بها، وانعدام الشعور بالانتماء، وغيرها من العوامل.  وحتى أولئك الذين ينالون وظائف في مجال الحوسبة يشعرون في نهاية الأمر بأنهم مستبعدون بسبب الأعراف التي لا تتطابق مع خلفياتهم وخبراتهم في مكان العمل.

يجب أن يشمل حل تلك المشكلة الاستثمار في البرامج التي تدرب الطلبة على اكتساب المهارات الشخصية التي تساعدهم على التعامل مع التحديات غير التقنية التي تواجههم لأنهم أعضاء لا يمثلون تمثيلاً كافياً في قطاع مليء بالتحديات. يجسد تطوير المهارات الشخصية العقبات غير المتوقعة التي يمكن أن تواجه الأشخاص الذين يحاولون النجاح في مجال العمل، خاصة أن هذه السلوكات نادراً ما تدرَّس رسمياً وإنما تكتسب عند التعرض للتحديات. تلبي الاستثمارات الخيرية هذه الحاجة بعدة أساليب: إنشاء برامج تواصل، وتوفير فرص الحصول على التوجيه، وفرص الحصول على التدريب الداخلي، وإقامة الفعاليات المتعلقة بهذا القطاع وذلك على سبيل المثال لا الحصر.

يقدم البرنامج التوجيهي الذي صممته “مايكروسوفت” بالتعاون مع كلية “ماونت هوليوك” (Mt.Holyoke College) مثالاً على ذلك. فهو يعزز نوعين من التفاعلات: توجيه الأقران، الذي يتعاون فيه المزيد من الطلبة القدماء مع الطلبة المسجلين حديثاً في الكلية، وتوجيه رواد القطاع التقني الذي يتعاون فيه طلبة الحوسبة مع موظفي “مايكروسوفت”. إن الهدف هو غرس ثقافة علوم الحاسوب الشاملة التي تخفض نسبة تناقص الطلبة وتعلمهم ممارسات تكسبهم القدرة على التحمل مثل طريقة اكتسابهم عقلية النمو. شارك في البرنامج حتى الآن 1,062 طالباً، كان 40% منهم من النساء وأصحاب البشرة الملونة، إلى جانب نحو 200 موظف من شركة “مايكروسوفت”. قال أحد الطلبة إن البرنامج ساعده في بناء “المرونة المعرفية للنهوض عند الفشل وتجربة اتباع أساليب جديدة، كنت أناقش فكرة التخلي عن هذا التخصص قبل المشاركة في البرنامج، لكنني أدركت الآن أنني أنتمي إليه فعلاً وأستطيع النجاح فيه”.

سد الثغرات

لا يمكن إنكار امتلاك القطاع التكنولوجي للمال والموارد اللازمة ليجعل نفسه قطاعاً يمثل كافة أطياف المجتمع ويحقق التنوع.  ومع أن مؤسسات التعليم العالي والتعليم العالي بحد ذاته هو أحد مسارات الاستثمار في بناء التنوع والمساواة والشمول، إلا أنه يستحق أن ينال اهتماماً جدياً واستراتيجياً. نحن بحاجة إلى وهب منح وإقامة شراكات تستهدف مجموعة واسعة من المدارس، وتفهم الاحتياجات الخاصة بالجامعات، وتدرب الطلبة على المهارات المهنية والشخصية. فدون اتباع هذا النهج الشامل، قد لا يتمكن قطاع التكنولوجيا من سد ثغرات التفاوت بين الأعراق وبين الجنسين التي ذاع صيته بها وأصبحت جزءاً من هويته.

يمكنكم الاطلاع على النسخة الإنجليزية من المقال من خلال الرابط، علماً أنّ المقال المنشور باللغتين محمي بحقوق الملكية الدولية. إنّ نسخ نص المقال بدون إذن مسبق يُعرض صاحبه للملاحقة القانونية دولياً.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى