الاقتصاد الاجتماعي والثورة الصناعية الرابعة (الجزء الثاني)

إعداد: جيف مولغان

 

تم النشر 21 سبتمبر 2021

تقدم منصة ستانفورد للابتكار الاجتماعي الجزء الثاني من سلسلة “الاقتصاد الاجتماعي والثورة الصناعية الرابعة” والتي تحدثنا في جزئها الأول عن الكيفية التي يلبي من خلالها التقدم التكنولوجي حاجات الاقتصاد الاجتماعي، وأهم الاعتبارات الاستراتيجية للاقتصاد الاجتماعي. أما في مقال اليوم فسوف نتعرف على نموذج صافي الانبعاثات الصفري وأهم استراتيجيات الاقصتاد الجمعي للاستفادة من الثورة الصناعية الرابعة.

نموذج صافي الانبعاثات الصفري

يعد دور البيانات والذكاء الاصطناعي في التغير المناخي أحد المجالات التي أصبحت فيها هذه الاعتبارات ملحة. يعد تحقيق تخفيض كبير في انبعاثات غاز الكربون أحد أكبر تحديات القرن الحادي والعشرين. كان المجتمع المدني في المقدمة في إبراز أهمية التغيير وإظهار معنى التغيير على أرض الواقع؛ فقد سلط الضوء على ضرورة تغيير كل جانب من جوانب المجتمع والاقتصاد تقريباً، من التصميم التقني للطاقة والنقل والمباني إلى التصرفات اليومية مثل الحميات المتَّبعة والسفر، والسياسات التي تشمل الضرائب وأشكال الدعم والحوافز والأنظمة على المستويات المحلية والوطنية والعالمية. ويشارك الاقتصاد الاجتماعي بقوة في ذلك، إذ يقود مبادرات إعادة التدوير وتقليل النفايات، ويطلق حملات لتغيير التوجهات، وينشئ نماذج جديدة لملكية مصادر الطاقة.

لكن عملية إزالة الكربون تقتضي أن تستخدم الأنظمة والمؤسسات التي تؤلف الاقتصاد الاجتماعي الكثير من تقنيات الثورة الصناعية الرابعة، بما فيها البيانات والذكاء الاصطناعي وإنترنت الأشياء. ومع أن حكومات البلاد وضعت أهدافاً طموحة، مثل هدف النرويج في تحقيق صافي الانبعاثات الصفري بحلول عام 2030، وهدف فنلندا بتحقيق ذلك بحلول عام 2035، والتزام شركات مثل شركة سيمينز” (Siemens) بتحقيق صافي الانبعاثات الصفري بحلول عام 2030 في جميع مرافق إنتاجها ومبانيها حول العالم، وضع القليل من المؤسَّسات فقط استراتيجيات متماسكة لتحقيق أهداف اتفاقية باريس بطريقة تجعلها تحقق الاستفادة القصوى من الاقتصاد الاجتماعي أو الأدوات الرقمية.

الجهود التي يجب على الاقتصاد الاجتماعي بذلها في استثمار التكنولوجيا

ينتج عن إعادة توجيه تدفقات الاستثمار إلى التكنولوجيا صديقة البيئة مقاييس وأموال ومعايير استثمار تتماشى مع الأهداف المناخية، لكن الاقتصاد الاجتماعي يحتاج إلى بذل جهود إضافية. يحتاج إلى تنسيق البيانات والمعارف والرؤى المتاحة لتحقيق تغيير واسع على مستوى الأنظمة في مجالات مثل الطاقة والنقل والإسكان، وتحديد أفضل وسائل ربط الاقتصاد الاجتماعي بجميع أشكاله. يتضمن النهج الأكثر استراتيجية ما يلي:

1- تنظيم البيانات كموارد مشتركة

حالياً، على الرغم من توفر كميات ضخمة من البيانات المتعلقة بهذا الموضوع، فإن القليل منها نسبياً موحد ومتاح بسهولة، إذ تعود ملكية معظمها إلى شركات تجارية كبيرة مثل مؤسسات توريد الطاقة ولا تتوفر إلا بأيديها.

ستحتاج المؤسسات العامة ومؤسسات المجتمع المدني لتتمكن من المشاركة بفعالية في الثورة الصناعية الرابعة، إلى قيادة عملية جمع البيانات حول انبعاثات الغازات ومعالجتها ومشاركتها، إضافة إلى البيانات المتعلقة بالبصمة الكربونية لسلاسل التوريد والمدن والأحياء والأفراد. إن بعض الأعمال لتحقيق ذلك قيد التنفيذ – التي تشمل لوحات المتابعة والمشاريع مثل مشروع “مقتفي الأثر الكربوني” (Carbon Tracker)، الذي يستخدم بيانات من الأقمار الصناعية لرسم خرائط للغازات المنبعثة من احتراق الفحم – لكن لا تزال المعلومات متفرقةً نوعاً ما وغير مدمجة مع المبالغ المرصودة من الأموال.

وفي الوقت نفسه، تقدم البرامج الطامحة لتحقيق صافي الانبعاثات الصفري في مدن مثل هلسنكي وأمستردام وكوبنهاغن معلومات مفصلة عن المباني والنقل والطاقة فيها، لكنها لا تشمل إلا القليل جداً من البيانات وذكر صريح بسيط للاقتصاد الاجتماعي. كما توجد قضايا رئيسية لم تحَل بعد، مثل حقوق ملكية البيانات التي تُجمَع من العدادات الذكية وإمكانية الحصول عليها، والحاجة المحتملة إلى مؤسسات جديدة تكون مهمتها حماية تلك البيانات.

ومع ذلك، فإن وضع استراتيجية صحيحة للبيانات أمر مهم على المدى البعيد، فقد تؤدي في النهاية إلى تغيير أسلوب إعداد التقارير في الشركات، وتغيير سلوك الأسواق المالية والمستثمرين، وتزويد العامة بمعلومات أكثر موثوقية ليعلموا إذا كانت أصولهم تسهم في عملية تخفيض الانبعاث الكربوني أو تعيقها.

2- الاعتماد على الذكاء الاصطناعي والتعلم الآلي

سواءً كانت المؤسسات تدير الشبكات الكهربائية أو تخترع مواد جديدة، تحاول العديد منها تسخير الذكاء الاصطناعي للاستجابة للتغير المناخي. تركز بعضها على رسم خرائط التغير المناخي بتفصيل أكبر وتتبُّع أنماط الطقس المتطرف، بينما تعمل مؤسسات أخرى على تخفيض استهلاك الطاقة (مثل مشروع “ديب مايند” DeepMind الذي يدور حول مقدار الطاقة التي تستهلكها “جوجل”)، والتخطيط لقطاع النقل، والهندسة الجيولوجية الشمسية، والإدارة المالية.

لكن يستطيع الاقتصاد الاجتماعي أن يؤدي دوراً أبرز من ذلك، على سبيل المثال، يمكنه أن يسهم في صياغة نهج جديدة لحقوق الملكية وتحقيق الشفافية وأخلاقيات الخوارزميات، التي ستواصل تحديد شكل الحياة في المدن.

3- بناء الأدلة والمعرفة المشتركة

تنسق اللجنة الدولية للتغيرات المناخية المعرفة العالمية حول الكشف عن التغير المناخي، لكن المعلومات المتعلقة بكل الوسائل التي تصلح لمكافحته – في مجالات مثل تحديث أنظمة الطاقة في المجتمع وتقليل هدر الطعام – أقل منها تنظيماً. نجد مجدداً أن الضغوط السوقية تحفز الشركات بقوة لتتعلم، لكن عندما يتعلق الأمر بالجوانب التنظيمية أو المتعلقة بالمصلحة العامة للحد من الانبعاثات الكربونية، نجد فجوة بين المسؤولية والإجراءات المتبّعة. تحاول مؤسسات مثل “كلايميت كيه آي سي” (Climate KIC) أو “سي 40” (C40) اتباع استراتيجيات متعددة المستويات (من المستوي المحلي إلى مستوى الوطني)، لكن مواردها محدودة. حتى في حالة وجود الكثير من التقييمات والأدلة، فإن ضمان أن تكون قابلة للاستخدام ومتاحة للبلديات والمؤسسات الاجتماعية وغيرها من الذين يحتاجون إلى تلك التقييمات والأدلة يمثل تحدياً. وهذا يعيق تبني الابتكارات المعززة للإنتاجية.

على نحو متزايد، تركز مراكز الاحتياجات الميدانية، سواء كانت تحصل على تمويلها من القطاع العام أو العمل الخيري، على “الأمور المجدية”، كالمنتديات التي تستطيع مجموعات مختلفة فيها مشاركة وتعزيز المعرفة العملية حول طريقة الاستخدام الفعال للتكنولوجيا مثل المضخات الحرارية أو العزل المنزلي.

4- تعزيز إجراء التجارب

إن بعض جوانب البحث والتطوير – لا سيما عندما تنسجم مع أطر عمل راسخة لابتكار المنتجات – تتلقى بالفعل تمويلاً ضخماً، لكن توجد فجوات كبيرة. على سبيل المثال، لا تتوفر حالياً الكثير من الاستثمارات في إجراء التجارب لاكتشاف معارف جديدة حول جوانب الحد من الانبعاثات الكربونية الأكثر تعقيداً (مثل تأثير الخطط التحفيزية على فعالية الطاقة) أو التأثيرات الوظيفية المحتملة للاقتصادات الدائرية. كما تتوفر الفرصة لتحسين التعلم من الأقران بين المجموعات التي تجري تجارب مماثلة، والتبادل السريع للنتائج (بما فيها البيانات). تتبع بعض الحكومات مثل فنلندا أساليب منهجية لربط عدة تجارب محلية حول عملية إزالة الكربون بالبيانات المشتركة والتعليم. تكون مثل هذه المنصات مهمةً للمدن والاقتصاد الاجتماعي، ويمكن أن تشمل في الحالات المثلى دمج البيانات اللحظي، والبروتوكولات المشتركة لتصميم التجارب وتقييمها، والتحليلات والتجميعات للأدلة المشتركة والمفصّلة.

5- حشد المجتمعات

لتحقيق أهداف اتفاقية باريس، يحتاج الاقتصاد الاجتماعي إلى حشد المجتمعات بطريقة أنجح بكثير من سابقاتها. يحتاج هذا المجال إلى دعم الحملات التي تركز على موضوعات، مثل الحد من إهدار الطعام أو تغيير السلوكيات الغذائية، وتستعين بالبيانات واختبارات الفرضيات المعلَنة في توجيه قراراتها في جوانب مثل طريقة تعزيز الإجراءات المكانية. تمنحنا المسابقات والتحديات في مختلف أنحاء أوروبا بعض الدروس المفيدة. فقد بدأنا نشهد نُهجاً أكثر تكاملاً، مثل عمل مختبر “مختبرات المادة السوداء” (Dark Matter Labs ) على الذكاء الجمعي المعزز المتعلق بالتغير المناخي، التي تُظهر كيفية تسخير الذكاء الاصطناعي والجمعي على التوازي.

تسلط هذه النقطة الأخيرة الضوء على قضية استراتيجية أوسع؛ هي دور الذكاء الجمعي. يُظهر نموذج إزالة الكربون أهمية تنسيق تجميعات الذكاء بكافة أنواعه لدعم العمل الاجتماعي – بما فيها البيانات والأدلة وآراء المواطنين والأفكار – المنظمة كموارد مشتركة. تنطبق اعتبارات مماثلة على العديد من المجالات الأخرى، سواء كانت في رعاية المسنين أو صقل مهارات العاملين.

إن اتباع نهج متماسك واستراتيجي لصياغة التطور التكنولوجي بشكل فعال بوسائل تعود بالنفع على المجتمع سيتبع مسارات عمل مختلفة على التوازي: إعادة توجيه توجهات البحث والتطوير، مع التنسيق الأفضل للبيانات والأدلة والذكاء الاصطناعي والتجارب. في الوقت الحالي، لا يفتقر المجتمع المدني إلى القدرة على اتباع هذا النوع من الاستراتيجية، والنظرة الاستشرافية، والمخيلة فحسب، بل يرجح أن يتفاقم اختلال التوازن بين إمكانياته وإمكانيات الجيش والرقابة والشركات الكبرى. كل ذلك سيصعب توقع التغييرات الكبرى التي يرجح أن تحدث خلال العقد المقبل، والاستعداد لحدوثها والاستجابة لها.

ومع أن دور الاقتصاد الاجتماعي كان مهمشاً في الثورة الصناعية الرابعة حتى الآن، فإن العديد من المؤسَّسات التي تلعب دوراً فيه أدركت أهميته وفائدته في معالجة المشكلات الاجتماعية والبيئية. تتّبع مبادرات مثل “شبكات مخابر التسريع التابعة لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي” (UNDP Accelerator Labs networks) نهج الذكاء الجمعي لتسريع عملية الابتكار لتحقيق أهداف التنمية المستدامة، على حين أدركت مؤسسات مثل البرلمان الأوروبي ضرورة تعزيز نهج وتكنولوجيا الذكاء الجمعي إلى جانب الذكاء الاصطناعي. وفي الوقت ذاته، تطبق الهند برامج توسع مفاهيم نظام آدهار لتحديد الهوية في مجالات مثل التعليم لتقديم الخدمات على نطاق واسع. هذا نموذج جيد على تعاون المجتمع المدني والحكومة في تنظيم الذكاء الجمعي.

قد يكون هناك مجال أيضاً لتطوير مجال جديد يدرس كيف يؤدي الاقتصاد الاجتماعي دوراً فعالاً أكثر في الثورة الصناعية الرابعة، وهذا يربط التحليل الاسترجاعي للدراسات في العلوم والتكنولوجيا بنهج استراتيجي مستقبلي. تجازف الثورة الصناعية الرابعة في أن تصبح الثورة التي تحدث دون إرادة الناس وليس بإرادتهم، وتجازف بتعظيم مصالح الشركات والجيش أكثر من المجتمع. لم يفت الأوان بعد لتغيير ذلك، لكن تحويل الاقتصاد الاجتماعي ليصيغ الثورة الصناعية الرابعة بهمة وفعالية سيتطلب أن يصبح العمل الخيري والمجتمع المدني أكثر استراتيجيةً مما كانا عليه في السنوات الأخيرة.

يمكنكم الاطلاع على النسخة الإنجليزية من المقال من خلال الرابط، علماً أنّ المقال المنشور باللغتين محمي بحقوق الملكية الدولية. إنّ نسخ نص المقال بدون إذن مسبق يُعرض صاحبه للملاحقة القانونية دولياً.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى