الضريبة العاطفية للاعتقاد بالنقص (الجزء الأول)

إعداد: أنانيا موكيرجي ريد

 

تم النشر 13 سبتمبر 2021

تقدم منصة ستانفورد للابتكار الاجتماعي الجزء الأول من سلسلة “الضريبة العاطفية للاعتقاد بالنقص” وسنتحدث في هذا المقال عن أثر الاعتقاد بالنقص على الموظفين المنتمين إلى المجموعات التي لا تمثَّل تمثيلاً كافياً، وكيف يثبّط ذلك شعورهم بالانتماء.

بعد فترة وجيزة من توظيف الصحفية ميشيل سينغليتاري في صحيفة “ذا واشنطن بوست” (The Washington Post) في عام 1992، سألت محرر الأعمال في الصحيفة فيما إذا كان لون بشرتها الداكنة هو السبب خلف تعيينها، مع أن ميشيل توظفت بعمر 29 عاماً، وفي جعبتها سنوات من الخبرة في كتابة التقارير، وجدت نفسها مراراً في موضع تبرير مؤهلاتها لهذه الوظيفة أمام زملائها. عندما أخبرها المحرر أن عِرقها هو السبب الفعلي لتوظيفها، أكد أسوأ مخاوفها. قالت لنفسها وهي تحبس دموعها: “إذاً كان زملائي في غرفة الأخبار الذين يتقصون طريقة حصولي على هذه الوظيفة بهذه السرعة، على حق في نهاية الأمر”. وحسب آخر رواية لـ “ميشيل” عن هذه الواقعة، أضاف المحرر: “كما وظفتك لأنك امرأة، ولأنك تنتمين إلى الطبقة الفقيرة، والأهم من كل ذلك، لأنك صحفية ماهرة، كما وظفتك لإمكاناتك الهائلة ولأنني أريد إرشادك”.

الأقليات المرئية

بشرتي ليست داكنة، وبصفتي أستاذة جامعية وقائدة أكاديمية لم أكن يوماً في غرفة أخبار، لكنني شعرت بألم ميشيل. فأنا ولدت وترعرعت في الهند، وانتقلت إلى الولايات المتحدة لنيل شهادة الدكتوراة، ثم هاجرت إلى كندا وانضممت إلى “الأقليات المرئية. خلال رحلتي المهنية التي دامت ثلاثة عقود، طرح عليّ العديد من الأشخاص الموهوبين الذين وظفتهم نفس السؤال الذي طرحته ميشيل: هل وظفتموني بسبب موهبتي، أم لتحققوا معايير معينة؟

إن الشعور الناتج عن معاملة الفرد كرمز، وكشخص ليس له قيمة تذكَر في المؤسسة، شائع في مختلَف النظم والتراكيب السكانية. على سبيل المثال، يؤكد تقرير صدر في عام 2017 عن أفراد من السكان الأصليين الذين يخدمون في الخدمة العامة الفيدرالية الكندية أن “المشاركين فيه عبروا عن إحساسهم بأنهم ’يُجعلون رموزاً’”. إذ إنهم وضحوا هذا الشعور من خلال سرد تجارب اضطروا فيها إلى تبرير أنفسهم وهوياتهم وثقافاتهم. ويوضح التقرير: “لقد شعروا أنهم ملزمون دائماً بالدفاع عن تاريخ وثقافات السكان الأصليين أو شرحها لزملائهم من غير السكان الأصليين”. “ذكر الموظفون من السكان الأصليين أن كبار القادة يبحثون عنهم لالتقاط الصور معهم. لكن لم يطلَب منهم مشاركة خبراتهم ومعرفتهم النابعة عن انتمائهم إلى السكان الأصليين عندما يستدعي الأمر ذلك فعلاً، مثل صياغة سياسة أو برنامج موجه إلى مجتمعات وشعوب السكان الأصليين”.

إن تقييد مشاركة الموظفين وحصرها في قضايا محددة عن “التنوع” هي إحدى الممارسات الأخرى التي تقلل من قيمة الموظفين ومن مساهماتهم. على سبيل المثال، عندما رفضت الصيدلانية ناماندجي بامبوس دعوة للعمل في لجنة للتنوع، وهي المرأة صاحبة البشرة الداكنة الوحيدة التي ترأس قسم الصيدلة في كلية الطب الأميركية، ورد أن زميلاً أبيض البشرة قال لها: “بماذا نفعنا انضمامك لنا إذاً؟ الرسالة التي وصلت إلى ناماندجي أن معرفتها وخبرتها لا تقدّر إلا عند المناقشات حول العرق والتنوع، وأن رأيها ليس مشروعاً أو حتى مرغوباً به في أي قضية غير ذلك.

إن هذه التجارب ما هي إلا أمثلة لما يمكن أن نطلق عليه اعتبار التنوع نقصاً؛ وهو التصور السلبي للأشخاص، وجعلهم رموزاً بسبب هويتهم، الذي ينتج عنه انتقاص منهجي من كرامتهم وقيمتهم ومهاراتهم الكلية وحصرها في “تنوعهم”. سأدرس في هذه المقالة أثر الاعتقاد بالنقص على الموظفين المنتمين إلى المجموعات التي لا تمثَّل تمثيلاً كافياً، وكيف يثبّط ذلك شعورهم بالانتماء، وأبحث عن السبل الممكنة لتعزيز هذا الانتماء. أستخدم مصطلح “لا تمثَّل تمثيلاً كافياً” للإشارة إلى أصحاب البشرة الداكنة والسكان الأصليين وأصحاب البشرة الملونة (BIPOC)، لكن هذه التجارب منتشرة بين الفئات المهمشة الأخرى.

اعتبار التنوع نقصاً

تنبع هذه السلوكيات من الاعتقاد السائد بأن “التنوع” و”الجدارة” مفهومان متضادان. في هذه الثنائية المتناقضة، تتضمن جدارة الفرد قدرته على استيفاء مجموعة من المعايير “الموضوعية”. يعتبَر نجاح أي شخص مبني على “الجدارة فقط”، مثل قبوله في وظيفة أو جامعة مرموقة، ويعتبَر الفشل نتيجة قلة الجدارة؛ أي “النقص”.

يحتوي مفهوم الجدارة هذا العديد من المغالطات في مجال العمل؛ أولاً، هو قائم على الفردية: أي الادعاء أن الأفراد سينجحون بمفردهم دون أي مساعدة أو أي امتياز مستمد من خلفيتهم أو تنشئتهم أو هويتهم. ضمن هذا الإطار، لن ينجح الفرد الذي لا يستطيع استيفاء المعايير “الموضوعية” للجدارة في نظام قائم على الجدارة. هذه هي النتيجة “الصحيحة”. فكر الآن في احتمالية الاستبعاد المنهجي لتلك النتائج “الصحيحة” لفئات اجتماعية معينة، وبوجود مخاوف من أن هذا الاستبعاد يجب أن ينعكس. من المنظور الثنائي للجدارة/النقص، لا يمكن عكس هذا الاستبعاد إلا إذا قدمنا “تنازلات”، و”خفضنا معاييرنا”، وقررنا دعم الأفراد “الأقل جدارةً”.

لكن عندما ينتمي الأفراد المستبعدون منهجياً إلى مجموعات عرقية معينة، فإن نقص الجدارة يصبح مقترناً بهذه المجموعات أيضاً. فتكون النتيجة أنه عند تعيين أفراد هذه المجموعات “الناقصة” في مناصب أو قبولهم في مؤسَّسات “تقوم على الجدارة”، يُنظر إليهم لاحقاً أنهم تمكنوا من الانضمام بسبب “تنوعهم” الناتج عن هويتهم العرقية فقط. بمعنى آخر، إذا “نجحت” وكنت تنتمي لمجموعة “لا تمثَّل تمثيلاً كافياً”، فإن الرسالة التي ستتلقاها مراراً هي: لا بد أنك عيِّنت بسبب هويتك فقط، لأن هويتك هي القيمة الوحيدة التي يمكنك تقديمها للمؤسسة، لولا هويتك، لشغل شخص آخر يتصف “بجدارة أكبر” مكانك.

وضحت المختصة في العلوم السياسية في جامعة ألبرتا ماليندا سميث أن هذا التفكير المتحيز موجود حتى عندما تثبت العديد من الأمثلة أن التنوع يساهم مباشرة في تحقيق النجاح. توضح ماليندا أن هذه الثنائية المتناقضة تلمح إلى أن “بعض الأفراد، بحكم انتمائهم إلى فئة اجتماعية معينة، هم أقل جدارةً. يتوافق هذا الموقف والرأي مع التعريف الموحَّد للصورة النمطية السلبية، وهذه الصورة النمطية تولد وتعزز اعتبار التنوع نقصاً. بعيداً عن تعزيز وأد الجدارة كما أشار إليها بعض النقاد، فإن الصورة النمطية لاعتبار التنوع نقصاً تعزز وهم الجدارة دون سواها”.

يوضح الباحثان لوري باتون ديفيس وساميول موسيوس ذلك قائلين: تنعكس السمة الرئيسية للاعتقاد بالنقص في الميل إلى إلقاء اللوم على الضحية. على سبيل المثال، إذا حاولنا فهم سبب الأداء المنخفض للطلاب ذوي البشرة الملونة في الاختبارات الموحدة، فإن منظور الاعتقاد بالنقص سيرجع هذه الأسباب إلى ضعف إمكانيات الطلاب أنفسهم. لكن يوجد بحث مهم يكشف أن الاختبارات الموحّدة تستند على نظام التحيز العنصري تاريخياً، ما جعل نجاح بعض الطلاب مستحيلاً.

ثانياً، يعتمد مفهوم اعتبار التنوع نقصاً على أنظمة القمع المعقدة. لنأخذ مثالاً على ذلك، العنصرية التي يواجهها الأطباء ذوي البشرة السمراء والبنية والمنتمين إلى السكان الأصليين، عندما يرفض المرضى من أصحاب البشرة البيضاء أن يتلقوا العلاج منهم، معبرين عن معتقدات راسخة بأن الأطباء ذوي البشرة الملونة أقل كفاءة من الأطباء من أصحاب البشرة البيضاء.

ثالثاً، على عكس هذه التصرفات المكشوفة، يمكن أن يتجلى الاعتقاد بالنقص على هيئات خفية ومستترة، ويتجسد هذا في النساء ذوات البشرة الملونة في الأوساط الأكاديمية اللائي يُفترض أنهن غير أكفاء بسبب عرقهن أو إثنيتهن، وبمجرد دخولهن إلى أماكن عملهن في ظل هذا الافتراض، تحتد عليهن وطأة هذه المعركة الشاقة لدرجة أن بعضهن تشعرن بأنهن مضطرات للانسحاب.

رابعاً، يعزز الاعتقاد بالنقص الأنظمة الحالية القائمة على الاستبعاد وعدم المساواة. أحد الأمثلة على هذا النوع من الاعتقاد بالنقص هو “تشجيع” الأطفال من فئات معينة على الالتحاق بمسارات تعليمية ووظيفية معينة وتثبيط همتهم عن الالتحاق بمسارات أخرى، ما يديم الانقسامات المجتمعية الحالية خلال الأجيال القادمة.

يمكنكم الاطلاع على النسخة الإنجليزية من المقال من خلال الرابط، علماً أنّ المقال المنشور باللغتين محمي بحقوق الملكية الدولية. إنّ نسخ نص المقال بدون إذن مسبق يُعرض صاحبه للملاحقة القانونية دولياً.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى