كيف تسهم الضرائب في تحقيق أهداف التنمية المستدامة؟

4 دقيقة
الضرائب
shutterstock.com/Andrii Yalanskyi

تمثل الضرائب مصدراً من مصادر الدخل المهمة للحكومات، إذ تؤدي دوراً حاسماً في تمويل أهداف التنمية المستدامة، وتساعد على تعزيز قدرة الدول على سداد الديون وتحمل الصدمات الخارجية، ما يُسهم في نهاية المطاف في تلبية الاحتياجات التنموية للأفراد والمجتمعات.

لماذا الضرائب مهمة؟

بحسب تقديرات شبكة حلول التنمية المستدامة (SDSN)، قد تحتاج البلدان المنخفضة الدخل والمتوسطة الدخل مُجتمعة إلى زيادة كل من الإنفاق العام والخاص بنحو 1.4 تريليون دولار سنوياً من أجل تحقيق أهداف التنمية المستدامة، وقد تمثل الإيرادات الضريبية مصدراً مهماً لتمويل هذه الأهداف، إذ تبيّن الدراسات أن تحقيق أهداف التنمية المستدامة في الدول الناشئة يعتمد على معدل الضرائب والسياسات الخاصة بتلك الدول.

تُعد الإيرادات الضريبية ضرورية لتوفير الأصول والخدمات العامة ودعم البنية التحتية للدول، ويمكن لنوع النظام الضريبي الذي تعتمده الدول أن يشجع على الاستثمار والنمو الاقتصادي أو يثبطهما، وأن يعالج التحديات الخارجية وأوجه عدم المساواة في الدخل، إذ أظهرت دراسة أجرتها منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية في 35 دولة من الدول الأعضاء، أن الضرائب أدت إلى خفض التفاوت في الدخل بمقدار الثلث في المتوسط.

ويبرز الدور المتعدد الأوجه للسياسة الضريبية من خلال هذا المثال: عند النظر في أهداف التنمية المستدامة 8 و9 و10، نجد أن هناك عنصرين يجب الحفاظ على توازنهما، الأول أن تكون الضرائب مصممة لدعم التنمية الاقتصادية المستدامة، والثاني أن تزداد تدريجياً وتسهم في تعزيز النمو الشامل والحد من عدم المساواة.

هذان العنصران ليسا متعارضين بالضرورة لكنهما لا يتوافقان توافقاً كاملاً، ففرض ضرائب مرتفعة للغاية على الشركات والطبقة الغنية قد يسهم في تحقيق التنمية الاقتصادية المستدامة على المدى القصير، ولكنه قد يكون ضاراً بقدرة الضرائب على تعزيز النمو وتحقيق المساواة، بالمقابل، قد تُمكّننا زيادة ضريبة القيمة المضافة وتخفيض ضريبة الدخل الشخصي وضريبة الشركات بالتساوي من تحقيق التنمية الاقتصادية على المدى القصير ولكنها تؤثر في قدرة الضرائب على الحد من أوجه عدم المساواة.

لذلك، فإن تحقيق أهداف التنمية المستدامة يرتبط بزيادة الضرائب بطريقة عادلة تحد من عدم المساواة وتحافظ على النمو الاقتصادي على المدى الطويل، فالمجتمع غير المتكافئ لن يدعم النمو، والأداء الاقتصادي الضعيف يقلل من الضرائب المطلوبة للحفاظ على الأصول العامة.

أوجه تأثير الضرائب على أهداف التنمية المستدامة

يركز الهدف الثامن من أهداف التنمية المستدامة على تعزيز النمو الاقتصادي المطرد والشامل والمستدام، وتوفير العمل اللائق للجميع، وخاصة، نمو الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 7% على الأقل سنوياً في أقل البلدان حظاً.

والسؤال هنا، من يتحمل فعلياً ضريبة الشركات؟ المالكون أو المساهمون أو الموظفون أو العملاء؟ تشير بعض الدراسات إلى أن 70% من هذه الضرائب تقع على عاتق الموظفين، لكن بصورة عامة، قد يُنظر إلى ضريبة الشركات على أنها غير فعّالة ويجب أن تبقى منخفضة قدر الإمكان كي تسهم زيادة الضرائب فعلياً بتحقيق التنمية، ومن الأفضل فرض معدل ضرائب أقل على الشركات الجديدة في سنواتها الأولى، إذ من المرجح أن يكون التدفق النقدي هو الأكثر أهمية، والابتكار في أحسن حالاته.

ويتمثل الهدف 10 في الحد من عدم المساواة داخل البلدان وفيما بينها عبر اعتماد السياسات، وخاصة السياسات المالية وسياسات الأجور والحماية الاجتماعية، وفي هذا الإطار، هناك حاجة إلى نظام تصاعدي لضريبة الدخل الشخصي وإلى نظام ضمان اجتماعي للجميع يموله الأغنياء وليس نظام التأمين الخاص الذي لا يستطيع الأفراد الأكثر فقراً تحمله. وبالتالي قد تكون الإعفاءات الضريبية على العمل مثلاً وسيلة لتشجيع الناس على العمل وزيادة دخل أصحاب الأجور المنخفضة.

يثير الهدفان 12 (الاستهلاك والإنتاج المسؤولان) و13 (العمل المناخي) مسألة فرض الضرائب على أنشطة الموارد الطبيعية، فقد تستهدف هذه الضرائب الأنشطة التي تؤدي إلى تغير المناخ أو تدهور البيئة مثل ضرائب الكربون، أو التخلص من النفايات، أو الرسوم المحددة على الصناعات التي تسبب التلوث، أو الإعفاءات الضريبية على مشاريع الطاقة الخضراء.

وعند تصميم مثل هذه الضرائب ينبغي تحديد إن كان الهدف الأساسي هو جمع الأموال أو منع سلوك معين، فإذا نجحت هذه الضرائب في تغيير السلوك فقد تقلل من تحصيل الضرائب والعكس صحيح. أيضاً يجب تجنب الاعتماد المفرط على فرض الضرائب على الموارد الطبيعية، إذ تشير تقديرات اليونسكو إلى أن زيادة حصة عائد استخدام الموارد الطبيعية في الإيرادات الحكومية بنسبة 1% تؤدي إلى خفض القدرة المالية للدولة بنسبة 1.4% بسبب قلة الحوافز لتحصيل الضرائب من مصادر أخرى.

لذا، يجب أن يساعد النظام الضريبي على خفض النفقات الرأسمالية والخسائر، لأن فرض ضرائب مُبالغ فيها على قطاع معين قد يؤثر سلباً في التنمية عن طريق الحد من الاستثمار.

بالنسبة لأغلب لدول، يجب أن تكون الضرائب المصدر الرئيسي لتمويل أهداف التنمية المستدامة. فكيف يمكن للبلدان النامية أن تزيد إيراداتها الضريبية زيادة عادلة وفعالة؟

التعاون الدولي من أجل نظام ضريبي عادل وفعّال

إن جهود القضاء على الفقر يجب أن يوازيها العمل على استراتيجيات لتحسين التعليم والصحة وتحفيز النمو الاقتصادي والحد من عدم المساواة، وهذا يتطلب مصادر تمويل مختلفة.

قد تشكل الضرائب مصدراً مستداماً للاستثمار في أهداف التنمية المستدامة، إذا ما اعتمدت الدول سياسة ضريبية قوية وأدارتها بفعالية. فعند مقارنة توزيع الدخل في دولة ما قبل خصم الضرائب وبعده، سيُحدد مقدار الضرائب التي تعيد توزيع الموارد بين مواطني تلك الدولة.

فإذا قلَّ مستوى التفاوت بعد خصم الضرائب، فهذا يعني أن الدولة تحقق أكبر قدر من إعادة التوزيع من خلال الضرائب والتحويلات، وتتمتع بسياسات مالية قادرة على زيادة تعبئة الموارد، وتشجيع الأنماط المستدامة للاستهلاك والإنتاج، ما يساعد على تحقيق التنمية المستدامة.

على سبيل المثال، الدول التي تعتمد سياسات ضريبية توفر حوافز للشركات المملوكة للنساء تسهم في تعزيز ريادة الأعمال والتنمية الاقتصادية، على عكس الأنظمة الضريبية في إفريقيا التي تميز إلى حد ما ضد المرأة، بحسب ما توصلت إليه دراسة أجراها المنتدى الإفريقي لإدارة الضرائب (ATAF) عام 2022.

عادةً ما يتراوح متوسط ​​تحصيل الضرائب في البلدان المنخفضة الدخل بين 10% و20% فقط من الناتج المحلي الإجمالي، ويعود ذلك إلى مجموعة من التحديات، مثل التهرب الضريبي، والإصلاحات التي تعتمد على التكنولوجيا العالية التكلفة، وممارسة الأعمال الربحية وإدارتها من أي مكان، فأصبح من الصعب تحديد الجهة التي تُحصِّل الضريبة.

وتبين الدراسات، أن الحد من المخالفات الضريبية يسهم إسهاماً كثيراً في زيادة الإيرادات الحكومية والتقدم نحو أهداف التنمية المستدامة، فقد يساعد في توفير خدمات الصرف الصحي الأساسية لنحو 36 مليون شخص، وتأمين مياه الشرب النظيفة لـ 18 مليون شخص، وعلى مدى 10 سنوات، ستضمن زيادة الإيرادات الحكومية من الضرائب استمرار حياة أكثر من 600 ألف طفل ونحو 80 ألف أم.

لذا يجب تفعيل التعاون والشامل في المسائل الضريبية بين الدول من أجل تعبئة الموارد المحلية، وتشجيع الاستثمار، وتحفيز النمو الاقتصادي. ويدخِل التعاون الضريبي الدول في إطار خطة عمل أديس أبابا لبناء اقتصادات مرنة ومستدامة من خلال مكافحة التهرب الضريبي، والحد من التدفقات المالية غير المشروعة، وتعزيز الشفافية المالية، وتعزيز التوزيع العادل للموارد، وتمكين المؤسسات، لضمان استفادة الجميع من التنمية.