المستثمرون المؤثرون وتشارك السلطة

لماذا يجب على المستثمرين المؤثرين تشارك السلطة وليس رأس المال فقط؟

 

تم النشر 07 أكتوبر 2021

تقدم منصة ستانفورد للابتكار الاجتماعي الجزء الأول من سلسلة “المستثمرون المؤثرون وتشارك السلطة” والتي سوف نتحدث في جزئها الأول عن التمويل الاجتماعي ومدى إنصاف عمليات استثمار المؤسسات عبر الإجابة عن الأسئلة المفتاحية في تحقيق المساواة لمجتمعات أصحاب البشرة الملونة والنساء. واليوم سوف نتطرق إلى الأسئلة الثلاث الأولى وفي الجزء الثاني من السلسلة سوف نستكمل الأسئلة الأربع الأخرى.

يُعتبر الافتقار إلى الوصول إلى رأس المال عائقاً قائماً منذ أمد طويل ومعروفاً أمام تحقيق المساواة لمجتمعات أصحاب البشرة الملونة وللنساء، لكن التغلب على المظالم المنهجية يتطلب جهوداً أكبر من نقل الأموال. يجب أيضاً تغيير كيفية إنشاء الاستثمارات، وديناميكية السلطة خلف هذه القرارات.

إن صعوبة الوصول إلى رأس المال وامتلاكه عائق تاريخي ومنهجي أمام تحقيق المساواة، خاصة للسكان الأصليين وأصحاب البشرة الداكنة وغيرهم من المجموعات العرقية، وللنساء. وثمة عدد من الجهود الجارية لمعالجة هذه المشكلة: وقّع المستثمرون والمؤسسات الذين يمثلون أكثر من 1.88 تريليون دولار من الأصول الخاضعة للإدارة على تعهد الانتماء لعام 2020 الذي وضعته مؤسسة “كونفلوينس للعمل الخيري” (Confluence Philanthropy)، كما التزمت مئات المؤسسات بزيادة المخصصات الخيرية للمؤسسات والمبادرات المجتمعية التي يقودها الأشخاص الأكثر تضرراً من القضايا الاجتماعية التي تتم معالجتها.

إلا أن القيام بتحويل الأموال لخدمة قضايا مجتمعات أصحاب البشرة الملونة أو النساء لن يحقق المساواة وحده، حيث إن كيفية توزيع رأس المال، وديناميكية السلطة التي تحدد هذه العملية هما أمران على ذات القدر من الأهمية. تخاطر عمليات الاستثمار غير الخاضعة للمساءلة بتكرار القيم والأنظمة البالية في كيفية إنشاء الاستثمارات، وقد تُخطئ في الاعتماد على قوة رأس المال وحده للحصول على مُخرجات المساواة المرغوبة. أحد أحدث الأمثلة على ذلك هو مجتمعات “أبورتونيتي زونز” (Opportunity Zones)، التي سخّرت منذ عام 2018 أكثر من 12 مليار دولار في المناطق “المنكوبة” في مختلف أرجاء الولايات المتحدة الأمريكية من خلال مؤسسات تمويل التنمية المجتمعية (CDFIs) أو غيرها من صناديق تمويل الفُرَص المرخصة (QOFs). تم جذب المستثمرين إلى مثل هذه المخططات من خلال تقديم تأجيلات أو مزايا ضريبية مختلفة لهم. ومع ذلك، لم يحدد الكونجرس مطلقاً ،أو أي وكالة لتحليل التأثير، شروط التوزيع المسؤول لرأس المال. وذهب الكثير من استثمارات “أبورتونيتي زون” إلى مشاريع مثل الإسكان الفاخر، وفشلت في تحسين حياة السكان ذوي الدخل المنخفض في المناطق، بل فاقمت مشكلاتهم في بعض الحالات، وفقاً لتقرير “المعهد الحضري”.

وفي حين أن الاستثمار في المساواة بين الجنسين وبين المجموعات العرقية يكتسب اهتماماً أكبر من قبل المستثمرين والمؤسسات، فنحن بحاجة إلى أدوات لكشف وتحليل كيفية تخصيص رأس المال، وليس أين نستثمره فقط. وإلا، فإن الاختلالات في موازين السلطة ستستمر في إحداث نتائج غير عادلة. كما قال رودني فوكسورث، الرئيس التنفيذي لشركة “كومون فيوتشر” (Common Future)، “علينا التأكد من أننا نقوم بترشيد الموارد ورأس المال للأشياء التي ستُحدث تغييراً في المجتمعات و[أيضاً] ستحول وتزعزع ديناميكيات السلطة البالية”.

نشر “معهد المعايير” (The Criterion Institute) (وهو مركز أبحاث يركز على التمويل الاجتماعي، حيث يعمل أحد مؤلفي المقال مستشاراً) مؤخراً طريقةً لتقييم ديناميكيات السلطة في عمليات الاستثمار. نشأ هذا النهج عن شراكات مع وزارة “التجارة والشؤون الخارجية” الأسترالية (DFAT) و”صندوق التمويل الاجتماعي” التابع للحكومة الكندية (SFF)، حيث أرادت كلتا المؤسستين تطبيق منظور الأسهم لتمويل الحلول الطموحة للمشكلات الاجتماعية، كما أن “صندوق التمويل الاجتماعي” الكندي (SFF) يوظف إطار العمل لتوجيه استثمارات تزيد قيمتها على 800 مليون دولار كندي (635 مليون دولار أميركي). يمكن للمؤسسات تكوين فكرة أفضل عن مدى إنصاف عمليات استثمارهم عبر الإجابة عن الأسئلة السبعة المفتاحية التالية:

1. من هم الذين تحظى قدرتهم المعرفية بالتقدير؟

يتوقع الأشخاص العاملون في التمويل الاجتماعي أن يدفعوا مقابل المدخلات من الخبراء الماليين، إلا أنهم يطلبون عموماً من مؤسسات التغيير الاجتماعي أو المجتمعات المستفيدة المساهَمةَ بآرائهم مجاناً. وهذا الأمر يحطّ من قيمة الوقت ووجهات نظر من هم خارج مجالات العمل المالية التقليدية. نتيجة لذلك، يخسر المستثمرون معلومات مهمة حول الأسواق التي يفكرون في الاستثمار فيها، ويفقد منظمو المجتمع المحلي والقادة مصادر الدخل المحتملة، وتكون التدخلات الممولة أقل اطلاعاً مما يقلل من احتمالية أن يكون لها تأثيرات إيجابية. يجب أن يعترف المستثمرون بقيمة الخبرة على كافة أنواعها – سواء بالوسائل النقدية أو بطرق أخرى، وإلا فإنهم يخاطرون بالمساهمة في دوام الأعراف والقيم غير العادلة. إن معرفة السوق الاجتماعية والثقافية والعملية يمكن أن تحقق الفرق بين نجاح استثمار ما أو فشله، ويجب تقييمها وتثمينها بعناية على هذا الأساس.

يجب على المؤسسات التي تحاول تقييم كيفية تقييمها للمعرفة تتَبُّع مقدار ما تنفقه على أنواع مختلفة من الخبرة ودراسة ما إذا كانت النسبة عادلة. يجب عليها أيضاً تتبُّع عدد خبراء القضايا الاجتماعية أو أعضاء المجتمعات المتأثرة الحاضرين في لجان الاستثمار أو في هيئات صناعة القرار الرئيسية ذات القوة التصويتية. يمكن للمستثمرين تتبع ذلك عند تصميم المنتجات الاستثمارية، وصناديق التمويل، والاستراتيجيات، والتفويضات من أجل ضمان أن القدرات المعرفية المُقَدمة من خارج مجالات التمويل التقليدية يتم تقييمها وتعويضها مادياً ودمجها في جميع مراحل العملية.

تقدم لنا شركة “أداسينا” (Adasina) مثالاً على ذلك، وهي شركة لإدارة الاستثمارات تهدف إلى تأسيس جسر يربط بين الأسواق المالية والعدالة الاجتماعية. كما أن غالبية المالكين والمدراء لهذه الشركة من النساء، وأصحاب البشرة الملونة والأقليات. دفعت شركة “أداسينا” المال لمؤسسات التغيير الاجتماعي ليقدموا لها المشورة والنصح حول المخاطر المنهجية التي تعتقد أن المستثمرين الآخرين يفوتونها في الغالب، وذلك في سبيل إنشاء صندوقها العام للمساواة والعدالة الاجتماعية المتداول بالأسهم العامة (ETF). على سبيل المثال، نبهت المجتمعات الشركة إلى القيام باستخدام شروط التحكيم الإلزامية في عقود التوظيف – وهي ممارسة تضر بالعاملين، لا سيما أولئك الذين يتعرضون للاعتداء الجنسي. أنشأت “أداسينا” قائمة بالشركات التي تمارس هذا الفعل وجعلتها متاحة للعامة، كي يتمكن المستثمرون الآخرون من تجنب تمويلها في فرص تمويل التأثير القادمة، كما قامت “أداسينا” بتضمين هذه البيانات في صندوق (ETF) الخاص بها. هذا النهج هو الأول من نوعه في مجال الاستثمار المؤثر، مما يدل على أن تقييم وجخات نظر أولئك الموجودين في الخطوط الأمامية لحركات التغيير الاجتماعي يمكن أن يؤدي إلى منتجات تمويل اجتماعي أكثر ابتكاراً وفعالية.

2. من هم الذين يُعتقد أنهم “جديرون” بوضع رأس المال والموارد تحت تصرفهم؟

تُظهر وفرة من الأبحاث أن معظم المستثمرين ينظرون إلى الرجال البيض المتعلمين في الغرب على أنهم “الأكثر جدارة” بالاستثمار عبر عدد من فئات الأصول. في عام 2020، بلغت استثمارات رأس المال المغامر في المشاريع التي تقودها النساء في الولايات المتحدة الأميركية حوالي 4.9 مليارات دولار، أي حوالي 2.3% من إجمالي تمويل الصناعة. وكانت الإحصائيات أسوأ بالنسبة للمؤسِّسات النساء من أصحاب البشرة الملونة. على مدى العقد الماضي، جمعت الشركات الناشئة التي تقودها نساء من أصول لاتينية 0.32% فقط، وحصلت النساء ذوات البشرة الداكنة على 0.0006% فقط من جميع استثمارات رأس المال الاستثماري. أما الأعمال التي يقودها السكان الأصليون، فلا يتم تعقّب إحصائياتها حتى.

يجب على المستثمرين التأكد من إعطاء الأولوية لشمل المجموعات ضعيفة التمثيل من مختلف الهويات المتقاطعة (مثل العرق والأصول والجنس) وقياس النسبة المئوية للمؤسسات أو الشركات أو شركات المحافظ الاستثمارية التي تقودها مجموعات ضعيفة التمثيل والتي تتقدم للحصول على التمويل، إلى جانب النسبة المئوية لأولئك الذين حصلوا على تمويل. يجب على المستثمرين أيضاً تقييم عمليات الفحص النافي للجهالة أو معايير الاختيار الخاصة بهم، للبحث عن العوائق التي قد تمنع عن غير قصد المؤسسين ضعيفي التمثيل من الوصول إلى التمويل.

“شي اي اوه” (SheEO)، هي شركة غير ربحية لرأس المال الاستثماري تدعم رائدات الأعمال النساء اللواتي تركزن على أهداف التنمية المستدامة (SDGs). لقد سعت إلى تقليل العوائق أمام دخول مؤسسي المشاريع من خلال تصميم عملية فحص شاملة وعملية فحص نافٍ للجهالة. لا تستخدم “شي اي اوه” درجات الائتمان أو لجنة استثمار لتقييم الشركات التي تُقرضها المال، بدلاً من ذلك، يصوّت مجتمعها المكون من آلاف المستثمرين العالميين بشكل ديمقراطي على المشاريع التي ستتلقى التمويل. فهي لا تطلب من المؤسسين أن يكون لهم “قوة في اللعبة” من خلال استثمار أموالهم في أعمالهم، لأن هذا ليس خياراً للعديد من المؤسسين الذين ليس لديهم ثروة متوارثة.

كما اتخذت “شي اي اوه” خطوات لتثقيف شبكة المستثمرين الخاصة بها بشأن القضايا المتعلقة بالتحيز العرقي، وعدّلت نموذج التصويت للتأكيد على المساواة والتنوع كقيمة أساسية يجب أن يأخذها المجتمع في الاعتبار عند اختيار المستثمرين. كل هذا أدى إلى نتائج أفضل بشكل كبير، حيث إن القيم مضمنة في تصميم العملية وليست مفروضة في حصص أو هياكل جامدة. في عام 2019، كان 75% من المرشحين النهائيين الكنديين الذين تم النظر في استثماراتهم هم من أصحاب البشرة الداكنة والسكان الأصليين والنساء أصحاب البشرة الملونة أو الأقليات، وقد ارتفعت النسبة من 43% كما كانت في عام 2018. في العام الماضي، كانت جميع المشاريع الخمس المختارة في الولايات المتحدة مؤسسةً من قبل نساء من أصحاب البشرة الداكنة. كما زادت “شي اي اوه” من تنوع مجموعة المتقدمين للمشروع من خلال بناء علاقات مع مجتمعات السكان الأصليين في نيوزيلندا وأستراليا وكندا من خلال شبكة رائدات الأعمال من السكان الأصليين (IWE)، التي تعد جزءاً من مجموعة “ليفت” (LIFT) للسكان الأصليين. توضح “شي اي اوه” أن الإنشاء المتعمد لعمليات عادلة وبناء علاقات حقيقية عبر الحدود العرقية والثقافية والاقتصادية يمكن أن ينتج “قوة للتحكم” (وليس مجرد “السيطرة”) على النتائج لمجتمع المستثمرين والحاصلين على الاستثمار بأكمله.

3. من يُقرر؟

غالباً ما يمتلك أصحاب رأس المال أقوى سلطة لاتخاذ القرار في كل مرحلة من مراحل عملية الاستثمار، مما يؤدي إلى اختلال توازن القوى بين المستثمرين ومتلقّي رأس المال. إحدى الطرق لموازنة السلطة هي مشاركة رأس التحكم بالقرارات المهمة في عملية الاستثمار، مثل وضع بنود صفقة ما أو وضع النتائج المُرتقبة. لمعرفة ما إذا كانوا يحققون ذلك، يجب على المستثمرين تتبع عدد اجتماعاتهم في المشروع التي تشمل خبراء في القضايا الاجتماعية أو أعضاء من المجتمع، والنسبة المئوية للدولارات المخصصة مع موافقة المجتمع ومساهمته الصريحة. يجب على المستثمرين أيضاً تقييم خبرات المستثمر أو المجتمع فيما يتعلق بالشعور بالتمكين خلال العملية باستخدام الاستطلاعات أو عمليات التحقق اللفظية أو غيرها من الأساليب. هل كانوا راضين عنها؟ هل شعروا أن مساهماتهم كانت مسموعة وتم الأخذ بها؟ إذا لم تكن كذلك، فهل تم توضيح السبب؟

أطلقت “كانديد غروب” (Candide Group) على سبيل المثال، منحة “أولامينا” (Olamina) بقيمة 40 مليون دولار في عام 2019 لإجراء استثمارات بنظام الاستدانة، وهذه الاستثمارات تدعم التمويل الاجتماعي والعدالة العرقية والمساواة الاجتماعية ومجتمعات أصحاب البشرة الداكنة والسكان الأصليين.

يمكنكم الاطلاع على النسخة الإنجليزية من المقال من خلال الرابط، علماً أنّ المقال المنشور باللغتين محمي بحقوق الملكية الدولية. إنّ نسخ نص المقال بدون إذن مسبق يُعرض صاحبه للملاحقة القانونية دولياً.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى