المؤسسات غير الربحية في حقبة رأسمالية المساهمين

إعداد: جوديث رودين، سعدية مادسبيرغ

 

تم النشر 06 أكتوبر 2021

تنامي صافي المبيعات المزدوج والاستثمار المؤثر يمنح المؤسسات غير الربحية وسائل جديدة لجمع الأموال وفرصاً لتوسيع مجال تأثيرها في حقبة رأسمالية المساهمين الجديدة.

إن ضخ مبالغ ضخمة من رأس المال إلى الاستثمار المستدام والمؤثر – الذي يمثل نسبة دولار واحد من كل 3 دولارات من إجمالي الأصول الخاضعة للإدارة المهنية في الولايات المتحدة – فرض على المؤسسات غير الربحية أن تتكيف مع عالم يتزايد فيه الخلط بين أموال المؤسسات العامة والخاصة والخيرية لمعالجة كل المشاكل بدءاً من عدم المساواة وانتهاءً بالتغير المناخي.

بالطبع لا ينبغي للمؤسسات غير الربحية أن تحول نفسها إلى مؤسسات “وول ستريت”، وتعمل العديد من المؤسسات غير الربحية في مجالات لا تتأثر بتنامي قطاع الاستثمار المستدام والمؤثر. ولكن كما لاحظت دراسة أجريت عام 2017، لا يوجد إلا هدفين فقط من أهداف التنمية المستدامة السبعة عشرة – السلام والعدالة وإقامة الشراكات لتحقيق الأهداف – لا يملكان فرص نجاح في الاستثمار الخاص (وبالرغم أن ليس كل هدف فرعي ضمن الأهداف الخمسة عشرة الأخرى يفسح المجال لرأس المال الاستثماري، حُدِّد عدد لا بأس به من الأهداف الفرعية الجاهزة للاستثمار). لا يوفر التنامي المتسارع لاستثمار صافي المبيعات المزدوج للعديد من المؤسسات غير الربحية وسيلة لجمع مصادر أموال جديدة فحسب، بل يوفر أيضاً فرصة ذهبية لتوسيع مجال تأثيرها في حقبة رأسمالية المساهمين الجديدة، وابتكار آلية لجمع رأس المال والتأثير في الجهات المالية الفاعلة لمواكبة الأوقات المتغيرة.

تملي علينا تجربتنا بصفتنا مانحين ومستثمرين – نشرنا العديد من الابتكارات التي تبلورت نتيجة التعاون بين أسواق رأس المال والقطاع غير الربحي – أن المؤسسات غير الربحية يمكن أن تستفيد من حقبة رأسمالية المساهمين الجديدة بأربع وسائل:

1. أدوات وابتكارات سوق رأس المال

تحوّل المؤسسات غير الربحية التي لديها برامج تعالج التحديات البيئية والاجتماعية بعض مبادراتها إلى مقترحات قابلة للاستثمار.

على سبيل المثال، اعتمدت “منظمة الحفاظ على الطبيعة” (Nature Conservancy – TNC) حتى وقت قريب على التمويل الخيري لدعم مساعيها المهمة لحفظ الطبيعة في حقول الفحم في وسط جبال الأبالاش في كنتاكي وتينيسي وفيرجينيا.  كانت تركز في عملها تركيزاً خاصاً على مدينة سانت بول؛ وهي مدينة تحتوي على حقول فحم في جنوب غرب فيرجينيا تقع على امتداد ضفاف نهر كلينش، وهي منطقة تعد منذ زمن طويل جوهرة التنوع البيولوجي، مع واحدة من أكثر المناطق العالم كثافةً بالفصائل المائية النادرة من بين أنهار أميركا الشمالية. ومع ذلك، وإدراكاً لوجود أراضي حرجية قيمة في المنطقة يمكن إدارتها بطريقة أفضل من أجل الحفاظ والإنتاج المستدام للأخشاب (مع خلق فرص عمل جديدة للمجتمعات المحلية التي تعاني نتيجة تراجع صناعة الفحم)، تطلعت “منظمة الحفاظ على الطبيعة” على أسواق رأس المال.

في عام 2019، أنشأت “منظمة الحفاظ على الطبيعة” شركة التوصية البسيطة غابة كومبرلاند (مشروع غابة كومبرلاند) وجمعت 130 مليون دولار من مستثمرين من القطاع الخاص للحصول على ربع مليون فدان من الأراضي الحراجية المنتجة في المنطقة. كان العرض أكثر جذباً للمستثمرين الذين يركزون على الاستثمارات البديلة مثل الموارد الطبيعية، الذين سيحصلون على إيرادات من تعويضات الكربون ومبيعات الأخشاب المستدامة المعتمدة، بالإضافة إلى بيع الأراضي في نهاية مدة الاستثمار. تتيح هذه الهيكلية للمنظمة الحصول على رأس مال أكبر بكثير من الذي ستحصل عليه من الاعتماد على تمويل المنح وحده لتحقيق هدفها في التأثير المتمثل في حماية المواطن الطبيعية والحفاظ على الأنواع المهددة بالانقراض.

2. نماذج جديدة للعمل الجماعي

حتى إذا لم تمتلك المؤسسات غير الربحية أصولاً أو برامج تجذب رأس المال الاستثماري حالياً، فيمكنها بناء البنية التحتية للسوق وتسهيل تدفقات رأس المال العالمية إلى الاستثمارات والممارسات التي يمكن قياس حجم تأثيرها على أهداف برامجها.

على سبيل المثال، يتفق واضعو السياسات مع الأوساط العلمية أن حماية الغابات الاستوائية على نطاق واسع وإنشاء مسار عمل لإنهاء إزالة الغابات يوفران أفضل فرصة لإبطاء عملية التغير المناخي وإيقافها في النهاية. تشير التقديرات إلى أن هذه الغابات تخزن ما لا يقل عن 250 مليار طن من الكربون، أي ما يعادل 200 عام متواصلة من الانبعاثات الكربونية التي يسببها الإنسان. في عام 2019، ساعد صندوق الدفاع عن البيئة في إنشاء منشأة غير ربحية تسمى “مسرّع تمويل الغابات الناشئة” أو “الناشئة” (Emergent Forest Finance Accelerator – Emergent)، بالشراكة مع حكومة النروج وبرنامج “زيرو غاب” (Zero Gap) التابع لمؤسسة “روكفلر فاونديشن” (The Rockefeller Foundation). تعاون الشركاء لبناء وسيط يمكنه تسهيل الحركات المالية بين الشركات التي ترغب في شراء أرصدة الكربون أو تمويل وسائل تخفيض الانبعاثات من الغابات الاستوائية عالية الجودة، والولايات القضائية للغابات الاستوائية التي تستطيع أن تولد هذه الوسائل.

إن غايتها الأساسية هي الحفاظ على الأشجار، وبالتالي الحفاظ على سلامة بالوعة الكربون. منذ ذلك الحين، وسعت “الناشئة” شبكة علاقاتها وكلِّفت مؤخراً بتنسيق تحالف “إل إي أيه إف” (LEAF Coalition) بقيمة مليار دولار (تخفيض الانبعاثات من خلال تسريع تمويل الغابات) الذي أعلِن عنه في مؤتمر قمة القادة حول المناخ لعام 2021.

3. تأسيس المشاريع المقبولة مصرفياً

بالرغم من وجود زيادة في رأس المال الاستثماري الذي يبحث عن فرص استثمارية مستدامة ومؤثرة، فإن تدفقات رأس المال تصطدم غالباً بقلة المشاريع والأسواق الجاهزة للاستثمار. يمكن للمؤسسات غير الربحية الاستفادة من خبراتها وشبكات علاقاتها للمساعدة في بناء تصميم المشاريع المؤثرة وتهيئتها لتلبية متطلباتها.

على سبيل المثال، إن الحاجة إلى بناء بنية تحتية حضرية مرنة أشد من أي وقت مضى: إذ يُتوقَّع أن يعيش حوالي 70% من سكان العالم في المناطق الحضرية بحلول عام 2050. تعد المدن مراكز الابتكار والنشاط الاقتصادي (تمثل 75% من الناتج المحلي الإجمالي العالمي)، لكنها أيضاً معرضة أكثر من غيرها للكوارث الطبيعية والتفاوتات الاجتماعية والاقتصادية. لتلبية هذه الحاجة المتزايدة، أنشئت “مؤسَّسة تمويل المدن” “سي 40” (C40) بالتعاون بين شبكة المؤسسات غير الربحية في مدن العالم الكبرى الملتزمة بمعالجة التغير المناخي والتي يطلق عليها “سي 40” والوكالة الألمانية للتعاون الدولي. تسهل المؤسسة تمويل المشاريع المعنية بتخفيف التغير المناخي وبناء القدرة على الصمود في المدن – مثل مشاريع الحماية من الفيضانات وإدارة مياه الصرف الصحي في دار السلام – من خلال تقديم المساعدة الفنية لإنشاء مشاريع مقبولة مصرفياً.  مثال آخر هو شراكة “مؤسَّسة تمويل المدن” (CFF) التي أعلن عنها مؤخراً مع “الرابطة البرازيلية للطاقة الشمسية الكهروضوئية” لدعم المدن البرازيلية في كوريتيبا وريو دي جينيرو في إعداد المشاريع وصياغة آليات سياسة مبتكرة لزيادة استخدام الطاقة الشمسية، وهي أول المشاريع في أميركا اللاتينية من هذا النوع التي تركز على تركيب أنظمة الطاقة الشمسية في الأراضي التي كانت تستخدم مكبات للنفايات وفي محطات الحافلات.

4. الدعوة إلى التأثير في أسواق رأس المال

عندما تركز المؤسسات غير الربحية على قوة رأس المال الاستثماري في إحداث أثر إيجابي على المجتمع والبيئة، يمكنها التشارك مع المستثمرين والشركات لإنشاء منتجات مالية تدعم الدعوة إلى التغيير.

في عام 2018، ساعدت “جمعية الشابات المسيحيات” (YWCA) – هي مؤسسة عالمية غير ربحية كانت رائدة في مناصرة المرأة لأكثر من 160 عاماً – في تطوير شراكة استثمارية مبتكرة لتوجيه رأس المال الاستثماري نحو الشركات المستدامة ومساعدة هذه الشركات على تحسين ممارساتها التجارية. أثمرت مشاركة جمعية الشابات المسيحيات مع مؤسسة “إيمباكت شيرز” (Impact Shares) (مديرة أموال غير ربحية) عن إطلاق “صندوق النقد المتداول” (Exchange Traded Fund – ETF)، يسمى “تمكين النساء المشترك بين جمعية الشابات المسيحيات وإيمباكت شير” (Impact Shares YWCA Women’s Empowerment)، والمدرج في بورصة نيويورك للأوراق المالية برمز (WOMN). يتتبع (WOMN) لتنفيذ استثماراته قائمة تضم حوالي 200 شركة أميركية كبيرة ومتوسطة تستوفي مجموعة معايير مصممة لقياس تمكين المرأة، مع مراعاة ممارسات الشركة وسياساتها في مواضيع مثل التكافؤ بين الرجل والمرأة، والمساواة في الأجور، والموازنة بين العمل والحياة الاجتماعية. تضيف جمعية الشابات المسيحيات خبرتها إلى هذه الشراكة بعدة أساليب، كما تشارك في حوار مع الشركات حول طريقة تطبيق ممارسات فعالة لتحقيق المساواة بين الجنسين والحفاظ عليها. في المقابل، تتبرع مؤسسة “إيمباكت شيرز” بجميع أرباحها التي تردها من إدارة “صندوق النقد المتداول” إلى جمعية الشابات المسيحيات. وكما قال إيثان باول، الرئيس التنفيذي لمؤسسة “إيمباكت شيرز”، في موعد إطلاق المنتج: “تزود الإيرادات من صندوق النقد المتداول جمعية الشابات المسيحيات بالأدوات اللازمة لتوسيع تأثيرها ليمتد إلى القطاع الخاص، ولتساعد الشركات على إظهار ريادتها في القضايا التي تؤثر على المرأة”.

يمكنكم الاطلاع على النسخة الإنجليزية من المقال من خلال الرابط، علماً أنّ المقال المنشور باللغتين محمي بحقوق الملكية الدولية. إنّ نسخ نص المقال بدون إذن مسبق يُعرض صاحبه للملاحقة القانونية دولياً.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى