في عام 2011، عندما أسسنا المؤسسة التي أصبحت تسمى فيما بعد مؤسسة كو-أفشنت غيفنغ، شرعنا في استكشاف سؤال مهم: إذا كان لدى شخص ما مليارات الدولارات ليتبرع بها، فما المجالات التي يجب أن يمولها لإحداث أكبر فارق إيجابي؟
بدأ مشروعنا بالشراكة بين مؤسسة غود فينتشرز المملوكة لكاري تونا وداستن موسكوفيتز، ومؤسسة غيف ويل غير الربحية المكرسة للبحث عن المؤسسات الخيرية المدعومة بالأدلة، التي تستثمر المال بأفضل ما يمكن في إنقاذ حياة الناس أو تحسينها، ودعمها. كان هدفنا هو توسيع نطاق تركيز مؤسسة غيف ويل على الفعالية من حيث التكلفة خارج المجالات التي سبق إثبات جدواها بالأدلة، مع انفتاح أكبر على القضايا خارج نطاق الصحة العالمية وعلى الفرص عالية المخاطر والمكافآت.
منذ البداية، لم تكن رؤيتنا تقتصر على تعظيم أثر عطاء كاري وداستن فحسب، بل كانت رؤيتنا هي تسهيل الرحلة على المحسنين الآخرين الذين قد يرغبون في اتباع نهج مماثل. لقد غيرنا اسم مؤسستنا مؤخراً من أوبن فيلانتروبي إلى كو-أفشنت غيفنغ للإشارة إلى عملنا المتنامي مع متبرعين آخرين. وبعد توزيع أكثر من 4 مليارات دولار عبر مجموعة واسعة من القضايا، فالآن هو الوقت الملائم للتفكير في بعض الدروس التي تعلمناها حول كل من الأساليب العملية والنهج الفلسفية لفعل الخير.
1. اختيار القضايا هو أهم قرار يمكنك اتخاذه
تحدد المشكلات التي يعمل عليها فاعل الخير كل شيء تقريباً عن عمله: من يوظف، ومن هم أقرانه، والمؤسسات التي تقع في نطاق تمويله والأماكن التي يعمل فيها، وغير ذلك؛ فتصبح برامجه هي البوصلة التي توجهه إلى سبل تحقيق الأثر. ولكن على الرغم من أهميتها الشاملة تقريباً، فكثير من فاعلي الخير لا يخصصون وقتاً للنظر في مجموعة تتعدى المشاكل القريبة منهم ويمكنهم معالجتها من خلال أعمالهم الخيرية. وهذا مهم؛ لأنه مثلما تكون بعض الأساليب المحددة أكثر فعالية من غيرها، تشمل بعض المشاكل مجالات قد تكون فرص العطاء فيها فعالة من حيث التكلفة أكثر من غيرها.
لقد استخدمنا إطار عمل "الأهمية والإهمال وقابلية التطبيق" منذ أيامنا الأولى لتوجيه قراراتنا بشأن المجالات التي يجب التركيز عليها:
- الأهمية: كم عدد الأفراد الذين تؤثر عليهم هذه القضية وما مدى تأثيرها عليهم؟
- الإهمال: هل تهمل الجهات الفاعلة الأخرى، لا سيما الجهات الخيرية الرئيسية، هذه القضية؟
- قابلية التطبيق:هل هناك طرق واضحة تتيح للممول المساهمة في التقدم في هذا المجال؟
يمكن أن تتفاوت القضايا بدرجة كبيرة في هذه المعايير، لا سيما معياري الأهمية والإهمال. على سبيل المثال، يغفل الكثير من فاعلي الخير أهمية الإنتاج الحيواني لأغراض صناعية: فعدد المواشي التي تعيش في ظروف بائسة في هذه المزارع يفوق عدد البشر الأحياء اليوم. ومن الأمثلة على الإهمال مرض بكتيريا (أ)، وهو مرض يسبب وفيات تعادل تقريباً عدد الوفيات التي يسببها فيروس نقص المناعة المكتسب (الإيدز) (الذي يعاني هو نفسه من نقص التمويل)، ولكنه يتلقى تمويلاً أقل بحوالي 100 مرة من التمويل المخصص لأبحاث اللقاحات وتطويرها.
في السنوات الأخيرة، ازداد تركيزنا على معياري الأهمية والإهمال مقارنة بالتركيز على قابلية التطبيق، لأن الفرص التي تحدد قابلية علاج المشكلة يمكن أن تظهر بصور غير متوقعة، وقد فوجئنا بالتقدم الذي شهدناه في القضايا التي توقعنا في البداية أنها مستعصية على الحل.
2. بناء المجالات المعرفية يحقق عوائد هائلة ولكنه يتطلب الصبر
وعلى مر السنين، لاحظنا أن التمويل الأولي في مجال مهمل حقاً يمكن أن يحقق نتائج استثنائية. لقد عملنا في كثير من الأحيان في مجالات لا تحظى باهتمام الكثير من الممولين، ومن ثم فقد كان علينا المخاطرة لزيادة عدد الأشخاص والمؤسسات العاملة في مجالات مختلفة.
على سبيل المثال، في أوائل عام 2010، كان هناك إجماع أكاديمي واسع النطاق على أن العديد من قوانين تقسيم المناطق وضعت قيوداً مصطنعة على بناء المساكن، ما سبب ارتفاع الإيجارات. لكن السياسيين لم يروا أولوية في إصلاح تقسيم المناطق لأنه لم يكن جلياً للناخبين. في عام 2015، بدأنا بدعم حركة "يمبي" الوليدة لجعل هذه القضايا محورية، وشمل دعمنا منحة سمحت لبراين هانلون، الذي كان متطوعاً آنذاك في دائرة الغابات الأميركية بالتفرغ لتنظيم حركة يمبي. واستنادًا إلى تجربته الأولية في سكرامنتو، أسس هانلون فرعاً للحركة في كاليفورنيا، وهي مجموعة مناصرة ساعدت في تحقيق سلسلة من الانتصارات الكبرى هذا العام. ويشمل ذلك ربما أكبر انتصار للحركة على الإطلاق، ألا وهو مشروع قانون مجلس الشيوخ رقم 79، الذي شرّع الإسكان متعدد العائلات بالقرب من وسائل النقل عالية التردد في الولاية ويمكن أن يؤدي إلى بناء مئات الآلاف من المنازل الأخرى.
مثال آخر هو سلامة الذكاء الاصطناعي وأمنه. في عام 2015، كنا نعتقد أن مخاطر الذكاء الاصطناعي المتقدم لم تكن تحظى بالتقدير الكافي، ولكن عدداً قليلاً جداً من الأشخاص كانوا يفكرون بعمق في هذه المواضيع. مولنا العديد من المراكز البحثية وقنوات تأهيل المواهب لتمكين الأفراد من بناء المهارات المناسبة، ووضع خطط بحثية مبتكرة، وإنشاء فرق عمل جديدة. لم تكن فعالية هذا العمل مؤكدة آنذاك، ولكن بعد مرور عقد من الزمن، نما مجال سلامة الذكاء الاصطناعي وأمنه بدرجة كبيرة، وأصبح في وضع أفضل مما كان يمكن أن يكون عليه لولا ذلك، لتلبية مطالب الشركات وصناع السياسات. على سبيل المثال، دعمنا البرنامج الذي أصبح في نهاية المطاف برنامج "ماتس" في عام 2019، الذي درب حتى الآن مئات الأشخاص في زمالات بحثية تقنية بدوام كامل لمدة 10-12 أسبوعاً. وقد التحق أكثر من 80% من هؤلاء العلماء للعمل في مجال سلامة الذكاء الاصطناعي وأمنه ضمن الحكومات وشركات الذكاء الاصطناعي الرائدة.
وفي كل من مجالي الإسكان والذكاء الاصطناعي، حققت الاستثمارات المبكرة في المجتمعات الناشئة عائداً كبيراً استثنائياً، ما يدل على أنها استثمارات تستحق المخاطرة.
نأسف جداً على عدم الاستثمار في المناطق المهملة في وقت مبكر، وتعد قضية التسمم بالرصاص مثالاً جيداً على ذلك: فقد أضعنا عدة فرص لتمويل هذا المجال بسرعة أكبر على الرغم من أنه بدا واعداً جداً في تحقيقاتنا الأولية. كما أن بناء الحركة لا يعني دائماً اغتنام كل الفرص: فقد دعمنا بناء الأمن البيولوجي الميداني قبل جائحة كوفيد-19، وعلى الرغم من أن هذا العمل أدى إلى بعض الإنجازات المهمة، فالاستجابة العالمية لكوفيد-19 كانت أضعف بكثير من اللازم، وفي الغالب، لم نشهد تنفيذ الإصلاحات اللازمة منذئذ.
3. يمكن للعمل الخيري عالي الأثر أن يغض النظر عن مقدار المخاطرة
عندما انفصلنا عن مؤسسة غيف ويل ونظرنا في تقديم المنح عبر مجموعة واسعة من المجالات، اعتقدت في البداية أن المخاطر في المنح الأكثر فعالية من حيث التكلفة تحتمل وجهين لا ثالث لهما، فإما أن تكون منخفضة (مثل المبادرات التطويرية المدروسة جيداً التي أوصت بها غيف ويل، وتتمتع بميزة قابلية القياس وحلقات الملاحظات الضيقة) أو عالية (مثل الفرص القائمة على النتائج التي يكون احتمال نجاحها ضعيفاً ولكنها تحقق مردوداً هائلاً إذا نجحت). تسمح لك حلقات الملاحظات الضيقة بالتعلم والتكرار وتوليد الثقة بفعالية المنح من حيث التكلفة. في المقابل، فإن المكاسب الهائلة المحتملة لفرص الاستثمار عالي المخاطر، وخاصة المنح المكرسة للحد من المخاطر الكارثية العالمية، تفوق بمراحل ما قد ينتج عن غياب التعلّم والتكيّف مع مرور الوقت.
كنت أعتقد آنذاك أنه يجب تجنُّب المنطقة الرمادية، لأنها تجمع بين مخاطر معينة وحلقات ملاحظات أسوأ، لكن دون أن تحمل مكاسب كافية لتعويض تلك السلبيات.
ومنذئذ نمت لدي قناعة بأن المنح عالية التأثير يمكن تقديمها في أي مجال بغض النظر عن درجة المخاطر، وهذا يشمل المجالات المتوسطة المخاطر. صحيح أن فحلقات الملاحظات في العديد من المنح ذات المخاطر المتوسطة، مثل مناصرة السياسات والبحث العلمي، أقل دقة وسرعة مقارنة بالتدخلات المباشرة، مثل الناموسيات لمنع انتشار الملاريا فالسجلات الحافلة للممولين الآخرين في مجال البحث والتطوير في الصحة العالمية والأثر الذي تمكنا من تحقيقه في مجالات السياسات مثل الإسكان، يشيران إلى أن هذه المنح يمكن أن تضاهي الفعالية من حيث التكلفة التي لمسناها في بعض المؤسسات الخيرية العالمية المختارة من خلال تدخلاتها الصحية المباشرة.
4. من الصعب الموازنة بين الاعتدال ومضاعفة الأثر
تمثل كل قضية نعمل عليها فرصة استثنائية لفعل الخير: ففي مجال الصحة العالمية، يمكن للتدخلات المدروسة بعناية أن تنقذ حياة شخص مقابل نحو 5,000 دولار؛ وبالنسبة للحيوانات، يمكن لدولار واحد أن يجنب 10 سنوات من المعاناة؛ وتحاول عدة مبادرات واعدة الحد من المخاطر الإجمالية التي تهدد بقاء البشرية.
أي من هذه القرارات الأخلاقية قد يصبح هاجسًا يستنزفك؛ فإذا كان بوسعك حقًا إنقاذ حياة طفل بـ 5,000 دولار، فكيف تسمح لنفسك بأن تنفق هذا المبلغ في إجازة شخصية؟
وإذا كان دولار واحد يقلل معاناة الحيوانات عدة سنوات، أو إذا كان بإمكانكالمساهمة بفعالية في إنقاذ البشرية من خلال المنح التي تقدمها، فكيف يمكنك أن تفعل أي شيء آخر؟ وكيف يمكنك الاختيار بين هذه الأهداف المقنعة المختلفة؟
في عالم يتسم بندرة الموارد، يدفعنا منطق تعظيم فعالية التكلفة إلى وضع وحدة قياس مشتركة للمقارنة بين فعالية المبادرات، تمكننا من تحديد طريقة تقسيم ميزانيتنا بين مساعدة الحيوانات والبشر، أو عدد الأرواح التي تستحق درجة ما من المخاطرة بمستقبل البشرية عموماً. ستؤدي معظم الإجابات المحتملة عن هذه المقارنات إلى تخصيص الكل أو لا شيء: إذا كنت تعتقد أن تفادي سنة من معاناة الحيوانات يعادل قيمة سنة من حياة الإنسان، فلن تعمل سوى على تفادي معاناة الحيوانات؛ أما إذا كنت لا ترى مجالاً لمقارنة قيمة عام واحد من حياة الإنسان بأي قدر من معاناة الحيوانات، فلن تفعل شيئًا حيالها.
نحاول ضمن مجالات التي نعمل عليها أن نعتمد وحدات قياس مشتركة حتى نتمكن من تحسينها قدر الإمكان. ولكن بالنسبة لهذه المقارنات الفلسفية عالية المستوى بين أنواع شديدة التباين من الأثر، نحاول تقسيم الاستثمارات والميزانية بناءً على درجة أهمية الرؤية أو القيمة الأساسية المعنية بدلاً من محاولة اختيار وحدة قياس واحدة غير كاملة للمقارنة بين القضايا المتباينة كلها.
وكما عبّر أحد شركائي المؤسسين منذ سنوات، فإن مضاعفة الأثر في مجال محدد هو أمر محفوف بالمخاطر: "إذا كنت تحاول مضاعفة الأثر، فلا بد من أن تواجه مشكلات؛ فأنت تخاطر بالتقليل من أهمية الكثير من المجالات التي قد تكون أهميتها أكبر بكثير مما تدركه. منطقياً، تعني مضاعفة الأثر في قضية ما وضع كل قضية أخرى غيرها جانبًا، وهي فكرة غير صائبة ما لم تكن متأكدًا حقًا من أنك تعمل على القضية المناسبة."
وبالرغم من سعينا الدائم لتبنّي منهجية دقيقة وقابلة للقياس في عمليات العطاء، لتحقيق أقصى تأثير ممكن لمستفيدينا، فبعض أصعب قراراتنا وأكثرها ضبابية تظل رهن أحكام فلسفية عليا لا نتوقع أن نجد لها حلاً حاسماً أبداً.
لطالما حاولنا الموازنة بين مضاعفة الأثر ضمن إطار عمل محدد والحفاظ على التزامنا بتعددية الرؤى العالمية، وأتوقع أن يستمر هذا التوازن الدقيق في التطور مع تراكم خبراتنا ومعارفنا.
استشراف المستقبل
لا يزال لدينا العديد من الأسئلة حول أفضل الطرق للعطاء ومساعدة الآخرين، لكننا نسعى جاهدين للعمل بسرعة في مواجهة عدم اليقين مع التعلم والتكرار بمرور الوقت. لقد استغرق نضوج العديد من انتصاراتنا المبكرة وقتاً طويلاً، وتعلمنا دروساً مهمة من المبادرات التي لم تنجح.
ومع ذلك، لا يزال العطاء بإلحاح نادرًا جدًا. فوفقاً لبيانات مجلة فوربس، تبرع نحو ثلاثة أرباع المليارديرات بأقل من 5% من ثرواتهم. في بعض المجالات سريعة التطور مثل الذكاء الاصطناعي أو التكنولوجيا الحيوية، هناك نافذة ضيقة حيث يمكن للممولين الجدد أن يؤدوا دوراً حاسماً في الحد من المخاطر. أما بالنسبة للتحديات الفورية الأخرى مثل الصحة العالمية، فهناك مبادرات قابلة للتطوير وجاهزة للتطبيق يمكن أن تنقذ ملايين الأرواح في السنوات القادمة. آمل أن تكون مشاركة هذه الدروس مصدر إلهام لمن يجدون أنفسهم في وضع يسمح لهم بالعطاء لإنقاذ الأرواح بطرق استراتيجية وطموحة، ومشاركة الدروس التي تعلموها بدورهم.