لم يسبق أن احتاجت المجتمعات المهمشة، ومنها مجتمعات المهاجرين والأميركيين أصحاب الدخل المحدود وسكان المناطق الريفية، إلى معلومات دقيقة وآنية يمكن الاستفادة منها عملياً فيما يتعلق بالقضايا التي تمس تفاصيل حياة أفرادها اليومية بقدر ما تحتاج إليها اليوم. وفي الوقت نفسه، لم تكن منظومة المعلومات ملوثة ومجزأة أكثر مما هي عليه الآن؛ فقد أسهم صعود الذكاء الاصطناعي وانتشار المعلومات المضللة والمغلوطة التي صممت خصيصاً لاستهداف الفئات الهشة والأوضاع الاقتصادية المتدهورة التي تعانيها الصحافة في تراجع مصادر المعلومات الموثوقة.
باختصار، تجد المؤسسات الإعلامية صعوبة في توصيل رسالتها وسط بيئة معلوماتية مزدحمة وفوضوية، في حين تعجز المجتمعات عن الحصول على المعلومات التي تمس احتياجاتها.
ثمة نهج يمكن اتباعه لمجابهة هذا التحدي، قد يبدو بديهياً، لكنه لا يزال نادر الاستخدام في المؤسسات الإعلامية؛ ويتمثل في بلورة استراتيجية شاملة تشمل التحرير والمحتوى والمنتجات وتوسيع قاعدة الجمهور، انطلاقاً من سؤال المجتمعات مباشرة عن احتياجاتها وما يهمها. في دوكيومنتد، وهي غرفة أخبار غير ربحية تتخذ من نيويورك مقراً لها وتركز على خدمة المهاجرين، حرصنا منذ التأسيس على إنشاء منظومة تجمع بين البحث المجتمعي وتطوير المنتجات باعتبارها جزءاً محورياً من آلية عملنا؛ إذ أنشأنا منصة نشر فريدة تعتمد على التواصل الثنائي عبر تطبيق واتساب، وكنا من أوائل غرف الأخبار التي تفاعلت مباشرة مع الجمهور من خلال تطبيقي وي تشات ونيكست دور، وذلك استجابة لما عبر عنه المجتمع من احتياجات. وقد مكننا هذا النهج من الوصول إلى العديد من الأشخاص الذين لم تكن تصلهم من قبل معلومات حيوية وضرورية.
قد يظن البعض أن هذه الأفكار تخص غرف الأخبار وحدها، لكن تجربتنا تتضمن دروساً يمكن أن تستفيد منها أي جهة تسعى إلى ابتكار أساليب جديدة لتلبية الاحتياجات المعلوماتية لجمهورها، ومنها المنظمات المجتمعية والمؤسسات الخيرية والجامعات والحكومات المحلية.
كيف يبدو هذا النهج عند تطبيقه على أرض الواقع؟
الاستماع: نقطة الانطلاق دائماً هي البحوث المجتمعية
لا يرتبط الوصول إلى المجتمعات المهمشة باختيار المنصة المناسبة أو تنفيذ قائمة من الإجراءات المحددة سلفاً؛ بل بشعور أفراد المجتمع بأن هناك من يفهمهم، من خلال عملية متواصلة من الإصغاء والتجاوب. وغالباً ما تعتمد المؤسسات الإعلامية نهجاً هرمياً يبدأ من القمة إلى القاعدة في تقرير ما يستحق التغطية والنشر من أخبار ومعلومات. أما فريقنا فيسعى إلى كسر هذا النمط عبر منهجية تبدأ بالإنصات العميق والبحث المجتمعي، تنطلق من مبدأ إرشادي بسيط: لا تفترض، بل استمع.
يعتمد جانب كبير من هذا النهج على تجربة منظمة ليسننغ بوست كولكتيف، وهي جهة داعمة للمؤسسات الإعلامية تقدم الإرشاد والتمويل للمنصات التي تخدم المجتمعات التي تشهد معدلات متدنية من المشاركة المدنية بمناطق مثل أبالاتشيا والمناطق الحدودية الجنوبية الغربية ومجتمعات السكان الأصليين وجنوب شرق الولايات المتحدة. تهدف هذه المنظمة إلى معالجة فجوات العدالة المعلوماتية الحالية من خلال التعاون مع المجتمعات لفهم السياقات أو المنصات التي تنتقل فيها المعلومات فعلياً داخل المجتمع وتحديد المعلومات التي يفتقر إليها الناس وكيفية تصميم حلول تلبي احتياجاتهم حيثما كانوا.
تبدأ مرحلة الاستماع بتحديد الفئة التي تسعى إلى الوصول إليها والمصادر التي تعتمد عليها للحصول على المعلومات، ثم رسم خريطة لمجتمعك ومنظومته المعلوماتية الحالية. ويمكن أن يشمل هذا الرسم البياني بيانات المجتمع المتاحة والموارد الإعلامية المحلية والقيادات المجتمعية والمساهمين في نقل المعلومات وأي قنوات أخرى تستخدم في تبادل المعلومات داخل المجتمع.
تتمثل الخطوة التالية في إدراك ما لا تعرفه بعد والإنصات مباشرة إلى الناس لجمع بيانات أصلية. وما الذي تستمع إليه تحديداً؟ الرغبات والاحتياجات والمشكلات المستعصية. وبمجرد أن تدرك نوعية المعلومات التي تحتاج إليها، ستجد أمامك طيفاً واسعاً من وسائل الإنصات: منصات الرسائل النصية وتطبيقات المراسلة والبريد الإلكتروني والدراسات الاستقصائية والمقابلات واللقاءات العامة والاجتماعات العامة ومجموعات التركيز والدوائر الحوارية ووسائل التواصل الاجتماعي وقنوات استقبال المعلومات وصناديق التعليقات، والقائمة تطول.
ينبغي أن تستند هذه الممارسات كافة إلى مجموعة من المبادئ الأخلاقية التي توجه طريقة تواصلك مع المجتمع وفهمك له؛ بدءاً بتقديم نفسك، ومروراً بمراجعة الأسئلة مع قادة المجتمع المحلي، وانتهاء بالرد على الناس والعودة إليهم بأي محتوى تستند صناعته على تلك المحادثات.
طبقنا ذلك كله عملياً في عام 2022 ضمن أوسع مبادرة للبحث المجتمعي أطلقناها حتى الآن، تمثلت في تقييم احتياجات أكثر من 1,000 من سكان نيويورك المنحدرين من أصول كاريبية وصينية، وهما فئتان أساسيتان من الجمهور كنا نسعى إلى فهمهما بصورة أعمق. ولتحقيق ذلك، دخلنا في شراكة مع 54 مؤسسة مجتمعية موثوقة ساعدتنا في توصيل الاستبيانات إلى المشاركين المستهدفين، وشاركنا في أكثر من 24 فعالية بهدف الوصول إلى أفراد من هاتين الفئتين والتواصل معهم. زرنا مراكز مجتمعية وحضرنا اجتماعات محلية وطرقنا الأبواب، وذلك من أجل إزالة الحواجز التي تعوق الوصول إلى المعلومات والتواصل مع هؤلاء السكان حيثما كانوا.
الفهم: تحليل البيانات واستخلاص الرؤى
تجيد مؤسسات عديدة تنفيذ مرحلة الاستماع، لكنها غالباً ما تتعثر في الخطوة التالية؛ فماذا تفعل بهذه المعلومات بعد جمعها؟ وكيف تحولها إلى حلول ومنتجات نافعة؟ يمكن سد هذه الفجوة بما نسميه "مرحلة الفهم"، حيث نتوقف بعض الوقت لتحليل البيانات التي جمعناها واستخلاص الرؤى القابلة للتنفيذ.
بمجرد أن تتضح رغبات الجمهور واحتياجاته والفجوات المعلوماتية التي يعانيها، يصبح بالإمكان ترجمتها إلى فرص سوقية ومنتجات وحلول محتملة.
فيما يخص المحتوى، فإن ذلك يعني بناء الاستراتيجية التحريرية استناداً إلى هذه الرؤى والفجوات. وفي حالة دوكيومنتد، فإننا نقدم بانتظام صحافة خدمية تستند إلى الأسئلة التي يتلقاها مراسلونا المجتمعيون مباشرة من الجمهور، إلى جانب تحقيقاتنا المستمرة والتقارير الإخبارية اليومية. وتسفر هذه العملية عن أدلة وموارد تغطي طيفاً واسعاً من الموضوعات، بدءاً من أماكن الحصول على دعم قانوني مجاني أو دورات في اللغة الإنجليزية، وصولاً إلى كيفية التقدم لامتحانات معادلة الثانوية العامة أو الالتحاق ببرامج التدريب المهني، ووصولاً إلى كيفية العثور على مراكز توزيع الطعام المحلية أو التعامل مع ملاك العقارات.
أما على مستوى المنتجات، فإننا نتبنى منظوراً واسعاً لما يمكن اعتباره منتجاً، باستخدام الوسائل الإلكترونية أو الطرق التقليدية. وقد يشمل ذلك تطوير منصات جديدة مبتكرة، أو تطوير صيغ جديدة للمنصات التقليدية، مثل المواقع الإلكترونية أو النشرات البريدية أو البودكاست أو الفعاليات الحضورية.
التنفيذ: تطوير المنتجات وإعادة تطويرها
في هذه المرحلة، نبدأ بتحويل نتائج البحث والرؤى المستخلصة والحلول المحتملة إلى واقع عملي. ونعتمد في ذلك منهجية "التصميم والاختبار"، حيث نبدأ بتطوير عدة نماذج أولية تتبنى حلولاً متباينة للمشكلة أو الحاجة المستهدفة، ثم نختبر هذه النماذج مع أفراد المجتمع ونستطلع آراءهم، لنعمل بعد ذلك على تطوير نموذج ثان يدمج تعليقاتهم، نختبره من جديد، ثم نطرح المنتج النهائي.
في بدايات دوكيومنتد، طور فريقنا طريقة جديدة لاستخدام تطبيق واتساب في النشر، تمثلت في إنشاء مسار تواصل ثنائي الاتجاه بدلاً من النمط الأحادي المعتاد. وفيما بعد، وبعد أن أظهرت نتائج تقييم احتياجات المجتمع أن 70% من المشاركين الكاريبيين في الاستبيان يستخدمون تطبيق نكست دور، انتقل مراسلونا المجتمعيون إلى هذه المنصة لمشاركة الموارد وجمع أفكار للقصص والتفاعل المباشر مع سكان نيويورك ذوي الأصول الكاريبية.
عند تصميم أي مشروع جديد أو تطويره، نحرص أيضاً على تحديد ما سنقيسه من مؤشرات الأداء، بما يتناسب مع طبيعة الجمهور والمنصة المستخدمة؛ فلكل منصة من منصات التواصل والتراسل الأساسية التي نعتمدها وظائف مختلفة، ما يتطلب أساليب متنوعة لرصد التفاعل؛ إذ نقيس على واتساب عدد النقرات على الروابط وعدد الرسائل المتبادلة، بينما نعتمد في وي تشات على عدد المشاهدات والاشتراكات، أما في نكست دور فنقيس عدد مرات مشاهدة المحتوى.
يضمن هذا النهج قدرتنا على متابعة تغير احتياجات الجمهور وفهمها باستمرار، ومن ثم توظيف الملاحظات الواردة في إعادة صياغة منتجاتنا وتطويرها. فعلى منصة وي تشات، لاحظنا اهتمام المستخدمين بالتواصل مع أفراد مجتمعهم المحلي، فأنشأنا مجموعة تمكنهم من تبادل المعلومات مباشرة حول الفعاليات المقبلة وطلب ما يحتاجون إليه من موارد وطرح استفساراتهم حول الخدمات البلدية والحصول على معلومات بشأن الانتخابات المحلية. ويتولى مراسلونا المجتمعيون الإشراف على هذه المجموعة وتصحيح أي معلومات مضللة قد تتداول عليها، فضلاً عن مشاركتهم المقالات والمواد الإرشادية التي ننتجها ذات الصلة.
في نشرتنا البريدية الرئيسية، "إيرلي أرايفال"، أجرينا العديد من الدراسات الاستقصائية مع القراء والمتخصصين العاملين في دعم المهاجرين، ما دفعنا في النهاية إلى تعديل هيكلية النشرة ونبرتها استناداً إلى تعليقاتهم. فبعد أن كانت في بدايتها تقتصر على حزمة من الروابط المعلوماتية، باتت اليوم تضم تحليلات يكتبها مراسلونا بصيغة المتكلم، إلى جانب قسم "زاوية المجتمع" الذي يتضمن الفعاليات المقبلة وفرص العمل المتاحة.
وتظهر الإحصاءات فعالية هذا النهج؛ إذ تجاوز عدد المشتركين في نشرتنا إيرلي أرايفال 45,000 مشترك، بمعدل فتح رسائل يبلغ نحو 40%، وهو أعلى بكثير من المتوسط المتعارف عليه في القطاع، كما سجلت منصتنا على وي تشات أكثر من 325,000 مشاهدة منذ إطلاقها.
تمثل مختلف جوانب هذه العملية مساراً مستمراً لا يتوقف. ونخطط في دوكيومنتد لإجراء دراسات استقصائية استماعية محدثة مع كل من المجتمعات الأساسية التي نخدمها، بهدف فهم احتياجاتها والاستجابة لها على نحو أفضل، لا سيما في ضوء المستجدات الراهنة. كما أننا بدأنا العمل على صياغة هذه العملية في صورة منهج تدريبي يمكن أن تستفيد منه مؤسسات وغرف أخبار أخرى بوصفه دليلاً لتطوير نهج تحريري جديد وابتكار منتجات جديدة تساعد على الوصول إلى الفئات التي يمكن أن تحقق أكبر استفادة ممكنة من هذه الموارد.
في وقت تشتد فيه الحاجة إلى الوصول العادل للمعلومة، تصبح الاستجابة لاحتياجات المجتمعات المهمشة إحدى الركائز الجوهرية لأي مؤسسة جادة في دعمها. إن تبني منهجية تطوير المحتوى والمنتجات انطلاقاً من احتياجات المجتمع يستحق كل ما يتطلبه من وقت وجهد للوصول إلى الصيغة الملائمة، ويبدأ ذلك كله بالتزام حقيقي بعملية الإصغاء.