لقد استنزف نظام الرعاية الصحية في الولايات المتحدة، فالأفراد والعائلات والموظفون وأصحاب العمل وممولو التأمين الصحي العام والخاص ينفقون جميعاً المزيد من الأموال على الرعاية الصحية كل عام، مع تحسن طفيف في الصحة العامة لمجتمعاتنا. يفوق معدل وفيات الأمهات والرضع في الولايات المتحدة معدلها في معظم البلدان ذات الدخل المرتفع، وتعاني المناطق الريفية والمناطق المحرومة من الخدمات الصحية ارتفاعاً مستعصياً في معدلات الأمراض التي يمكن الوقاية منها والوفيات الناجمة عن أمراض القلب والسرطان والسكتة الدماغية. حتى أننا شهدنا مؤخراً ارتفاعاً في تفشي مرض الحصبة، وهو مرض يمكن الوقاية منه، في المناطق المحرومة من الخدمات في العديد من الولايات، حيث توفي شخص بالغ في نيو مكسيكو وطفلان في تكساس هذا العام.
ويتمثل جزء مهم من الحل في توسيع نطاق الرعاية الصحية المتنقلة لمعالجة مشاكل الوقاية والتوزيع التي تسبب هذه الأزمة. ومع ذلك، هناك عوائق أمام هذا التوسع، وهي السداد والتنظيم والترخيص وشروط الاعتماد ونقص البيانات، وهي عوائق يجب معالجتها في نظام الرعاية الصحية، في كل ولاية على حدة، حتى تتمكن المجتمعات المحلية من الحصول على الرعاية التي تحتاج إليها.
ما أهمية الرعاية الصحية المتنقلة؟
على حد تعبير رائدة الرعاية الصحية المتنقلة الدكتورة نانسي أوريول هناك مشكلتان رئيسيتان تكمنان وراء الأزمة. أولاً، هناك مشكلة في الوقاية لأن النظام يركز في الغالب على العلاج المكلف من الأمراض بدلاً من الفحص والرعاية الوقائية الموفرة للمال. ثانياً، هناك مشكلة في التوزيع: لا يمكن للمستشفيات والعيادات الثابتة أن تصل إلى العديد من الأميركيين، وهذه المرافق تواجه صعوبات، إذ أغلق أكثر من 100 مستشفى على مدار العقد الماضي، ومن المتوقع إغلاق المزيد منها وتقليص خدماتها في ضوء التقليص الأخير في النفقات في برنامج المساعدة الطبية ميديكيد. تسبب عيوب النظام هذه زيادة حجم المشاكل الصحية الصغيرة وزيادة تكلفة علاجها، إذ ندفع جميعاً ثمن ذلك من فواتير طبية وأقساط تأمين وضرائب أعلى، إضافة إلى فقدان أفراد العائلة والأصدقاء، ومن ثم فإن الرعاية الصحية بهذا الشكل غير فعالة.
يمكن لقطاع الرعاية الصحية المتنقلة الموسع أن يعالج مشاكل توزيع نظام الرعاية الصحية والوقاية بالطرق التالية:
الوصول إلى الناس حيث يعيشون ويعملون، والتكيف مع الأولويات الصحية المحلية. على سبيل المثال، توظف شبكة الرعاية الصحية المتكاملة المتنقلة في المناطق الريفية في ولاية ميسوري مسعفين وعاملين صحيين من المجتمع المحلي لإجراء زيارات منزلية منتظمة للمرضى المعرضين لمخاطر عالية، الذين يفتقرون إلى إمكانية الحصول على الرعاية الأولية. كما تشغل الشبكة مركبات مجهزة لتسهيل تقديم الرعاية للمرضى في منازلهم، حتى أنها تحمل نقاط اتصال متنقلة
لتوفير زيارات الرعاية الصحية عن بعد للمرضى الذين يفتقرون إلى إمكانية الوصول إلى الإنترنت.
التركيز على الوقاية من المرض وتقديم الخدمات الأساسية للصحة وجودة الحياة. أحد الأمثلة على ذلك خدمة فاميلي فان في بوسطن، التي تقدم الفحوص الوقائية والتثقيف الصحي للعديد من الأحياء المحرومة. تقدم وحداتها المتنقلة من العاملين في قطاع الصحة المجتمعية والمتطوعين فحوصاً لحالات مثل ارتفاع ضغط الدم والسكري وفقدان الذاكرة والحمل. كما تقدم خدمات الصحة النفسية وتربط المرضى بالموارد المجتمعية فيما يخص التوظيف والتأمين الصحي والمساعدة الغذائية وخدمات طب الأسنان منخفضة التكلفة. وبالمثل، في ميشيغان، تعمل وحدة واين الصحية المتنقلة في المجتمعات التي تعاني نقصاً في الخدمات في ديترويت وفي جنوب شرق ميشيغان، وتتابع التوسع في أنحاء الولاية كافة. يقدم موظفوها من الممرضين المسجلين والمساعدين الطبيين والمساعدين في مجال الأبحاث والعاملين في قطاع الصحة المجتمعية وغيرهم، الفحوصات الوقائية وموارد الصحة السلوكية والرعاية الأولية والإحالات إلى المختصين.
تحقيق توفير فعلي في تكلفة الرعاية الصحية. وجدت دراسة أجريت في عام 2020 على 96 برنامجاً للعيادات المتنقلة في تكساس ونورث كارولاينا وجورجيا وفلوريدا أن تكلفة كل زيارة للمريض أقل بكثير من تكلفة خدمات العيادات الثابتة. كما وجدت دراسة أجرتها جامعة هارفارد خدمة فاميلي فان المذكورة أعلاه، أن كل دولار يستثمر في هذه الخدمة يوفر ما يصل إلى 36 دولاراً سنوياً كانت ستنفق على زيارات قسم الطوارئ. كما أنها تقلل العبء على المستشفيات المتعثرة: وجد تحليل ميتا (التجميعي) عام 2023 في المجلة الأميركية لطب الطوارئ انخفاضاً بنسبة 44% في المتوسط في خطر زيارات قسم الطوارئ وانخفاضاً بنسبة 54% في خطر دخول المستشفى، وتقدر شبكة موبيل هيلث ماب أن الوحدة الصحية المتنقلة يمكن أن تمنع ما يصل إلى 600 زيارة لغرفة الطوارئ سنوياً.
التحديات وبداية النهج الجديد
على الرغم من أن الرعاية الصحية المتنقلة ليست جديدة، فالجديد هو التوسع فيها عبر الولايات، فهو فهذا لم يحدث قبلاً. هناك بضعة آلاف من مبادرات الرعاية الصحية المتنقلة المنتشرة في جميع أنحاء البلاد، مدعومة بمزيج من التمويل الذي تقدمه المؤسسات الخيرية في المقام الأول. لقد مولت مؤسستي، مؤسسة ليون لوينشتاين فاونديشن، مؤسسات مثل التحالف الصحي القائم على المدارس، الذي لديه مراكز في جميع أنحاء البلاد وموارد وأدوات تحقق التكامل مع الخدمات الصحية المتنقلة. وقد دعمنا في وقت سابق من هذا العام إطلاق حملة وطنية بعنوان "تعزيز الرعاية الصحية" لجمع الأطراف المعنية بهدف مناقشة التوسع في الخدمات الصحية المتنقلة. ومع ذلك، فإن التوسع في الرعاية الصحية المتنقلة في أنحاء الولايات المتحدة، يواجه العديد من العوائق الهيكلية، بما فيها المشكلات النظامية المتعلقة بالسداد والتنظيم والترخيص والاعتماد، ونقص البيانات.
السداد: الأعمال الخيرية والمنح ضرورية ولكنها غير كافية لتنمية الرعاية الصحية المتنقلة. وللأسف يستخدم العديد من الجهات التي تمول الرعاية الصحية (شركات التأمين، وهيئات الرعاية الطبية في الولاية، وما إلى ذلك) نماذج تقليدية للرسوم مقابل الخدمة قد تتضمن إرشادات ورموز غير واضحة لفوترة الخدمات الصحية المتنقلة، ما يؤدي إلى رفض المطالبات غير الضرورية وتأخير السداد. كما أن الأسعار التي تقدمها جهات الدفع في الولاية الواحدة يمكن أن تختلف اختلافاً كبيراً، ما يحول دون توقع إيرادات الرعاية الصحية المتنقلة. ويتمثل الحل في العمل على مستوى كل ولاية من خلال المناصرة والتعاون لتغيير طريقة الدفع لتقليل التكاليف الإدارية وجعل الرعاية الصحية المتنقلة مستدامة. على سبيل المثال، عملت وحدة واين هيلث للرعاية الصحية المتنقلة مع شركة تأمين لإنشاء رموز فوترة للدفعات المجمعة أي دفعة واحدة موحدة لمجموعة محددة من الخدمات والإمدادات الصحية مثل العلاجات والاختبارات والإجراءات خلال فترة رعاية محددة يقدمها مقدم رعاية واحد أو أكثر. بالنسبة للشخص المصاب بداء السكري، ستغطي الدفعات المجمعة مجموعة محددة مسبقاً من الخدمات (مثل تقييم المخاطر الصحية والأنسولين ومستلزمات الاختبار) لخدمة هذا الشخص خلال فترة زمنية محددة. وعلى هذا النحو، أصبح لدى مقدم الخدمة تدفق نقدي مستدام ومحدد لتغطية تكاليف التشغيل، أما جهة الدفع فتتجنب التكاليف الناجمة عن حالات الطوارئ التي يمكن الوقاية منها.
التنظيم والترخيص والاعتماد: يتطلب التوسع في الرعاية الصحية المتنقلة تبسيط اللوائح التنظيمية وإجراءات الترخيص في الولايات والمناطق المحلية. فبعض الولايات القضائية لديها لوائح تنظيمية مخصصة فقط للمرافق التقليدية (مثل التصاريح ومعايير الصحة وتسهيل الوصول إلى هذه المرافق على أصحاب الهمم). وبالمثل، قد لا تتلاءم متطلبات الاعتماد مع البيئات المتنقلة ويمكن أن تحد قدرة مقدم الخدمة المؤهل على العمل. أيضاً، بالنسبة للرعاية الصحية المتنقلة التي تتخطى حدود الولاية أو حتى المقاطعة، فإن التنقل بين اللوائح التنظيمية وإجراءات الترخيص المختلفة يخلق أعباء كبيرة تحد من المرونة والنمو. أحد الأمثلة على الإصلاح هو إعفاء الرعاية الصحية المتنقلة من متطلبات شهادة الحاجة في الولاية، أي الموافقات التنظيمية المطلوبة لمشاريع أو استثمارات الرعاية الصحية الكبرى. وقد ألغت أكثر من 15 ولاية أميركية هذه المتطلبات أو قللت منها لأنها مكلفة ومرهقة لمبادرات ناشئة مثل العيادات الصحية المتنقلة. لتوسيع نطاق هذه الجهود، يمكن لممثلي المرضى والمستهلكين والأطباء وغيرهم من المتخصصين في الرعاية الصحية ومشغلي البرامج الصحية المتنقلة والمصنعين وغيرهم من الأطراف المهتمة، توحيد الصوت واستخدام قوتهم لإثبات أن هذه التغييرات ستفيد مجتمعاتهم وتحسن إمكانية الحصول على الرعاية الصحية.
نقص البيانات: تتطلب الرعاية الصحية المتنقلة أيضاً تحسين عملية جمع بيانات نظام الرعاية الصحية وربطها به لتحقيق أثر إيجابي على الصحة والتكاليف. بالإضافة إلى زيادة فعالية الإحالات اليومية وتنسيق الرعاية بكفاءة أعلى، فإن ذلك من شأنه أن يساعد على العمل بطريقة منهجية ويزيل الكثير من التخمينات المتعلقة بالحصول على الرعاية المناسبة في الوقت والمكان المناسبين. ولكن مشاركة المعلومات الصحية الإلكترونية بين الكيانات المختلفة يمكن أن تشكل تحديات في التشغيل البيني. على سبيل المثال، إذا كان مزود الرعاية الصحية المتنقلة الذي يستخدم نظام مركز صحي إقليمي غير متوافق مع نظام المستشفى المحلي، فمن الصعب قياس الأثر على تكاليف المستشفى وصحة المجتمع. والحل هنا يتمثل في الشراكة والتعاون لإشراك الأنظمة الصحية ومقدمي الخدمات والأطراف المعنية الأخرى. يمكن للأعمال الخيرية أن تجمع الأطراف المعنية وتمولهم بل وتوجههم إلى نماذج تستحق الدراسة. على سبيل المثال، سلطت دراسة حديثة أجرتها جامعة جورج تاون بتمويل من مؤسسة ليون لوينشتاين الضوء على نقص البيانات حول النتائج الطويلة الأجل وكفاءة التكلفة لتوجيه التوسع المدروس في الرعاية الصحية المتنقلة. ومع ذلك، أشارت الدراسة إلى موبايل هيلث ماب، وهي شبكة وطنية من العيادات المتنقلة، بوصفها نموذجاً واعداً لمنصة مشتركة لجمع بعض البيانات التي يمكن محاكاتها أو توسيع نطاقها. يمكن أن ينجم عن توحيد البيانات بهذه الصورة رؤى في مجال الصحة تشتد الحاجة إليها، إضافة إلى توفير في التكاليف لأنظمة الرعاية الصحية.
استشراف المستقبل
إن التدفق المتزايد مؤخراً للمنح لتوسيع نطاق الرعاية الصحية المتنقلة أمر مشجع. ففي مايو/أيار، استثمرت مؤسسة هيلث نت ومؤسسة سينتين فاونديشن 7.2 مليون دولار لدعم أسطول من الشاحنات المتنقلة في كاليفورنيا. في أواخر العام الماضي، قدمت مؤسسة عائلة باترسون منحة بقيمة 1.5 مليون دولار لتوسيع نطاق تقديم الرعاية الصحية المتنقلة في المناطق الريفية في ميزوري وكانساس. بالإضافة إلى ذلك، تتبنى المراكز الصحية المؤهلة فيدرالياً استخدام الخدمات المتنقلة كمكمل لتقديم الرعاية الصحية التقليدية: تدعم مؤسسة دايركت ريليف مجموعة من منح الدعم الفني بقيمة 20,000 دولار أميركي للرعاية الصحية المتنقلة تديرها الرابطة الوطنية لمراكز الصحة المجتمعية. علاوة على ذلك، ومع احتمال أن يؤدي تقليص النفقات المتوقع في برنامج ميديكيد إلى تقليل فرص الحصول على الرعاية الصحية في المناطق الريفية، ويمكن للرعاية الصحية المتنقلة في تلك المناطق أن تسد تلك الفجوات إذا كانت أولوية قصوى في طلبات الولايات الفردية هذا الخريف لبرنامج التغيير الصحي الشامل في الريف، الذي تبلغ قيمته 50 مليار دولار.
لكن مثل هذه الاستثمارات يمكن أن تذهب هباءً إذا لم تزدهر الرعاية الصحية المتنقلة وتتوسع باعتبارها قطاعاً. يتطلب تغيير أنظمة الرعاية الصحية التزاماً تعاونياً مركزاً وطويل الأجل. نحن بحاجة إلى عقد اجتماعات على مستوى القطاعات، إذ يمكن للرعاية الصحية المتنقلة والعمل الخيري وحكومات الولايات والحكومات المحلية والمؤسسات المجتمعية ومقدمي الرعاية الصحية وشركات التأمين ومزودي المعدات الاجتماع وإبرام الشراكات. يجب أن نبرم شراكات على مستوى كل ولاية على حدة وأن ندعو إلى الحد من عوائق الدفع والتخلص من صعوبات التنظيم والترخيص والاعتماد، كما يجب أن نتعاون لتحسين جمع البيانات لتحقيق الكفاءة وقياس الأثر على المدى الطويل. سيتطلب الأمر منا جميعاً تغيير نظام الرعاية الصحية في الولايات المتحدة وتوسيع نطاق الوقاية من خلال الرعاية الصحية المتنقلة لإنقاذ الأرواح.