تحقيق الأمان المالي للمرأة من أجل عالم أكثر إنصافاً

4 دقيقة
المرأة
shutterstock.com/FrankHH
استمع الى المقالة الآن هذه الخدمة تجريبية
Play Audio Pause Audio

قد نلاحظ تقدماً بسيطاً في المساواة بين الجنسين على صعيد العمل، لكن لا تزال هناك فجوة في الثروة تقوّض الصحة المالية للنساء العاملات وتزعزع استقرارهن المادي، وتطول هذه المعضلة معظم القطاعات التي تضم نساء من خلفيات ومكانة وظيفية مختلفة، وفي ظل هذا الوضع المعقد، بات من الضروري اتباع طريقة متعددة الجوانب تضم الأفراد والمؤسسات وصنّاع السياسات لسد هذه الفجوة.

المرأة قوة اقتصادية تحتاج إلى دعم

في عالم اليوم المتغير باستمرار، أصبحت المرأة القوة الدافعة لعملية التحوّل الاقتصادي، إذ تمثل نحو 31.8 تريليون دولار من الإنفاق الاستهلاكي السنوي، ومن المتوقع أن يرتفع هذا الرقم مع انضمام المزيد من النساء إلى سوق العمل على مستوى العالم.

وعلى الرغم من ذلك، تواجه النساء تحديات في تأمين مستقبلهن المالي، وغالباً ما يقللن من قيمة أنفسهن، ويترددن في المطالبة بتساوي الأجور مع الرجال، والأهم، أنهن يفتقرن إلى القدرة على الوصول إلى التعليم والموارد المالية، فالإحصاءات تشير إلى أن 30% فقط من النساء في مختلف أنحاء العالم يعتبرن متعلمات مالياً، وتؤكد الأبحاث التي أجراها المركز العالمي للتميز في الثقافة المالية (GFLEC) أن النساء يتخلّفن باستمرار عن الرجال في مستويي الثقة والمعرفة الماليين.

عربياً، ما زالت المنطقة تسجل إحدى أكبر الفجوات بين الجنسين، وبحسب التقرير العالمي للفجوة بين الجنسين لعام 2022، لم يؤدِّ النهوض بالتعليم بعد إلى مشاركة المرأة واستفادتها استفادة كاملة من الفرص الاقتصادية.

والوصول إلى عالم أكثر إنصافاً وازدهاراً، يتطلب مساعدة النساء على تحقيق أمانهن المالي، فقد يسهم ذلك في خلق قيمة اقتصادية مضافة، إذ توقع تقرير شركة ماكنزي آند كومباني أن يضيف تعزيز مساواة المرأة 12 تريليون دولار إلى الاقتصاد العالمي بحلول عام 2025.

السؤال هنا: لماذا تستمر فجوة الثروة في عصر يتسم بزيادة الوعي حول القضايا المتعلقة بالمساواة بين الجنسين؟

تحديات المشاركة الاقتصادية للمرأة وكيفية التغلب عليها

تواجه المرأة العديد من التحديات التي تحول دون تمكينها مالياً ومشاركتها الكاملة في الاقتصاد، وأبرز هذه التحديات:

  • عدم حصول المرأة على مستوى تعليمي جيد، ما سيؤدي إلى عرقلة مسيرة تمكينها اقتصادياً، فالتعليم يسهم في تزويد النساء بالمعرفة والأدوات اللازمة لاتخاذ قرارات مالية مستنيرة، وتوسيع آفاقهن وإطلاق العنان لإمكاناتهن الحقيقية.
  • قد تدفع الظروف المرأة إلى إعالة أطفالها وحدها، وتجد نفسها مضطرة إلى الاعتماد على أقاربها من الرجال لإدارة الأمور المالية، ليجري استبعادها من المناقشات المالية داخل الأسرة، ما يضعها في نطاق الفرص المحدودة نظراً لعدم امتلاكها المهارات والمعرفة اللازمة لنموها الشخصي وكذلك نموها المالي.

خصوصاً المرأة في المناطق الريفية التي لا تمتلك الإمكانات والمهارات التي تمكّنها من السيطرة على مستقبلها المالي، فالعديد من النساء الريفيات ما زلن يفتقرن إلى إمكانية الوصول إلى التكنولوجيا والثقة بها، وعلى الرغم من ارتفاع نسبة ملكية الهاتف المحمول في الأسر؛ لا تزال النساء في المناطق الريفية أقل احتمالاً من الرجال فيما يتعلق بامتلاك هاتف محمول وإمكانية استخدام الإنترنت والخدمات المالية من خلاله.

  • تقع مسؤولية تقديم الرعاية للأطفال أو كبار السن على عاتق المرأة في أغلب الأحيان، ما يؤثر سلباً في حياتها المهنية وقد يدفعها للعمل في القطاع غير الرسمي، وقبول ظروف عمل غير آمنة، بما في ذلك الأجور المتدنية، والتخلي عن مزايا اجتماعية مثل الإجازات المرضية المدفوعة الأجر والتأمين الصحي، والمعاش التقاعدي، الأمر الذي سيكون له تأثير طويل المدى على الوضع المالي للمرأة.

وبحسب منظمة العمل الدولية، يعمل 58% من النساء العاملات في وظائف غير رسمية، وترتفع هذه النسبة في بلدان إفريقيا لتتجاوز 90%، وحتى في الاقتصادات المتقدمة مثل ألمانيا وفرنسا تبلغ فجوة الأجور بين الجنسين 30%.

  • من جهة أخرى، غالباً ما تكافح النساء للعثور على قدوة داخل مجتمعاتهن، وقد تؤثر ندرة النماذج القيادية على تقدم النساء وتطورهن على الصعيدين المهني والمالي، إذ تظهر الدراسات أن القيادات النسائية تساعد على زيادة الإنتاجية، وتعزيز التعاون، وتحسين العدالة.

تصطدم المرأة أيضاً بمحدودية الوصول إلى الموارد والخدمات المالية ما يعوق قدرتها على بدء نشاط تجاري أو تنميته، وتؤكد دراسة للباحثة المصرية رضوى سامي بعنوان: “التحديات التي تواجهها المرأة في القطاع غير الرسمي للمشروعات الصغيرة: التحديات والحلول”، أن الرجال يدعمون نظرائهم فيما يتعلق بالتمويل والإقراض مقابل ضعف الثقة في قدرة النساء على سداد القروض.

الآن، كيف يمكن التغلب على هذه التحديات؟ وما الذي نحتاج إليه من أجل خلق مستقبل يضمن الأمان المالي للمرأة؟

يتطلب سد الفجوة المالية بين الجنسين تمكين المرأة من خلال التعليم، والبدء بتثقيف النساء مالياً وتزويدهن بالأدوات اللازمة لإدارة الميزانية والاستفادة من فرص الاستثمار والادخار، لذا من المفيد إدراج المعرفة المالية في المدارس لتعليم الفتيات في سن مبكرة كيفية بناء أساس مالي متين والتخطيط للمستقبل بثقة، ويمكن أن تشارك الشركات أيضاً في برامج التثقيف المالي والتعليم المصممة تصميماً خاصاً للنساء.

ولكن ربما تكون الحاجة الأكثر إلحاحاً هي توفير بيئات عمل داعمة لتمكين المرأة مهنياً واقتصادياً من خلال معالجة التفاوت في الأجور وتقديم برامج الإرشاد، والتدريب على القيادة، واتباع سياسات مرنة ونهج أكثر توازناً بين الحياة والعمل.

تشير التقديرات إلى أن النساء في الشرق الأوسط يشكّلن نحو 20% من القوى العاملة، وهي واحدة من أدنى النسب في العالم، وعلى الرغم من ذلك، حققت دول مثل الإمارات والسعودية تقدماً ملحوظاً في هذا الإطار، إذ طبقت الإمارات نظام عطلة الوالدين المدفوعة الأجر للموظفين في القطاع الخاص، وتُعد هذه الخطوة جزءاً من الإصلاحات التي قامت بها الدولة لإزالة العوائق التي تحول دون عمل المرأة ومشاركتها في الاقتصاد.

وبالمثل، طورت المملكة العربية السعودية بيئة العمل لتوفر سبلاً أكبر لحماية النساء من التمييز في الحصول على الوظائف والخدمات المالية، إذ زادت مشاركة المرأة السعودية في القوى العاملة بأكثر من الضعف بين عامَي 2017 و2023، وسجلت ارتفاعاً من 17.4% إلى 36%، وشملت هذه الزيادة النساء من مختلف الفئات العمرية ومستويات التعليم، ويعود ذلك إلى الإصلاحات القانونية والتغييرات الهيكلية الاقتصادية التي مهدت الطريق إلى كسر حاجز الأعراف الاجتماعية وفتح الأفق أمام عمل المرأة في جميع القطاعات.

من خلال الجهد الجماعي يمكننا تخطي عقبات تحقيق المساواة وبناء مجتمع تكون فيه الصحة المالية للمرأة أمراً مسلّماً به، وليس مجرد هدف. بالعمل معاً يمكننا خلق عالم أكثر إنصافاً وازدهاراً وضمان مستقبل خالٍ من فجوة الثروة بين الجنسين.