معالجة مشكلة هدر الطعام من جوانبها المختلفة

تعد مشكلة هدر الطعام إحدى المشاكل التي تشغل بال العاملين في المجال الاجتماعي، محاولين إيجاد الحلول المثلى لها والتي تساهم في حل مشاكل الفقر والجوع العالميتين.

اقرأ أيضاً: دور الاقتصاد الدائري في معالجة مشكلة هدر الطعام

يعلم أي بستاني أنّ الجَزَر لا ينمو بشكل مستقيم، بل يلتف حول الأحجار، وينقسم إلى بصيلات نتيجة حدوث طفرات. لكنّ المَزارع تَفرز الخضراوات والفاكهة غير المتناسقة قبل أن تصل إلى متاجر البقالة؛ التي تخزن الطماطم والخوخ والموز المتطابقة من حيث الشكل بعد فرز أي حبة تُعدّ لينة قليلاً، أو لا تنتمي إلى الصنف ذاته، أو ناضجة للغاية؛ التي يحرص الناس عادة على تناولها بسرعة في منازلهم، بينما يتجاهلونها في المتاجر.

تتخلص الولايات المتحدة من 40 مليون طن من بقايا الطعام كل عام بكلفة قدرها 165 مليار دولار؛ الأمر الذي من شأنه أن يزيد من أسعار مواد البقالة، ويهدر الموارد الشحيحة تدريجياً، ويُقدّر الخبراء في أميركا أنّ تلك البقايا تستهلك 11 تريليون غالون من مياه الري.

على الرغم من أنّ حجم بقايا الطعام يصل إلى 1.3 مليار طن على مستوى العالم، يتلقى واحد من كل ستة أميركيين مساعدات غذائية، ويعيش 49 مليون شخص في أسرة تعاني من انعدام الأمن الغذائي. لحسن الحظ، يعمل جيل جديد من الرواد الاجتماعيين على تطوير نماذج الأعمال الجديدة؛ التي تتوسع لمعالجة عدم الكفاءة الشاملة وهدر الطعام في نظامنا الغذائي، من جميع الأوجه، بما في ذلك منع هدر الطعام وبرامج «إنقاذ الطعام».

حلول مشكلة هدر الطعام

من الأمثلة على ذلك شبكة «فود ريكافري نتوورك» (Food Recovery Network)، إذ قرر الطلاب في «جامعة ميريلاند – كوليج بارك» (University of Maryland, College Park) عام 2011 تنظيم جمع وإعادة توزيع حوالي 70 إلى 90 كيلوغرام من الطعام الفائض في غرف الطعام والمباريات الرياضية يوميّاً. بحلول مايو/أيار 2014، جمعت الشبكة أكثر من 180 ألف كيلوغرام من الطعام، وتَوسَّع العمل إلى أكثر من 90 كلّيّة، إضافةً لمساهمة المِنَح التي تتلقاها من الشركات في توسيع البرنامج.

كانت هناك دائماً جهود متواضعة لجمع بقايا الطعام وإعادة توزيعه، إذ يستيقظ موظفو مطاعم الفقراء عند الفجر لجمع ما رفضته متاجر البقالة، ويأكل العاملون في المطاعم وجبات الدجاج غير الصالحة للتقديم، وترسل المزارع عادةً البطاطس التي لا تُباع بسبب شكلها إلى مخازن الطعام. لكنّ الحلول الجديدة المُعتمِدة على التكنولوجيا تحاول مطابقة حجم الطعام المستردّ مع حجم توزيع الطعام على نطاق القطاع؛ أي عمليات التخلص من بقايا الطعام في جميع مراحله، أملاً بالحد من الكمية التي تصل في النهاية إلى مكب النفايات. إليك نظرة على بعض تلك الحلول:

الحيلولة دون هدر الطعام

تحاول العديد من المؤسسات والتطبيقات منع هدر الطعام في مراحله الأولى، أي في المصانع والمزارع والمطاعم. على سبيل المثال، يسمح برنامج «لين باث» (Lean Path) للعاملين في مجال المطاعم بتحميل الصور وتسجيل أوزان بقايا الطعام بانتظام، ثم يُقدّم نتائج تحليلية للأنماط التي قد يعملون على إصلاحها، وتمكَّنَت بعض من تلك المطاعم التي تستخدم ذلك البرنامج من تقليص الهدر بنسبة تصل إلى 80%.

في الوقت نفسه، تُشجّع مبادرة «كالناري ميسفيتس» (Culinary Misfits) في ألمانيا ومبادرة «فيدنغ ذا 5,000» (Feeding the 5,000) في بريطانيا المستهلكين على تقبّل تناول الخضروات والفاكهة غير المثالية؛ مما قد يقلل 20-40% من المنتجات التي لا تصل أبداً إلى رفوف المتاجر.

إعادة توجيه مسار الفائض من الطعام

إنّ تغيير مصير بقايا الطعام؛ المتمثل في هدره ورميه، وتحويل شكله هما الاستراتيجيتان الرئيسيتان لإيصال الطعام غير الصالح ظاهرياً؛ ولكنه مغذي تماماً، إلى الفقراء. أنشأ اثنان من خريجي كلية الأعمال في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا تطبيق «سبويلر أليرت» (Spoiler Alert)؛ وهو بمثابة سوق عبر الإنترنت للتبادل الفوري لمعلومات العرض والطلب المَحلّيّة للأغذية الفائضة، والمنتهية الصلاحية، وكذلك الفاسدة. كما تساعد مؤسسة «لوف فود، هيت ويست» (Love Food, Hate Waste) العائلات على إدارة الطهي واستخدام بقايا الطعام بشكل أفضل، ويتيح تطبيق «ليفت أوفر سواب» (Leftover Swap)؛ وهو سوق عبر الإنترنت معنيّ بالتعامل مع بقايا الطعام، للأشخاص مشاركة الطّعام، وتبادله مع جيرانهم.

أما تحويل الطعام؛ فهو تغيير طبيعته من شكل إلى آخر. تستخدم «روبيز إن ذا رابل» ( Rubies in the Rubble)؛ وهي منظمة بريطانية غير ربحية، هذه الاستراتيجية، وتحول الفائض من الفاكهة إلى صلصات (بإضافة الخضروات والتوابل إليها)، فهي بذلك توظف الأشخاص المُهمَّشين، بينما تعمل على الحفاظ على الطعام. وتحاول مبادرة في واشنطن العاصمة؛ يُطلَق عليها اسم «فارم تو فريزر» (Farm to Freezer)، اقتطاع حوالي ثلاثة مليارات كيلوغرام من المنتجات المهدورة عن طريق تجميد الفائض. تبيع المنظمة بعض الأطعمة المجمدة لتمويل عملياتها، وتسلم الباقي إلى الملاجئ في فصل الشتاء، عندما يكون الإنتاج شحيحاً.

التوزيع

ينبغي لهذه البرامج أن تعمل فقط على مستوى محلي وضيق حتّى تُوسّع نطاقَها؛ كالشُّعيرات الدّمويّة في جهاز الدّوران. إنّ مفهوم التركيز الحديث على المَحلّيّة ليس فقط بسبب الاقتصاد المتعثر، بل لأن التوزيع المحلي هو من ضمن التحديات القليلة التي لم تُعالج بعد في سلسلة التوريد العالمية.

يتطلب التوزيع الفاعل للطعام المحافظة على احترام الناس، وكما هو الحال مع الأسواق المركزية والمطاعم، تُعَدّ مخازن الطعام ومطاعم الفقراء بحاجة إلى تسويق السلع لجذب المستهلكين، إذ نادراً ما يرى الأشخاص ذوي الدخل المنخفض أنفسهم أنهم بحاجة إلى تناول فائض الطعام للمساهمة في محاربة الجوع. جزء من مشكلة السُّمنة في أميركا سببه أنّ الكثيرين يعانون لأجل شراء الأطعمة الصحية، ولكي يتقبلوا ذلك الطعام الفائض، هم بحاجة للنظر إلى هذه الأطعمة على أنها أقل كلفة، وبديل مناسب للأنظمة الغذائية غير الصحية.

إحدى المنظمات التي تتعامل مع الفائض كَمُنتَج هي «ذا ديلي تايبل» (The Daily Table)؛ مقرها دورشيستر، ماساتشوستس. أسّسها الرئيس السابق لشركة «تريدر جوز دوغ روتش» (Trader Joe’s Doug Rauch)، حيث تعتزم طهي الطعام الفائض في وجبات صحية تنافس الوجبات السريعة.

يمكننا أيضاً النظر إلى نماذج التوزيع في أوروبا؛ إذ تضم أكثر من 1,000 متجر رئيسي اجتماعي، ومتاجر بقالة مخصصة للأعضاء المنضمين إليها فقط، وتُقدِّم طعاماً بسعر منخفض جداً. يمكن للأعضاء توفير ما يصل إلى 70% من الطعام الذي رفضه أصحاب المتاجر بسبب التسمية الخاطئة، أو التعليب المتضرر، أو قرب تواريخ انتهاء الصلاحية.

إنّ هذه البرامج لا تكمّل بعضها البعض بالضرورة؛ أي ليس شرطاً أنّه كلّما خفّض برنامج «لين باث» حجم بقايا الطعام في المطاعم وغرف الطعام، تقلّص الإنتاج المتاح لشبكة «فود ريكفري نتوورك» للتبرع به إلى منظمة «ذا ديلي تايبل». سوف يتطور هذا النظام، لكنه يتطلب إيجاد حلول جديدة للمشكلات خلال سير العملية؛ مثل تلك المتعلقة بالتخلص من الطعام بسبب شكله، أو فشل نهج التوزيع الاعتيادي، وستحتاج هذه النماذج الجديدة إلى اهتمام فرديّ. 

من الناحية النظرية، تتخلص الولايات المتحدة من الطعام الذي يمكن أن يكفي لإطعام الفقراء أينما كانوا. نأمل أن يتمكن هذا النظام الهادف إلى الحد من هدر الطعام؛ الذي يعدّ في طور التحديث، وإيصاله لمن هم بحاجة إليه.

يمكنكم الاطلاع على النسخة الإنجليزية من المقال من خلال الرابط، علماً أنّ المقال المنشور باللغتين محمي بحقوق الملكية الدولية. إنّ نسخ نص المقال بدون إذن مسبق يُعرض صاحبه للملاحقة القانونية دولياً.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى