دور الاقتصاد الدائري في معالجة مشكلة هدر الطعام

ربما كان عام 2015 مفصلياً فيما يتعلق بمشكلة هدر الطعام؛ حيث تَمثّل أحد أهداف التنمية المستدامة التي وضعَتها الأمم المتحدة في الحد من الهدر لدى متاجر البيع بالتجزئة والمستهلكين على مستوى العالم إلى النصف بحلول عام 2030، كما حددت وكالة الزراعة وحماية البيئة الأميركية أول هدف مَحلّيّ للحد من الهدر، يتوافق مع الهدف العالمي للأمم المتحدة، وصوَّتت فرنسا لمخالفة محلات السوبر ماركت التي تتخلص من الطعام غير المُباع، وفرضت عليها بدلاً من ذلك التبرع به للجمعيات الخيرية، أو شركات الأعلاف والسماد. بعد فترة قصيرة، تبعتها إيطاليا وحظرت هدر الطعام، وألزمت محلات السوبر ماركت بالتبرع بالأغذية غير المباعة للجمعيات الخيرية، ثم افتتحت الدنمارك أول سوبر ماركت لبقايا الطعام بغاية بيع المنتجات الفائضة.

تؤدي جميع هذه القرارات إلى تعزيز قوة الاقتصاد الدائري؛ أحد أعمدة مؤتمر الأمم المتحدة حول تغير المناخ. في الاقتصاد الدائري، لا يعتمد إنتاج السلع وتقديم الخدمات حصرياً على استخراج الموارد الطبيعية، كما هو الحال في معظم النماذج الصناعية، بل تتم إعادة دمج الموارد وإعادة إنتاجها واستخدامها بنمط دائري. إنّ التطبيق الفعلي لنهج الاقتصاد الدائري يعود بالفائدة على الشركات، وأصبح في الواقع ضرورة تنافسية لكل من الشركات والحكومات.

رفع مستوى الوعي بمشكلة هدر الطعام

إنّ ازدياد الوعي، والاستياء- في الوقت ذاته- من حقيقة أنّ وسائل الراحة الحديثة تؤثر سلباً على الإمداد بالغذاء، وتستنزف الموارد الطبيعية المحدودة بلا مبرر، يؤدي إلى طرح حلول مبتكَرة. في الولايات المتحدة على سبيل المثال، زاد نصيب الفرد من بقايا الطعام بنسبة 50% منذ عام 1974، وعلى المستوى العالمي، نرمي حالياً ثلاثة مليارات طن من الطعام كل عام. في الوقت نفسه، وفقاً لمنظمة الأغذية والزراعة، يعاني مليار شخص من الجوع كل عام، ويعاني مليار آخر من سوء التغذية. لحسن الحظ، بدأ كل من الرواد الاجتماعيين والمدراء التنفيذيين في التفكير بإيجاد حلول مبتكرة مبنية على الاقتصاد الدائري، وموجَّهة نحو الأعمال على نطاق مَحلّيّ للغاية.

يُعدّ تلف الأغذية في محلات البيع بالتجزئة سبباً رئيسياً في مشكلة هدر الطعام. في الاقتصاد الخطي، عادة ما يكون مصير الطعام الذي لا يزال بحالة جيدة؛ ولكن يجب إزالته من رفوف المتاجر، في مكب النفايات، ويعود سبب ذلك في أكثر الأحيان إلى عدم القدرة على تخزينه، إلا أنه من منطلق الاقتصاد الدائري، أنشأت المنظمات غير الربحية والشركات مثل «سبويلر أليرت» (Spoiler Alert) و«وست نو فود» (Waste No Food) و«غوكوبيا» (Gocopia) و«زيرو برسنت» (Zero Percent) أسواقاً عبر الإنترنت لربط تجار التجزئة بالجمعيات الخيرية والجمعيات التي تسترد بقايا الطعام، مُحافِظةً بذلك على الفواكه والخضروات الطازجة بعيداً عن أكوام النفايات. وتُطبّق مؤسسة «فود كاوبوي»  (Food Cowboy) هذا النموذج نفسه مع التركيز على سائقي الشاحنات عبر سلسلة التوريد؛ الذين يجمعون الطعام الذي لا يزال بحالة جيدة ولكن يرفضه تجار التجزئة، ثم يرسلونه إلى بنوك الطعام أو الجمعيات الخيرية؛ التي تحاول الحصول على المخزون من خلال تطبيقات الهواتف الذكية.

يستخدم المطورون أيضاً التكنولوجيا للحد من الهدر من منظور تشغيلي. على سبيل المثال، أنشأت شركة «لين باث» (Lean Path) برنامجاً يسمح للمطاعم وغيرها من المنشآت المعنية بتقديم الطعام بتتبُّع الكميات التي يتم التخلص منها والتكلفة المرتبطة بها، وأدى ارتفاع مستوى الوعي بقيمة الطعام لدى بعض الشركات إلى خفض هدر الطعام بنسبة تصل إلى 80%.

الاستفادة من الأغذية والمنتجات الثانوية غير المثالية

تُعتبر الأطعمة «غير المثالية»؛ مثل الفواكه والخضروات مشوهة الشكل أو التي فيها عيوب طفيفة والتي لا تلبي متطلبات المقاييس الصارمة لمحلات السوبر ماركت، جزءاً كبيراً من مشكلة هدر الطعام، ولكنها يمكن أن تلعب دوراً هاماً في الاقتصاد الدائري. يقبل تجار التجزئة عادة حوالي 60-80% فقط من منتجات المزارعين لأسباب تتعلق بالشكل. في بعض الأحيان، يتخلى المزارعون عن محاصيل جيدة تماماً، ولكن غير مثالية، لتتعفن في الحقول أو يقوم الموزعون برميها، لكنّ شركات مثل «مسفيت جوسري» (Misfit Juicery) تستفيد من هذه المنتجات؛ إذ نظراً لأنّ العصائر المستخلصة بتقنية الكبس الهيدروليكي أصبحت من المشروبات الصحية السائدة، أدرك المؤسسون وجود فرصة مربحة، حيث يمكنهم بيع العصائر بأسعار ممتازة، بعد شراء الفواكه والخضروات بسعر مخفض.

يُقدّم أيضاً نهج استخدام بقايا الطعام والمنتجات الثانوية في صناعة الأغذية فرصة في الاقتصاد الدائري. على سبيل المثال، يرمي مقهى في مدينة بحجم لندن ما يعادل 200 ألف طن من رواسب القهوة سنوياً، لكن تعمل الشركة الناشئة «بايو بين» (Bio-bean)؛ ومقرها لندن، على استخراج الزيوت من تلك الرواسب وإدخالها في الوقود الحيوي، وتعالج المواد الصلبة المتبقية في شكل كرات لاستعمالها للتدفئة. وقد اتخذت شركة «باك تو ذا روتس» (Back to the Roots)؛ ومقرها كاليفورنيا، الطريقة المثبت فاعليتها لزراعة الفطر على رواسب القهوة. وتعمل الآن على تنويع مصادر إيراداتها من خلال فرض رسوم على المقاهي المَحلّيّة لإدارة جمع رواسب القهوة ثم بيعها كمادة ممتازة لتعديل التربة.

بينما أدركت شركة الأغذية الفرنسية «دانون» (Danone) قيمة بقايا مصل اللبن الناتج عن تصفية منتجات الزبادي اليونانية، وبدلاً من رمي هذا المنتج الثانوي الغني بالبروتين، ابتكرت الشركة طريقة لإعادة توظيفه واستخدامه في خطوط  إنتاج أغذية الأطفال، كما تعاونت شركة «ستاربكس» مع إحدى الشركات المصنعة لمحلول العدسات اللاصقة لإدخال رواسب القهوة في إطعام الأبقار من خلال استخدام تقنية تخمير حمض اللاكتيك.

إشراك المستهلكين

إنّ الوصول إلى غذاء منخفض الكلفة، والقدرة على تحمُّل كلفة سير العملية في العديد من البلدان المتقدمة، يجعل ممارسة مبادئ الاقتصاد الدائري على مستوى المستهلك أمراً صعباً، لكنّ الأدوات الجديدة مثل «غرين إيغ شوبر» (Green Egg Shopper) و«لوف فود هيت ويست» (Love Food Hate Waste)؛ والتي تساعد الأشخاص على تتبُّع ما يشترونه ومتى، وتقدم اقتراحات الوصفات للاستفادة من كل مكون، قد تؤدي إلى زيادة رغبة مستهلكين جدد للدخول في هذه العملية. كما أنّ منتجات مثل «بلو آبل» (BluApple) قد تساعد أيضاً؛ حيث تمتص حاويات زرقاء صغيرة مملوءة بالمركّب الكيميائي بيرمنغنات الصوديوم عامل النضج الطبيعي الموجود في الفواكه والخضروات (وهو غاز الإيثيلين) وتحمي المنتج من التلف.

توضّح جميع هذه الأمثلة أنّ معالجة مشكلة هدر الطعام أمر ممكن من الناحية الاقتصادية، ويمكن أن تطلق فرصاً جديدة أمام الشركات. لكننا نحتاج إلى الخطوات التالية:

  1. إدراك أنّ هدر الطعام هو فرصة اقتصادية ضائعة، واكتشاف المراحل التي يتم فيها الهدر. على سبيل المثال، كيف يتعامل المطعم أو خدمة تقديم الطعام في شركتك مع بقايا الطعام؟
  2. التعرف على الشركات وأصحاب المصلحة الذين هم على استعداد للمشاركة في نماذج الأعمال الجديدة وأسباب رغبتهم في ذلك. هل توجد شركات مثل تلك التي ذكرناها في منطقتك؟ كيف يمكنها مساعدة مؤسستك على تحديد الفرص أو العمل كشريك؟
  3. المساعدة على إعادة تصميم سلسلة التوريد؛ بحيث تفسح المجال لإعادة إدماج بقايا الطعام في الدورة الإنتاجية. ونظراً لأنّ موزعي المواد الغذائية ومحلات السوبر ماركت والموردين قد يتكبدون تكاليف باهظة متعلقة ببقايا الطعام، هل يمكنك إجراء تحليل متعمّق للقيمة وسلاسل التوريد التي تتبعها شركتك، وإيجاد طرق للحد من هذا الهدر؟
  4. إشراك المستهلكين في تشكيل الطلب على المنتجات المستدامة. يُعدّ إشراك المستهلكين كشركاء نشطين في استراتيجية مُعاد تصميمها للحد من هدر الطعام أمراً بالغ الأهمية لنجاح أي مبادرة من هذا النوع. هل يمكنك توصيل استراتيجيتك الجديدة بشكل فاعل من خلال إشراك المستهلكين بصفتهم عوامل تغيير نشطة؟

يُعتبر الوصول إلى أهداف التنمية المستدامة من التحديات الكبيرة التي تواجهنا، لكنّ تحديد مكان البدء هو خطوة أولى مهمة، ونظراً للارتباط الكبير لبقايا الطعام بالعديد من جوانب سبل العيش، فضلاً عن بساطة مفهومه وانتشاره، نعتقد بشدة أنه يُمثّل «حلاً سهلاً» في السعي لتحقيق هدف الحد من الهدر. كما تُعدّ الشركات في موقع جيد للاستفادة من الزخم الحالي المرتبط بمحاولة إيجاد حلول لهذه المشكلة، لذلك ينبغي عليها أخذ زمام المبادرة في الاقتصاد الدائري.

اقرأ أيضاً: إعادة تصميم نظام القطاع الغذائي.

يمكنكم الاطلاع على النسخة الإنجليزية من المقال من خلال الرابط، علماً أن المقال المنشور باللغتين محمي بحقوق الملكية الدولية. إن نسخ نص المقال بدون إذن مسبق يُعرض صاحبه للملاحقة القانونية دولياً.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى