وضع الاعتبارات الصحية في مركز جهود معالجة التغير المناخي

جهود معالجة التغير المناخي
unsplash.com/Milo McDowell
استمع الى المقالة الآن هذه الخدمة تجريبية
Play Audio Pause Audio

%40 من سكان العالم معرضون بدرجة كبيرة لمخاطر تأثيرات التغير المناخي، ويعيش غالبيتهم في الدول التي لم تكن سبباً فيه، والمخيف أيضاً أن هذا التغير المناخي ليس من المخاوف الرئيسة التي تهدد هذه المجتمعات؛ فهي تعاني نقصاً حادّاً في خدمات الرعاية الصحية، وانعدام الأمن الغذائي وشح المياه، وتواجه عموماً صعوبة في تلبية احتياجاتها الأساسية.

على الرغم من أن التغير المناخي هو بلا شك من العوامل الأساسية لهذه المشكلات، فمواجهة التغير المناخي والعدالة المناخية في آن معاً يستدعي دراسة مستويات رفاهة المجتمعات وليس التقدم البيئي الذي تحرزه فحسب؛ كيف يمكن للإنسان تحمل آثار التغير المناخي أو المساعدة في حل المشكلات التي يواجهها إذا لم يتمتع بصحة جيدة تساعده على الازدهار يوماً بعد يوم؟

يجدر بالشركات على اختلاف أدوارها في توفير الوظائف والتوريد والاستثمار أن تتبنى عقلية الاستدامة الشاملة باتخاذ إجراءات تسهم في تحسين البيئة وسبل العيش في آن معاً لا سيما في المجتمعات الضعيفة ضمن سلاسل القيمة، والشركات التي توفر الخدمات الأساسية مثل خدمات الرعاية الصحية والإمدادات الغذائية لديها فرصة ممتازة لتطوير أهدافها وخططها التي تأخذ اعتبارات الرفاهة الإجمالية في حسبانها وتدعم البيئة والمجتمع بالتوازي، علماً أن جميع الشركات قادرة على تطوير النهج التي تتبعها كي تتمكن من الاهتمام ببناء مجتمعات صحية بنفس القدر أو أكثر.

بغضّ النظر عن النهج الذي تتبعه الشركة لتحقيق هذا الهدف، فمن الضروري أن تعتبر الاستدامة البيئية والاجتماعية جزءاً لا يتجزأ من عملياتها وأن تحصل على الدعم الكامل من قيادتها كي تتمكن من دمج جميع القرارات والاستثمارات والابتكارات وأنظمة القياس المتعلقة بالاستدامة في أعمالها على نحو هادف، وأقترح 5 طرق للبدء.

1. سلاسل التوريد

كما هو الحال فيما يتعلق بالبصمة البيئية، يتعين على الشركات تقييم الطرق الممكنة والوقت المناسب لدعم صحة الناس وسبل عيشهم في جميع أنشطتها، ثم اتخاذ الإجراءات اللازمة في جميع أجزاء سلاسل القيمة والتوريد. مثلاً، بإمكان أي شركة بغضّ النظر عن القطاع الذي تنتمي إليه بناء منشأة “للتمكين المستدام” ضمن مجتمع متدني الدخل توفر من خلالها فرص العمل لأفراده وتدعم رفاهتهم؛ خذ مثلاً شركة صناعة الأدوية موديرنا (Moderna) التي أعلنت مؤخراً أنها ستبني منشأة لتصنيع لقاح الحمض النووي الريبي (رنا) المرسال (mRNA) في كينيا لتوفير فرص عمل جديدة في المنطقة وتصنيع اللقاحات الضرورية التي تعاني الدول الإفريقية كافة حاجة ماسة إليها، وبالنظر إلى تعهد شركة موديرنا بتحقيق صافي انبعاثات الكربون الصفري بحلول عام 2030 فعلى الأرجح أنها ستصمم المنشأة لتكون مستدامة بيئياً.

ومن الممكن أن تضع الشركات أهدافاً لاستراتيجيات الحوكمة البيئية والاجتماعية وحوكمة الشركات تسهم في رفع مستوى رفاهة الموردين على المدى المنظور وتشكّل أساساً لتقليص بصمتها البيئية في المستقبل. خذ مثلاً برنامج التمويل فوريفر بيتر (Forever Better) الذي يحفّز الموردين على اتخاذ إجراءات فيما يتعلق بالمشكلات المناخية والاجتماعية؛ طورته شركة الأحذية والألبسة الرياضية، بوما (Puma) بالتعاون مع مؤسسة التمويل الدولية، إنترناشيونال فاينانس كوربوريشن (International Finance Corporation)، ويوفر أفضل شروط السداد للموردين الذين يحرزون أكبر تقدم في معايير الحوكمة البيئية والاجتماعية وحوكمة الشركات التي تشمل تخفيض انبعاثات الكربون وتحسين شروط العمل للموظفين. في حين طورت شركة علوم الحياة، باير (Bayer)، برنامجاً بعنوان بيتر لايف فارمنغ (Better Life Farming) لدعم صغار المزارعين في البلدان ذات الدخل المتوسط والمتدني عن طريق تقديم منتجات زراعية عالية الجودة مثل البذور ومنتجات حماية المحاصيل إلى جانب التدريب التعليمي في إدارة المزارع والدخول إلى السوق وريادة الأعمال والخدمات الاستشارية البيئية. بدأ البرنامج الآن بتوفير التمويل والخدمات الصحية في دول مثل إندونيسيا والمكسيك، وهي تشمل التوجيه فيما يتعلق بالعناية بالنفس والتغذية والتخطيط الأسري.

2. الابتكار

يجب أن تعمل الشركات أيضاً على تصميم المنتجات والخدمات الجديدة، لا سيما حلول الرعاية الصحية، مع مراعاة احتياجات فئات المستهلكين والمجتمعات على اختلافها. وبما أن نصف سكان العالم يفتقرون إلى إمكانية الحصول على الخدمات الصحية الأساسية، فالفرصة متاحة لتصميم الحلول لهذه الفئة التي تطلب منتجات وخدمات عالية الجودة وتعتزم إنفاق المال عليها.

لكن تصميم خدمات الرعاية الصحية مع مراعاة اختلاف كل من المجتمعات واحتياجات المستهلكين يستدعي أن تأخذ الشركات في حسبانها العوامل الاجتماعية المختلفة المحددة للصحة (وهي تشمل الظروف البيئية) ومستويات الثقة المتفاوتة في أنظمة الرعاية الصحية والقواعد الثقافية. خذ مثلاً مؤسسة الامتيازات الصحية يونايتد هيلث غروب (United Health Group) التي تعهدت مؤخراً ببناء قوة عاملة أكثر تنوعاً من الناحيتين العرقية والإثنية عن طريق تحسين برامج التدريب الموجهة للكليات وبرامج المنح الدراسية المعروفة بأنها تخدم مجتمعات أصحاب البشرة الداكنة، سيؤدي إنشاء قوة عاملة تضم ممثلين عن جميع الفئات السكانية المتنوعة إلى زيادة احتمالات أن يفهم العاملون في القطاع الصحي الاحتياجات الفريدة للمرضى على اختلافهم ويبتكروا في أساليب تقديم الرعاية لهم، وثبت أن ذلك يؤدي إلى تحسين مستويات الراحة التي يشعر بها المرضى وتقليص التفاوت الصحي بينهم ورفع جودة الرعاية المقدمة.

يُعدّ قسم صحة المستهلكين في شركة باير مثالاً آخر، إذ وضع هدفاً يتمثل في توسيع الخدمات الصحية اليومية لتشمل 100 مليون شخص في المجتمعات المحرومة بحلول عام 2030؛ ولكن كي تتمكن الشركة من تحقيق نجاح تجاري واجتماعي على حد سواء لا بد لها من إعادة النظر في تصميمها، وأن تصنع منتجاتها بناءً على الاحتياجات الطبية الفريدة للمستهلكين المحرومين وتوفير كمية أكبر من المنتجات بنقاط سعرية ميسورة في المتاجر التي يتردد المستهلكون إليها بالفعل. تمثل أحد جوانب تعهد شركة باير في إطلاق أبحاث حول مشكلات صحية معينة، مثل الربو الذي يعيش عدد كبير من المصابين به في بيئات تعاني تلوث الهواء، وستساعد هذه الأبحاث في توفير المعلومات اللازمة لتصميم المنتجات والخدمات الجديدة التي تلبي احتياجات هؤلاء المستهلكين وتسعيرها وتحديد المواضع المناسبة لها في المتاجر.

كما يمكن أن تبحث الشركات عن الأفكار المبتكرة الخارجية؛ خذ مثلاً شركة صنع المشروبات أيه بي إن بيف (AB InBev) التي تقيم كل عام مسابقة تتمثل في طرح 10 مشكلات في الاستدامة الاجتماعية والبيئية على رواد أعمال من مختلف أنحاء العالم، وتقدم جائزة 100 ألف دولار كل عام للمرشحين الناجحين في ابتكار الحلول بهدف دعم المشاريع التجريبية وبرامج التوجيه. في كثير من الحالات أفضى هذا الدعم إلى برامج ابتكارية ترفع سوية الرفاهة في المجتمعات المحرومة، وذلك يشمل إعادة استخدام الحبوب المحفوظة التي لم تستخدم في عملية صنع المشروب لإنتاج أطعمة مغذية وتطوير تكنولوجيا لتحسين جودة المياه.

3. الاستثمار

يتطلب تحقيق الاستدامة البيئية والاجتماعية استثمارات هادفة، وبالتالي من الضروري أن تنظر الشركات إلى الاستدامة على أنها استراتيجية لبناء الأعمال لا محور منفصل للعمل أو جزء من المسؤولية الاجتماعية للشركة. يعني دمج الاستدامة في التخطيط الاستراتيجي أن تهدف قرارات الاستثمار إلى تحسين صحة الناس وسبل عيشهم وحماية الكوكب ورفع صافي أرباح الشركة في آن معاً؛ يجب ألا تعتبر الاستدامة ملحقاً، بل أن تصبح جزءاً لا يتجزأ من الطرق الكلية التي تتبعها الشركات لتصميم عملياتها بما يتناسب مع المستقبل.

لذلك من الضروري تطوير خطة عمل قابلة للقياس؛ على الرغم من أن شركات كثيرة تعقد شراكة مع مؤسسة ساينس بيسد تارغتس إنشياتف (Science Based Targets Initiative) لتساعدها في تحديد أهداف قائمة على العلم وقابلة للقياس لتخفيض انبعاثات الكربون، فمن الصعوبة بمكان فهم معايير القياس التي تركز على أهداف الاستدامة الاجتماعية مثل تحسين إمكانية الوصول إلى الرعاية الصحية أو الغذاء. إلا أن شركة التكنولوجيا الصحية، فيليبس (Philips)، تقوم بعمل مثير للاهتمام في توحيد المقاييس ضمن منصتها القائمة على الأبحاث، فيوتشر هيلث إندكس (Future Health Index)، التي توضح ما تفعله دول العالم لتشكيل مستقبل الرعاية الصحية، إذ يشير “مقياس القيمة” الشامل الذي تعتمده إلى القيمة التي تحققها أنظمة الرعاية الصحية في أسواق مختلفة، وهو يشمل إتاحتها والقدرة على تحمل تكاليفها وجدارتها بالثقة وفعاليتها وكفاءتها، ويمكن لهذه المقاييس مجتمعة توضيح صورة العائد على الاستثمار وأثره الكليين.

من أجل تحديد أهداف الاستدامة الاجتماعية بدقة أكبر، تعمل شركة باير على مراقبة جهودها المتعلقة بالاستدامة بواسطة معايير صارمة مثل معايير مراقبة عملها المالي تماماً، كما أن تعويضات مجلس إدارتها مرتبطة بالتقدم الذي تحرزه في أهداف الاستدامة كلها وليس أهداف الاستدامة البيئية فحسب، إضافة إلى أنها أنشأت مجلساً خارجياً للاستدامة وهيئة رقابية تركز على التقدم والحوكمة.

4. التأثير في السياسة

لا شك في أن السياسات تؤدي دوراً أساسياً في بناء مجتمعات تتمتع بالصحة الجيدة والقدرة على التحمل، وبوسع الشركات أن تعزز البرامج الصحية الحكومية الحالية عن طريق سياساتها المعنية بالموظفين، وأن تستفيد من حجمها لإيقاع أثر إيجابي على القطاع العام.

في أثناء جائحة كوفيد-19 مثلاً عملت عدة شركات على تعزيز الامتيازات المقدمة للموظفين وتطويرها من أجل إكمال السياسات الحكومية أو سدّ فجواتها، فتم توسيع الامتيازات في أغلب الحالات لتشمل إمكانية الحصول على خدمات الرعاية الصحية عن بعد وخدمات الصحة النفسية ورعاية الصحة الإنجابية الإضافية وسداد تكاليفها. وأما من جانب التأثير في القطاع العام، فتتشارك شركة التكنولوجيا الطبية بيكتون ديكنسون آند كومباني (Becton, Dickinson, and Company) مع مبادرة خطة الرئيس الطارئة لإغاثة مرضى الإيدز (بيبفار) (President’s Emergency Plan for AIDS Relief) (PEPFAR) لتطوير نظام مكافحة العدوى (Infection Prevention and Control)، ويهدف هذا المشروع إلى تحسين ممارسات سحب الدم من المرضى من أجل منع انتقال عدوى مرض الإيدز. ساعدت هذه الشراكات بين القطاعين الخاص والعام على إنقاذ حياة 21 مليون شخص ومنعت إصابة ملايين الأشخاص بالإيدز وسرّعت السيطرة على الوباء في أكثر من 50 دولة.

5. قدرة المجتمع على التحمل

أخيراً، تتمتع شركات كثيرة بالحجم والموارد الكافية لتقديم المساعدة للمجتمعات التي تعاني صعوبات نتيجة للظروف الجوية القاسية والكوارث الأخرى، ولكن يمكنها أيضاً الاستفادة من حجمها ومواردها والتشارك مع الحكومات المحلية والمؤسسات غير الحكومية لخلق فرص عمل وإنشاء البنية التحتية التي تتيح بناء مجتمعات تتمتع بصحة أفضل على المدى الطويل. هذا مهم لأنه من المرجح أن تزداد الكوارث المرتبطة بالتغير المناخي ولن يكون بإمكان المجتمعات النهوض من الصفر كل مرة.

لا تستدعي مبادرات بناء القدرة على التحمل بالضرورة تغيير السياسات أو وضع قوانين جديدة، بل يمكنها المساعدة في تلبية احتياجات الناس الأساسية ببساطة، خذ مثلاً شركة باير التي تعمل مع الشركة الاجتماعية، ريتش52 (reach52) ضمن إطار مبادرة فجوة المواد المغذية (The Nutrient Gap Initiative) التي تقوم بها؛ تهدف هذه الشراكة إلى توفير المكملات الغذائية من فيتامينات ومعادن لنحو 50 مليون شخص في المجتمعات المحرومة بحلول عام 2030، وتعمل المؤسستان الشريكتان معاً على تدريب متطوعي خدمات الصحة المجتمعية في كينيا ليصبحوا فيما بعد وكلاء لشركة ريتش52، وستعملان بناء على بيانات التغذية التي يجمعها الوكلاء على تزويد المجتمعات التي يصعب الوصول إليها بالتعليم اللازم حول المواد والمكملات الغذائية التي تلبي احتياجاتهم الغذائية الخاصة.

كما بدأت عدة شركات لتجارة التجزئة بإدخال الخدمات الصحية إلى متاجرها، خذ مثلاً مبادرة النقاط الصحية (Health Zones) التي تقيمها شركة سي في إس هيلث (CVS Health) التي تستثمر في الخدمات الصحية ضمن متاجرها بقيادة مؤسسات شريكة من أجل مساعدة الناس على معالجة مجموعة العوامل التي تسبب التفاوت الصحي، ومنها التشرد وعدم القدرة على تأمين الطعام أو عدم توفر برامج تدريب القوة العاملة، في حين تقدم عيادات وولمارت الصحية (Walmart Health Clinics) خدمات الرعاية الصحية الجيدة والمناسبة والمنخفضة التكلفة (ومنها عيادات الأسنان والعيون وخدمات التشخيص المرضي) باتباع سياسات تسعير شفافة لمن لا يشملهم التأمين. تعمل كلتا المبادرتين على تلبية احتياجات أهالي المجتمعات المحرومة حيث يعيشون ويتسوقون بالفعل، وبذلك فهي تقدم حلولاً مريحة لإزالة العوائق التي تمنعهم من الحصول على الرعاية الصحية.

في الختام، سيؤدي التزام الشركات الحياد المناخي وصافي انبعاثات الكربون الصفري إلى تقدمنا نحو العدالة المناخية، ولكن من أجل مساعدة أفراد المجتمعات الضعيفة على تحمّل تأثيرات التغير المناخي والتصدي لها يجب أن تشمل الحلول تلبية احتياجاتهم الأساسية وتحسين رفاهتهم الكلية. وبوسع الشركات، بل حريّ بها على اختلاف أدوارها في توفير الوظائف والتوريد والاستثمار أن تشارك في مجال الصحة وتتعهد بالتحقق من سلاسل القيمة وأساليب الابتكار التي تتبناها واستثماراتها وجهودها المجتمعية وتأثيرات سياساتها وتطويرها بهدف إنشاء مجتمعات تتمتع بصحة أفضل وقدرة أكبر على التحمل.

يمكنكم الاطلاع على النسخة الإنجليزية من المقال من خلال الرابط، علماً أنّ المقال المنشور باللغتين محمي بحقوق الملكية الدولية. إنّ نسخ نص المقال دون إذن سابق يُعرض صاحبه للملاحقة القانونية دولياً.

Content is protected !!