لماذا تنجح القرى المتعددة الأجيال في تربية أطفال الرعاية البديلة؟

المجتمعات المتعددة الأجيال
استمع الى المقالة الآن هذه الخدمة تجريبية
Play Audio Pause Audio

يمكن للمجتمعات متعددة الأجيال المخطط لها جيداً أن تساعد على دعم العائلات التي ترعى أطفال الرعاية البديلة، بالإضافة إلى الشباب وكبار السن الذين يبحثون عن سكن منخفض التكلفة ومجتمع صديق.

يصل عدد الأطفال في نظام الرعاية البديلة في الولايات المتحدة الأميركية إلى حوالي 400 ألف طفل يعيشون ويتلقون الرعاية من قبل أشخاص ليسوا آباءهم البيولوجيين. وقد عانى العديد منهم من سوء المعاملة والإهمال وغيرها من الصدمات النفسية الخطرة التي يمكن أن تتفاقم بسبب التنقلات المتكررة والانفصال عن الإخوة.

وفي حين أن معظم هؤلاء الأطفال يعودون في نهاية المطاف إلى أسرهم البيولوجية، فإن حوالي 70 ألف طفل منهم لا يعودوا. فعندما يموت الوالدان البيولوجيان لطفل ما، أو يسجنا، أو يتم إثبات أن حضانتهما غير صحية أو آمنة للطفل، غالباً ما يتم دعوة الجدات أو العمات أو غيرهن من الأقارب للتدخل بسرعة كأهال بالتبني أو أولياء أمور. لكن العديد منهم يفتقرون إلى السكن الملائم والدعم العاطفي المطلوب لرعاية الأطفال المتبَنين المصابين بصدمات نفسية، وخاصة إذا كانوا آباء عازبين بالتبني، فعندها قد تكون التحديات هائلة.

كما أشارت مقالات أخرى في هذه السلسلة، يواجه عدد متزايد من البالغين الأميركيين مشاكل مالية وسكنية، فضلاً عن العزلة الاجتماعية وانعدام الهدف. والعديد منهم أرامل أو عازبون بدون أقارب قريبين منهم ولا يمتلكون الدعم الفعلي أو العاطفي أو المساعدة التي يحتاجون إليها لتحقيق الازدهار.

في حين أن مشاكل الأطفال بالتبني مختلفة عن مشاكل الآباء بالتبني ومشاكل البالغين وجميعها صعبة الحل، فإن “القرى متعددة الأجيال” المخطط لها جيداً يمكن أن تساعد في معالجتها في وقت واحد. فالمساكن عالية الجودة منخفضة التكلفة والبيئات الداعمة التي تهدف إلى جمع الأشخاص اليافعين والبالغين من أعراق وخلفيات وأعمار متنوعة تعزز الروابط العميقة بين السكان الذين يساعدون بعضهم البعض على تحسين حياتهم.

تم تصميم أول مجتمع متعدد الأجيال لمساعدة أطفال نظام الرعاية البديلة على الانضمام إلى عائلات بشكل دائم من قبل أستاذة علم الاجتماع بريندا كراوس إي هارت. وتمثلت فكرتها في تحديد العائلات التي تعاني من صعوبات مشابهة ضمن نطاق جغرافي قريب ليتمكنوا من مشاركة الموارد والخبرات، ودمج كبار السن الذين يحتاجون إلى المجتمع ويستطيعون دعم هذه العائلات عبر تقديم الوقت والمهارات والرعاية. وكانت النتيجة إنشاء مجتمع “هوب ميدوز” (Hope Meadows)، الذي افتُتح عام 1996 في منطقة رانتول بولاية إلينوي الأميركية.

ظهرت فيما بعد مجتمعات سكنية أخرى متعددة الأجيال مستوحاة من هوب ميدوز ومصممة للجمع بين ثلاثة أجيال في جميع أنحاء الولايات المتحدة. فعلى سبيل المثال، أنشأت مؤسسة “تريهاوس” (Treehouse Foundation) مجتمعاً لدعم أطفال نظام الرعاية البديلة وأسرهم وكبار السن في مدينة إيستهامبتون بولاية ماساتشوستس. وتخدم مؤسسة “جينيسيس” (Genesis) الأمهات الشابات اللائي تركن نظام الرعاية البديلة من دون موارد أسرية أو سكن في واشنطن العاصمة. بينما يعمل مشروعنا “بريدج ميدوز” (Bridge Meadows) على مساعدة أطفال نظام الرعاية البديلة وآبائهم بالتبني وكبار السن في ولاية أوريغون الأميركية.

آلية العمل

على الرغم من أن هذه المجتمعات تعمل بشكل مختلف عن بعضها البعض، إلا أنها جميعاً تخدم إما أطفال الرعاية البديلة أو الشباب الذين سبق لهم تجربة الرعاية البديلة، بالإضافة إلى كبار السن. ويوفر كل مجتمع منها السكن وخدمات الدعم، ويهدف إلى الاستفادة من مساعدة الجيران لبعضهم البعض.

لتوضيح الخطة بشكل أفضل، تم افتتاح مجتمع بريدج ميدوز عام 2011 بهدف تحويل اعتماد الأفراد من الخدمات الاجتماعية الممولة من قبل الحكومة إلى الرعاية المجتمعية. واليوم أصبحنا ندير مجتمعين سكنيين متعددي الأجيال في منطقة بورتلاند بعدد سكان إجمالي يبلغ 135 شخصاً -50 طفلاً و20 من الآباء و65 شخصاً من كبار السن- ونخطط لافتتاح مجتمع ثالث في وقت لاحق من هذا العام. ويتضمن المقيمون أسر الرعاية البديلة المحالة من قبل إدارة الخدمات الإنسانية في ولاية أوريغون والبالغين الذين تزيد أعمارهم عن 55 عاماً والذين تعرفوا على المجتمع من خلال الكلام المتناقل أو وسائل التواصل الخاصة بنا.

يقدم مجتمع بريدج ميدوز العديد من الخدمات بالإضافة إلى مساعدة القاطنين على إنشاء شبكات الدعم الخاصة بهم. حيث يلعب العاملون في مجال الخدمات الاجتماعية دور الميسرين والمدربين والمستشارين المختصين بمعالجة الصدمات النفسية لمساعدة السكان، مع التركيز على مساعدة الأطفال على الشفاء بالدرجة الأولى. كما نقدم صفوفاً متعددة الأجيال في الفن وغيره من المجالات، وحفلات عشاء أسبوعية للمجتمع، وحديقة مجتمعية حيث يتمكن السكان الشباب والكبار من الالتقاء وتوثيق الروابط بين بعضهم البعض.

تمكن نموذجنا من إحداث فرق في حياة الناس عبر ثلاثة أجيال مختلفة، وذلك بتمويل من مجموعة من العقود الحكومية ورسوم التطوير العقاري وإيرادات الإيجار والعمل الخيري الخاص من المؤسسات والأفراد والشركات. ولقد بقي 90% من الأطفال ضمن أسرهم الجديدة التي وضعوا فيها مع أشقائهم، والغالبية العظمى منهم يذهبون إلى المدرسة بانتظام، وأفاد 80% من الشباب بأنهم لاحظوا اكتسابهم للمزيد من المرونة في التعامل مع التحديات. وإن كل طفل ينضم لأسرة دائمة ويعيش ضمن مجتمع بريدج ميدوز يوفر على الخدمات البشرية حوالي 439 ألف دولار سنوياً من دفعات خدمات الرعاية البديلة. وفي الوقت نفسه، أفاد حوالي 85% من الآباء بالتبني أن العيش في هذا المجتمع قد ساعدهم بشكل فعال على تربية اليافعين الذين عانوا من صدمة نفسية ورعايتهم؛ وأفاد 80% من كبار السن بأنهم تمكنوا من إيجاد معنى وهدف جديد لحياتهم من خلال العلاقات بين الأجيال المختلفة.

مفاتيح النجاح

على مدى السنوات العشر الماضية، تعلمنا الكثير حول إنشاء مجتمعات فعالة متعددة الأجيال، ونأمل أن تساعد الأفكار التالية الآخرين الذين يسعون إلى توفير منازل دائمة ودعم مجتمعي للأطفال والآباء بالتبني وكبار السن.

1. حدد توقعات واضحة

يتوقع السكان الجدد أحياناً إقامة علاقات وثيقة مع الآخرين وتلقي دعم غير محدود بشكل فوري. وعندما لا يحدث هذا، فقد يشعر هؤلاء بالارتباك والغضب والإحباط أو يظنون أنهم يرتكبون بعض الأخطاء. كما أنهم قد يقللون من تقدير احتياجهم للخصوصية. فعندما يصل الآباء لأول مرة، فإنهم يحتاجون إلى الاستقرار والتركيز على أطفالهم ومساعدتهم على التأقلم في المدرسة وتحديد انخراط الأسرة في الأنشطة المجتمعية.

من المهم منذ البداية التشديد على أن العلاقات تتطلب وقتاً لتتطور. حيث يستفيد المقيمون المحتملون من الاجتماع مع الموظفين والمقيمين الحاليين، عبر تلقي المواد المكتوبة ومناقشة التوقعات قبل أن يقرروا اتخاذ خطوة الانتقال. ولدعم الانتقالات السلسة، يقيم مجتمع بريدج ميدوز مناقشات عبر تطبيق زووم وعلى أرض الواقع مع المقيمين المحتملين، ويجري محادثات مستمرة مع السكان بمجرد انتقالهم إلى المجتمع. كما أننا نعمل أيضاً على تطوير دليل توجيهي شامل.

2. استخدم التصميم والهندسة المعمارية لتعزيز الروابط

من الناحية المثالية، يعزز تصميم المجتمعات متعددة الأجيال العلاقات بين الأجيال المختلفة مع الحفاظ على المساحات الخاصة للعائلات وكبار السن. يتطلب التصميم الجيد الانتباه إلى التفاصيل، بما في ذلك مكان تقاطع الأرصفة، واتجاه النوافذ، وأين توجد مساحات التجمع المشتركة وتخطيط حجمها. وعند تنفيذها بشكل جيد، تعمل هذه الميزات معاً لتيسير إحساس التواصل والأمان مع تقليل العزلة الاجتماعية.

ففي بريدج ميدوز على سبيل المثال، تمتلك كل عائلة وكل شخص من كبار السن شقته الخاصة أو منزله الخاص. وجميع هذه المنازل تتصل بفناء ريفي داخلي مشترك مليء بالأشجار والعشب ونباتات الزينة. كما أن معظم النوافذ تواجه الفناء وتخلق خطوط رؤية للبالغين لمراقبة الأطفال، وتتميز المنازل الريفية بوجود شرفات خلفية حيث يمكن للناس التجمع. وتشتمل الهندسة المعمارية أيضاً على مساحات داخلية صغيرة في المباني المشتركة لإقامة أنشطة مثل القراءة أو أداء الواجبات المنزلية مع الأطفال، وتحتوي على غرفة مجتمعية كبيرة بها نوافذ واسعة وإضاءة طبيعية تعمل كمساحة تجمع لاحتفالات التبني والوجبات الجماعية وإعطاء الدروس وإقامة الاحتفالات التذكارية وغيرها من الاجتماعات.

3. تنفيذ الالتزامات والاستقرار والتواصل مع أطفال الرعاية البديلة

إن الأطفال المتبنون كي يتمكنوا من الازدهار، يحتاجون إلى تنفيذ البالغين التزاماتهم تجاههم، والاستقرار في منازلهم وأحيائهم ومدارسهم الجديدة، وإقامة روابط متينة مع أسرهم البيولوجية أو المختارة. حيث تخلق هذه الركائز الثلاثة شعوراً بالانتماء والقبول والأمان لدى الأطفال الذين كانوا سابقاً في نظام الرعاية البديلة، وتمكنهم من الشعور بالتقدير والرعاية.

من بين الأمثلة، تبنت إيلين إحدى سكان بريدج ميدوز ابني أختها عندما كانا في الرابعة والخامسة من العمر. كان كلاهما قد ولدا ولادة مبكرة ويعانيان من صعوبات التعلم ونوبات الغضب المتكررة التي جعلت طقوس الصباح صعبة على الجميع. شكلت إيلين التي كانت تعمل بدوام كامل علاقة مع روزي، وهي امرأة عزباء في السبعينيات من عمرها، بدأت تساعد إيلين في تحضير وجبة الإفطار كما بدأت في القراءة للطفلين وتعليمهما السباحة بعد المدرسة. حيث أن ارتباط روزي بالطفلين والتزامها بهما، جنباً إلى جنب مع رعايتها اليومية لهما، ساعدهما على أن يصبحا أكثر ثقة وساعد أمهما على أن تصبح أكثر هدوءاً وفعالية.

4. ساعد المسنين على اكتشاف طرق للتواصل مع الأشخاص اليافعين

إن تشكيل الروابط بين الأجيال المختلفة قد يكون أمراً صعباً، نظراً لقاعدة الفصل العمري المعتادة في السكن والتعليم والترفيه والتوظيف.

كما ذكرنا سابقاً، لا نقوم في مجتمع بريدج ميدوز بتكليف أنشطة أو مهام تطوعية محددة للسكان كبار السن. بدلاً من ذلك، نشجعهم على المشاركة في التجمعات المجتمعية، مثل “ساعة السعادة” الأسبوعية حيث يتناول السكان العشاء معاً، أو يقضون وقتاً في الهواء الطلق في حديقة المجتمع حيث يساعد الأطفال في زراعة الخضار والفاكهة. وفي هذه التجمعات غير الرسمية، نقدم أيضاً كبار السن إلى الأطفال والآباء بالتبني الذين قد يتشاركون في اهتمامات أو وجهات نظر مشتركة، أو الذين نعتقد أنهم سيتوافقون معاً بشكل جيد.

على سبيل المثال، التقى مارتن، وهو في السبعينيات من عمره وعاش في بريدج ميدوز خلال العامين الماضيين، لونا البالغة من العمر 7 سنوات ووالدتها بالتبني في عشاء مجتمعي. بعد العشاء وبينما كانت أمها تساعد على ترتيب الغرفة المجتمعية، دعت لونا مارتن لمشاركتها في تلوين الرسومات، لتبدأ الصداقة بالازدهار. وبدأ مارتن بقضاء الوقت مع لونا، التي تعرض جسدها لبعض العقاقير عندما كانت جنيناً ما أدى إلى إصابتها ببعض المشاكل العصبية وصعوبات التعلم. فكان مارتن يساعدها على أداء الواجبات المنزلية ويصطحبها إلى الحديقة وبدأ يعتبرها إحدى أفراد عائلته. ويقول: “هذه أفضل فرصة لديّ لأكون جداً”.

5. واجه الاختلافات واحترمها

يميل سكان المجتمعات متعددة الأجيال التي تعالج أوجه القصور في نظام الرعاية البديلة إلى أن يكونوا أكثر تنوعاً من سكان معظم الأحياء الحضرية أو الريفية الأخرى، ويرجع ذلك جزئياً إلى أن الأطفال أصحاب البشرة الملونة ممثلون بشكل مفرط في نظام رعاية الطفل في الولايات المتحدة. ولكن في حين أن التنوع يمكّن الأشخاص من مختلف الأعراق والأجناس والتوجهات والأحزاب السياسية والخلفيات الجغرافية من بناء العلاقات، فإن الوصول إلى هذا المستوى من التواصل يتطلب أحياناً التغلب على الصراعات.

في بريدج ميدوز، نحاول خلق فرص رسمية وغير رسمية للسكان للتواصل والتعرف على بعضهم البعض بغض النظر عن الاختلافات. وفي حال نشوء الصراعات، يقدم المختصون التوجيه والدعم لتسهيل الفهم والمصالحة. ففي عام 2020 على سبيل المثال، عرضت فتاتان صغيرتان في بريدج ميدوز بفخر ملصقاً لحملة “حياة السود مهمة” (Black Lives Matter) كانت قد قامتا بصنعه في معرض فنون المجتمع، وقام أحد كبار السن الذي لم يوافق على رسالة الملصق بإزالته. لذا قام بعض كبار السن الآخرين بالتواصل معه بشكل غير رسمي ومناقشة المشكلة ليقوم بإعادة عرض الملصق في وقت لاحق. في تلك الأثناء، عمل طاقم المختصين في بريدج ميدوز بالتعاون مع الآباء للعمل على طمأنة الأطفال، وقاموا بتيسير المزيد من المناقشات الرسمية الفردية والجماعية الصغيرة بين أعضاء المجتمع للمساعدة في إصلاح العلاقات. والآن يخوض السكان مناقشات مستمرة بشأن المساواة العرقية.

تلبية الطلب

إن الحاجة إلى المزيد من المجتمعات متعددة الأجيال والمكرسة لدعم برامج الرعاية البديلة تفوق العرض بكثير. فأولاً، تتمتع المواقع بنطاق ترددي مثالي محدود، فحسب تجربتنا فإنها تعمل بشكل أفضل عندما تخدم حوالي 100 إلى 125 شخص مقيم. كما يتطلب الأمر وقتاً ومعرفة متخصصة لإنشاء مجتمع وتشغيله، بما في ذلك خبرة التطوير العقاري وتقديم خدمات اجتماعية في الموقع تعتمد على مجموعة متنوعة من المهنيين. وتُبذل جهود كبيرة أيضاً في إدارة العلاقات مع المكاتب الحكومية، نظراً لأن خدمات الرعاية البديلة والخدمات القائمة على العمر تجري عادة في هيئات منفصلة، وتعتمد على مسارات تمويل لدعم السكن والخدمات التي تكون أيضاً منفصلة.

على الرغم من هذه التحديات، فإن النماذج متعددة الأجيال قادرة على التوسع، وتقوم بريدج ميدوز وغيرها من المجتمعات بابتكار طرق للتوسع على الصعيد الوطني واستكشافها. وبالنظر إلى أزمة الإسكان الميسور التكلفة اليوم، والسكان كبار السن، والحاجة المستمرة إلى دعم أطفال الرعاية البديلة وعائلاتهم المتبناة، وقوائم الانتظار التي تمتد إلى سنوات متعددة للإقامة في مجتمعات متعددة الأجيال، هناك حاجة ملحة وفرصة سانحة لإنشاء المزيد من هذه المجتمعات.

يمكنكم الاطلاع على النسخة الإنجليزية من المقال من خلال الرابط، علماً أنّ المقال المنشور باللغتين محمي بحقوق الملكية الدولية. إنّ نسخ نص المقال دون إذن سابق يُعرض صاحبه للملاحقة القانونية دولياً.

Content is protected !!