اشترك
الوضع المظلم
الوضع النهاري

الاستمرار بالحساب الحالي

مواجهة العزلة بالإبداع (الجزء الأول)

إعداد : تيريزا بونر

 

تم النشر 02 نوفمبر 2021

شارك
شارك

تقدم منصة ستانفورد للابتكار الاجتماعي الجزء الأول من سلسلة "مواجهة العزلة بالإبداع" والتي سوف نتحدث فيها عن مساعدة كبار السن على الحصول على التعليم الجيد مدى الحياة وكيفية مواجهة العزلة بالإبداع. وتنقسم هذه السلسلة إلى جزئين، سوف نتحدث في جزئها الأول عن الشيخوخة الخلاقة وكيفية إيصال المساعدة إلى كبار السن.

يمكن لبرامج الفنون المصممة خصيصاً لمساعدة كبار السن المساعدة في الحصول على التعليم الجيد مدى الحياة والاستفادة من هذه البرامج كي تعزز تواصل كبار السن مع الآخرين وتعيد إلى حياتهم الإحساس بلذة الهدف والسعادة.

قصص كبار السن

يلخص ريتشارد هود، أستاذ الأدب المتقاعد الذي يعيش في مقاطعة غرين في ولاية تينيسي، إحدى المخاوف المتعلقة بالتقدم في السن التي يواجهها العديد من الناس قائلاً: "لقد أصبحت فجأةً المثال التقليدي نوعاً ما للرجل العجوز المنعزل، بعد أن أمضيت مسيرةً مهنيةً طويلةً وسعيدةً، وجدت نفسي فجأةً دون عمل (تقاعدت)، ودون أسرة (انتقلت ابنتي إلى تكساس وفقدت زوجتي)، وخارج دائرة معارفي في المجتمع (انتقلت إلى ولاية تينيسي من ولاية أوهايو لمساعدة والدي البالغ من العمر 100 عام). وجدت نفسي في الواقع منفصلاً عن الحياة".

إن قصصاً كهذه شائعة بين كبار السن الأميركيين، إذ يزداد افتقار العديد منهم إلى وجود هدف يطمحون إليه، وتزداد عزلتهم الاجتماعية كلما تقدموا في السن، وقد شعرنا جميعاً بتأثيرات العزلة الاجتماعية على سعادتنا وإنتاجيتنا وصحتنا العقلية والجسدية في عام 2020، فكيف ستكون آثارها على كبار السن الذين يواجهونها قبل انتشار جائحة "كوفيد-19" بفترة طويلة. إن العواقب الصحية لهذه الآثار مكلفة على الأفراد والمجتمع على حد سواء. تربط الأبحاث حدوث الوفيات المبكرة بالافتقار إلى وجود هدف، وتربط الزيادة في خطر الإصابة بأمراض القلب التاجية بنسبة 29% والارتفاع في خطر الإصابة بالسكتة الدماغية بنسبة 32% بالعزلة الاجتماعية. ووفقاً لدراسة أجرتها مجموعة "أيه أيه آر بي" (AARP) وجامعة ستانفورد عام 2017، فإن العبء المالي الناتج عن عزلة كبار السن الاجتماعية المنضمين إلى برنامج الرعاية الطبية (ميديكير) يقدر بنحو 6.7 مليار دولار سنوياً.

لكن خلافاً للرأي السائد، فإن الشيخوخة ليست طريقاً نحو العزلة والخرف والتراجع لا عودة منه. بل في الواقع، تبقى الغالبية العظمى من كبار السن متمتعين بلياقتهم الذهنية وتوّاقين لعيش حياة رغيدة، وتبنّي أفكار ومهارات جديدة، والاستمتاع بعلاقات عميقة فيما بينهم. وكما أبرزت سلسلة مقالات حديثة حول الحلول المطبقة بين مختلف الأجيال، فإن كبار السن لديهم من الأصول ما يجعلهم ضمن مصاف الأغنياء وهو أمر لا يدركه المجتمع عادةً.

إن مواصلة تنامي عدد كبار السن الأميركيين تنامياً ضخماً، يلزمنا باستكشاف المزيد من مناهج الحياة القائمة على وفرة الأصول – وليس المناهج القائمة على العجز فقط – لدعم الشيخوخة وإدراك الإمكانات الهائلة لكبار السن بهدف إشراكهم في المجتمع والمساهمة فيه بشكل إيجابي. تعتبر برامج الشيخوخة الخلاقة أحد الحلول الواعدة، وذلك من خلال توفير برامج الفنون المصممة خصيصاً لمساعدة كبار السن على الحصول على التعليم الجيد مدى الحياة والاستفادة منه، بأسلوب يعزز التواصل والمخيلة.

ما هي الشيخوخة الخلاقة؟

بدأت المؤسسات الفنية والمتاحف والمكتبات العامة والمؤسسات الأخرى التي تخدم كبار السن في جميع أنحاء الولايات المتحدة (إضافة إلى المملكة المتحدة)، في تقديم برامج للشيخوخة الخلاقة تمنح كبار السن فرصة التعمق في الأنماط الفنية مع آخرين يشاركونهم اهتماماتهم. تستند هذه البرامج على نماذج وصفها الطبيب النفسي الأميركي جين كوهين في تقريره المرجعي الذي نشره في عام 2006 والذي يوضح فوائد الشيخوخة الخلاقة.

إن برامج الشيخوخة الخلاقة النافعة ليست برامج "تلوين مشترك" أو "غناء مشترك"، بل هي ورش عمل متعددة الجلسات توفر عمقاً يكفي ليتيح للمشاركين بناء كفاءتهم وثقتهم بأنفسهم. والأهم من ذلك، أنهم يتعمدون دمج المشاركة الاجتماعية مع تعلم الفنون المبني على المهارات. يسهِّل تصميم هذه البرامج التواصل وإقامة علاقات الصداقة بين المشاركين عندما يتعلمون أحد الفنون معاً. في معظم الأحيان، يبلغنا المشاركون في هذه البرامج أنهم ظلوا على اتصال لفترة طويلة بعد انتهاء سلسلة ورش العمل.

عناصر برامج الشيخوخة الخلاقة

تشترك معظم برامج الشيخوخة الخلاقة الناجحة بالعناصر التالية:

1- مصممة لتلبية الاحتياجات والاهتمامات التي أعرب عنها كبار السن، مع التركيز على تعليمهم مهارات جديدة وبناء روابط اجتماعية بينهم. وذلك بناءً على استقصاءات حول اهتماماتهم، على سبيل المثال، قدم متحف هيرد في فينيكس في ولاية أريزونا الأميركية، برامج حول نسج سجاد نافاجو، الذي جذب كبار السن من سكان أميركا الأصليين وغير الأصليين الذين يملكون في جعبتهم قصصاً غنيةً ليشاركونها مع بعضهم.

2- يقودها أساتذة فنانون. الأساتذة الفنانون هم محترفون وفنانون ماهرون يمتهنون تعليم الفنون وتصميم المناهج الدراسية وتسهيل عملية الإبداع والنمو وبناء العلاقات ضمن سياق العمليات الجماعية. وهم ينشئون مساحةً آمنة للمشاركين لمشاركة آرائهم ومناقشة أعمالهم. تعد هذه العملية ثنائية الاتجاه جزءاً مهماً من بناء منظومة مجتمعية بين المشاركين وبين المؤسَّسات التي تقدم البرامج.

3- وهذه البرامج تجريبية (تطبيقية) ومتتابعة، وهذا يعني أن الطلاب يبتكرون فناً، ولا يكتفون بالتعرف عليه فقط، وكل فصل يبني على المهارات المكتسبة من الفصل الذي يسبقه. ومن الأمثلة على ذلك ورش عمل الشيخوخة الخلاقة المعروفة التي ينظمها معهد مينيابوليس للفنون حول الرسم على الجدران. تعلم المشاركون فيها تاريخ الفن وأنماطه وأشكاله، واحترفوا التعامل مع التحديات الفنية لهذه البيئة قبل ابتكار أعمالهم الخاصة في فن الرسم على الجدران.

4- يتم دمج التفاعل الاجتماعي والمشاركة في كل جلسة. وتشجع الجلسات التمهيدية المشاركين على تبادل تجاربهم وذكرياتهم، ومناقشة أعمالهم وتقديم ملاحظاتهم، وحتى خلال إجراءات الإغلاق العام في أثناء الجائحة، منح برنامج جوقة كبار السن في مركز سان فرانسيسكو المجتمعي للموسيقى المشاركين فرصة الغناء معاً افتراضياً، ومشاركة تجاربهم عبر تطبيق زووم (Zoom)، إذ استطاع المشاركون الحفاظ على إحساسهم بالحضور في محيط مجتمعي، حتى عندما يكونون في منازلهم.

5- تتوج البرامج بالاحتفال بابتكارات المشاركين، لتمنحهم إحساساً بالإنجاز والتحقق من عملهم بعد عدة أسابيع من الدروس، ويدعى إليه الأصدقاء والعائلة والمجتمع نفسه. كما أن المشاركين قد شاركوا في برنامج الكتابة الإبداعية الذي قدمه "مسرح بيلزبوري" (Pillsbury House Theatre) في مينيابوليس بأعمالهم التي ابتكروها عبر تطبيق زووم، وذلك خلال إجراءات الإغلاق العام في أثناء جائحة "كوفيد-19".

وفقاً لـ "ماورا أومالي"، المؤسسة والرئيسة التنفيذية لمؤسسة "لايف تايم آرتس" (Lifetime Arts)، التي توفر تدريباً مكثفاً واستشارات في مجال "الشيخوخة الخلاقة"، فإن المشاركين يتمتعون بالنية الجادة، والرغبة في التعلم، والاهتمام بالتحدي، وهذه الركائز التي يبنى عليها تصميم البرنامج الجيد. وينوه دان هاغرتي من متحف "هيرد"، الذي قدم برامج شيخوخة خلاقة في النسيج والرسم، "إن مجتمعنا من كبار السن يزدهر فعلاً عندما نضعهم أمام تحديات، ونطلب منهم الابتعاد قليلاً عن منطقة الراحة الخاصة بهم. هذا ما يبقينا على قيد الحياة. هذا ما يواصل شحذ عقولنا، وهذا ما سيحافظ على صحة أجسادنا … لتعلم أمور جديدة، وللتفاعل مع بعضنا البعض".

يمكنكم الاطلاع على النسخة الإنجليزية من المقال من خلال الرابط، علماً أنّ المقال المنشور باللغتين محمي بحقوق الملكية الدولية. إنّ نسخ نص المقال بدون إذن مسبق يُعرض صاحبه للملاحقة القانونية دولياً.

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!