كيف يؤثر تعزيز الاهتمامات الشخصية للطلاب في تطوير قدراتهم التعليمية؟

اهتمامات الطلاب
freepik.com/freepik
استمع الى المقالة الآن هذه الخدمة تجريبية
Play Audio Pause Audio

خلال أيام دراستي، كنت أتعجب من نفسي حينما كنت أكافح لقراءة فصول كتاب المقرر الدراسي، كنت أعد الصفحات المتبقية لي كل عدة دقائق ويتملكني الشوق كي أنتهي، في المقابل كنت أغرق بالساعات دون ملل في قراءة سلسلة كاتبي المفضل وأتمنى لو لم تنتهِ قط، وحينما بدأت التنبه لدروس التاريخ بتركيز، وجدتها تأتي بأحداث من مسلسل تتابعه أسرتي، وحينما أصبح أخي يحب الذهاب إلى المدرسة يومي الأحد والأربعاء كان السبب اهتمامه بتجارب فصل العلوم التي يجري بعضها بإشرافنا في المنزل. إذاً، كلمة السر هي اهتمامات الطلاب أو “الاهتمام” الذي يُعرف على أنه “حالة من الانتباه والتأثر تجاه موضوع ما، واستعداد دائم لإعادة الانخراط بمرور الوقت”، ما يجعله عنصراً أساسياً وفعالاً في عملية التعليم. فعندما يتصل موضوع ما بما يحب الطلاب فعله، تزداد مشاركتهم لأنهم يقضون الوقت في التفكير والحوار وخلق الأفكار دون ملل مهما يكن الأمر صعباً. فكيف يؤثر الاهتمام في زيادة قدرات الطلاب؟

تطوير القدرات التعليمية

أظهرت دراسة إماراتية للباحثة غادة المرشدي أن إتاحة الفرصة للطلاب بالتعبير عن اهتماماتهم الشخصية وقراءة المقالات الأكاديمية المرتبطة بها قد تساعدهم على تطوير قدراتهم التعليمية. إذ ضمت الدراسة التي حملت عنوان “تأثير اهتمامات طلاب جامعة الإمارات العربية المتحدة على أداء القراءة والكتابة وتحسينها” 40 طالباً في جامعة الإمارات العربية المتحدة من كليات مختلفة مثل الهندسة، وإدارة الأعمال، والعلوم الاجتماعية والإنسانية، والقانون، والعلوم، ومن أعوام دراسية مختلفة. وتعد اللغة الإنجليزية في هذه الجامعة وسيلة أساسية لتدريس جميع المواد الدراسية تقريباً. غير أن بعض الطلاب ليسوا متقنين للغة الإنجليزية بشكل كبير، فيجدون صعوبة في إتقان الكتابة بها.

وجّهت الباحثة غادة المرشدي الطلاب باختيار المقالات الأكاديمية التي يرغبون في قراءتها والتي تقع ضمن إطار تخصصاتهم واهتماماتهم، ثم ملء أنواع مختلفة من الخرائط وتلخيص النقاط الرئيسية، وبعدها كتابة مقالاتهم المطلوبة وعرضها أمام زملائهم. وتبين أن اختيار الموضوعات التي تهم الطلاب شجعهم على مواصلة العمل على قراءة المقالات على الرغم من التحديات التي يواجهونها. ولن يقتصر الأمر على تحصيلهم الدراسي فقط، وإنما سيؤثر على حياتهم المهنية في المستقبل. وسيصبح الطلاب قرّاءً أفضل وكتّاباً أكثر ثقة.

التغلب على الصعوبات الأكاديمية أو الإعاقات الإدراكية

يتعامل بعض المعلمين مع اكتشاف اهتمامات الطلاب وتعزيزها على أنها إجراء لاحق للنموذج التعليمي النموذجي، غير أن الأبحاث أكدت أن تطوير اهتمام الطلاب عنصر أساسي في العملية التعليمية خاصة في المجالات الأكاديمية التي لا يجدها العديد من الطلاب مثيرة للاهتمام في البداية أو المجالات التي ينخفض ​​فيها الاهتمام بمرور الوقت، مثل العلوم والهندسة والرياضيات.

وجدت إحدى الدراسات بعنوان: “الاهتمام الفردي كسياق في النص التوضيحي ومشاكل الكلمات الرياضية” أن الطلاب الذين حصلوا على درجات ضعيفة في اختبارات الإنجاز ولكن لديهم اهتمامات في الرياضيات كانوا أكثر عرضة للانخراط في مسائل الرياضيات من أقرانهم الحاصلين على درجات عالية ولكن ليس لديهم مثل هذه الاهتمامات. كما وجدت دراسة أخرى بعنوان: “تنمية معرفة القراءة والكتابة لدى الرجال والنساء الناجحين المصابين بعُسر القراءة“، حيث أجريت على أكاديميين بارزين وحائزين على جائزة “نوبل”، الذين عانوا من عسر القراءة، أنهم استطاعوا الاستمرار في جهودهم بالدراسة لأنهم كانوا متحمسين لاستكشاف شيء ما بحماس.

التأثير على الاختيارات الأكاديمية والمهنية للطلاب

تؤثر اهتمامات الطلاب الشخصية على اختياراتهم المستقبلية بشكل فعال وواضح. فوجدت دراسة بعنوان: “تحفيز غير الحافز أكاديميًا: قضية حرجة للقرن الحادي والعشرين”، استمرت 7 سنوات في جامعة “ويسكونسن”، أن درجة اهتمام طلاب الجامعة بدورة تمهيدية في علم النفس في عامهم الأول قادتهم إلى توقع مدى احتمالية تسجيلهم في فصول علم نفس إضافية أو التخصص في هذا المجال، فكانت نتائج توقعاتهم المبنية على اهتماماتهم دقيقة حتى أكثر من درجات الطلاب في تلك الدورة التمهيدية. فتقول جوديث هاراكيفيتش، عالمة النفس الاجتماعي والمشرفة على الدراسة: “وجدنا أن الاهتمام هو مؤشر أقوى على الخيارات المستقبلية من الإنجازات السابقة أو المتغيرات الديموغرافية”.

اكتشاف اهتمامات الطلاب في وقت مبكر وتعزيزها خلال المرحلة التعليمية سيساعدهم على تعزيز خياراتهم المهنية أيضاً وتحقيق نجاح أكبر بها. فعندما تتماشى الحياة المهنية مع اهتمامات الفرد، تزداد نسبة الرضا في العمل، وتزداد دوافعه لتكريس مزيد من جهده لتطوير المعرفة والمهارات ذات الصلة، وتحديد الأهداف العليا المتعلقة بالوظيفة، واتخاذ الإجراءات المناسبة لتحقيق تلك الأهداف، ما يقوده في النهاية إلى تحسين أدائه في العمل وتطوير إمكاناته المهنية، وذلك وفقاً لدراسة بعنوان: “اتخاذ الخيارات المهنية: نظرية الشخصيات المهنية وبيئات العمل”.

ولكن هل ينشأ الاهتمام بشكل طبيعي لدى الطلاب؟ وحتى إن ساعد الآباء على اكتشافه منذ الطفولة، كيف تطوره المنظومة التعليمية لديهم؟ يشير أحد الأبحاث بعنوان: “نموذج من أربع مراحل لتنمية الاهتمام” إلى أن الاهتمامات الشخصية المتطورة تبدأ دائماً بـ “محفز” خارجي مثل مشاهدة مسرحية، أو قراءة كتاب، أو سماع شخص ما يتحدث. ويضيف البحث أن البيئات المصممة جيداً يمكن أن تزيد من احتمالية حدوث مثل هذا التحفيز. فكيف يحفز القائمون على العملية التعليمية هذا الاهتمام لاستغلاله لصالح الطلاب في زيادة قدراتهم وتعزيز مستقبلهم؟

ربط الاهتمامات الشخصية بالمنهج

الطريقة الأولى لإثارة اهتمام الطلاب بموضوع جديد هي الاستفادة من اهتماماتهم الفردية الحالية من خلال تقديم التعليمات في سياق تلك الاهتمامات. فعلى سبيل المثال، يمكن الاستعانة في تعليم الرياضيات لطالب يحب الموسيقى بالتحدث عن المبادئ الرياضية المتأصلة في الموسيقى. وكما استعان القائمون على الدراسة الإماراتية السابقة الذكر باهتمامات الطلاب لتعزيز اللغة الإنجليزية لديهم وتطوير مهاراتهم في القراءة والكتابة. ويمكن أن تنطبق هذه الممارسة مع موضوعات اهتمامات الطلاب خارج المدرسة، فعلى سبيل التوضيح، في فصل الفيزياء، قد يتم تكليف الطالب المهتم بالرياضة بمهمة تشمل الغوص في السماء للتعرف إلى الجاذبية ومقاومة الهواء.

بناء محتوى يناسب اهتمامات الطلاب

من المؤكد أن تقييم اهتمامات كل طالب وتعديل المحتوى وفقاً لذلك لا يخلو من التحديات العملية، لا سيما لمعلمي الفصول الكبيرة ما يجعل تلبية الاهتمامات الشخصية لمجموعة غير متجانسة من الطلاب المختلفين في اهتماماتهم أمراً صعباً ويستغرق وقتاً طويلاً، لكن التكنولوجيا الحديثة المتمثلة في الذكاء الاصطناعي وروبوتات الدردشة جعلت من الأمر مهمة بسيطة وقابلة للتحقيق.

خلق القيمة

عندما يدرك الطلاب قيمة في موضوعات الفصل، يزداد اهتمامهم ويؤدون بشكل أفضل لفترة أطول. على سبيل المثال، ازدادت مشاركة بعض مجموعات الطلاب (السود واللاتينيون) عندما طُلب منهم التطبيق العملي على حل مشكلات لمجتمعهم. فوفقاً لدراسات، فإن الطلاب الذين يرون قيمة لما يدرسونه، ترتفع لديهم نسبة المشاركة، ويتكون لديهم مواقف أكثر إيجابية.

خلق الاهتمام الظرفي

التعلم المعتمد على إثارة الفضول هو طريقة تعليمية تثير الاهتمام بالموقف وتحافظ عليه، إذ تحفز الطالب للبحث عن إجابات أسئلته الفضولية التي ستتطلب منه اكتساب وتنظيم معرفة جديدة حول الموضوع تعزز الاهتمام والتعلم، على أن يستمر الموضوع في توليد التساؤلات لأنه بمجرد أن يجد الطالب الإجابة سيختفي اهتمامه. فكما كتب جورج لوينشتاين، أستاذ الاقتصاد وعلم النفس في جامعة “كارنيجي ميلون”، في ورقة بحثية: “ينشأ الفضول عندما يتركز الانتباه على فجوة في معرفة الفرد. تنتج هذه الفجوات في المعرفة شعوراً بالحرمان يُعرف بالفضول الذي يظل يحفز الفرد للحصول على المعلومات المفقودة لتقليل الشعور بالحرمان أو القضاء عليه”.

تعرف على نقاط القوة

ترى نظرية الذكاء لعالم النفس التنموي روبرت ستيرنبرغ أن البشر يتفوقون عادةً في نوع من ثلاثة أنواع من الذكاء العملي الذي يمكّن الطلاب من التكيف سريعاً مع البيئات المتغيرة، والذكاء الإبداعي الذي يتفوق أصحابه في المهام التي تتطلب الإبداع والاكتشاف والخيال، والذكاء التحليلي الذي يتمتع الطلاب المتفوقون فيه بقدرة عالية على إنجاز المهام التي تتطلب التخطيط والتفكير النقدي والتحليل. لذلك، يمكن للمعلمين اعتماداً على هذه النظرية ومثيلاتها تطبيق اختبارات على الطلاب، لتمييز نقاط قوتهم، ومن ثم تقسيمهم ووضع التطبيقات والسبل المناسبة لتعزيز اهتماماتهم.

لا تناسب طريقة واحدة كل الطلاب، ولكن الأمر الذي لا شك فيه أن اهتمامات الطلاب ركيزة أساسية يمكن للمعلمين الاعتماد عليها في تطوير مستوى طلابهم، وتأهيلهم لمستقبل أكثر وضوحاً، وبناء الشغف لديهم تجاه العملية التعليمية برمتها.

Content is protected !!