نماذج التفكير التصميمي في الجامعات وقطاع التعليم العالي

تحدثنا في مقدمة هذه السلسلة عن أهمية التفكير التصميمي في الجامعات وقطاع التعليم العالي، وذكرنا أهمية البدء في العمل على صعيدين منفصلَين ومترابطَين جداً في الوقت ذاته؛ أولاً، «التحول أ»؛ وهو إعادة تصميم جوهر عمل المؤسسة لتحسين قدراتها من حيث التدريس والبحث، بينما يستلزم التحول الثاني؛ أو «التحول ب»، التصميم الدقيق للقدرة على الاستجابة للفرص الجديدة أو المطالب الاجتماعية. 

«التحول أ» من أجل التمايز البحثي

لا تعتمد جميع الجامعات البحث المكثف، لكن يمكن لتلك التي تعتمده تحقيق مكاسب كبيرة في إنتاجية البحث، من خلال التركيز على نقاط قوتها الأساسية، وبناء برامج في المجالات التي تتمتع فيها بمزايا أساسية. عندما أصبح المؤلف المشارك لهذه الورقة البحثية؛ مايكل كرو، رئيساً لـ«جامعة ولاية أريزونا» منذ عام 2002، ارتفع  الإنفاق على الأبحاث بمقدار أربعة أضعاف؛ ما شكّل أعلى معدل نمو لأي مؤسسة أبحاث جامعية في الولايات المتحدة، ولكن حتى في الوقت الذي وسعت فيه الجامعة استثمارها في البحث، فقد نفذت ذلك من خلال التفكير باستمرار في عامل «المكان»، ولمدة 15 عاماً، زادت الجامعة- بشكل استراتيجي- من قدراتها في المجالات التي يمكن الوصول إليها، وذات الصلة بولاية أريزونا ومنطقة فينيكس الحضرية، مثل شح المياه وإدارة الموارد، وتكنولوجيا الطاقة الشمسية والحرارية، والتنمية الحضرية المستدامة، ودمجت البرامج والأقسام لخلق أوجه تعاون جديدة؛ مثل دمج الجيولوجيا وعلم الفلك في «كلية استكشاف الأرض والفضاء» (School of Earth and Space Exploration)، كما وظفت مشاركة القطاعات الرئيسية في المشاريع المدعومة مثل «لايت ووركس» (LightWorks)؛ وهو مشروع متعدد التخصصات لتحقيق اختراقات في مجال الطاقة الشمسية والوقود المستدام.

توسع المشروع البحثي في «جامعة ولاية أريزونا» من تمويل يصل إلى حوالي 123 مليون دولار في السنة المالية 2002، إلى ما يقارب من 520 مليون دولار في 2016 بكفاءة ملحوظة، ذلك نتيجة لتنفيذ استراتيجية مصممة بعناية. على سبيل المثال، بقي حجم الإنفاق على الأبحاث ثابتاً تقريباً منذ عام 2002، لكن وفقاً للبيانات الحديثة؛ الصادرة عن «مؤسسة العلوم الوطنية» (National Science Foundation)، فإن الجامعة تحتل الآن المرتبة العاشرة من بين 724 جامعة- باستثناء كليات طبية- من حيث إجمالي الإنفاق على الأبحاث، متقدمةً بذلك على «معهد كاليفورنيا للتقنية» (California Institute of Technology) و«جامعة برينستون» (Princeton University) و«جامعة كارنيغي ميلون» (Carnegie Mellon University).

بعيداً عن مجرد توسيع الاستثمار البحثي، اختارت «جامعة ولاية أريزونا» أن تميز نفسها عن أقرانها؛ من خلال تحقيق وضوح الغرض من البحث، بالتركيز على الأبحاث المدفوعة بالاستخدام المحتمل لنتائجه، ووفقاً لذلك، فإن عامل «المكان» بالنسبة إلى الجامعة ليس جغرافية فقط؛ بل إنه يتعلق بالبحث عن مكانة موضوعية فريدة ضمن نظام الابتكار الوطني الأوسع، كما استفادت جامعات أخرى من إلزام نفسها بتفسير موضوعي للمكان؛ على سبيل المثال، حققت «جامعة روكفلر» (Rockefeller University) مكانتها وحافظت عليها كجامعة دولية رائدة في البحث والتدريب في مجال الطب الحيوي من خلال العمل وفقاً لشعارها «العلم لصالح البشرية»، وقامت «جامعة بريغام يونغ» (Brigham Young University)؛ في مدينة بروفو بولاية يوتا، بدمج الأولويات الثقافية والدينية لمجتمع كنيسة «قديسي الأيام الأخيرة» (Latter-Day Saints)، لمتابعة دور قيادي في الأبحاث المتعلقة بالحرية الدينية، والعلوم الاجتماعية للأسرة، والتخفيف من حدة الفقر.

في إطار متابعة استراتيجيات التصميم من أجل التمايز البحثي، تعمل الجامعات على تقييم خطط المشاريع البحثية بالنسبة إلى أصولها المؤسسية الخاصة، بدلاً من التخبط في مجموعة من المجالات العلمية؛ بحيث تصبح قدرتها على الحفاظ على مسار البحث الأكاديمي مجزأةً، ونتيجة لذلك، يمكن اكتشاف مسارات جديدة، وبالتالي يمكن للجامعات ذات الموارد المحدودة أن تتولى أدواراً قياديةً في تخصصات جديدة.

«التحول أ» من أجل تطوير استراتيجيات التعليم والتعلم

على الجانب التعليمي، من المؤسف أن العديد من الجامعات قد استجابت لارتفاع التكاليف، وتقليل الدعم، من خلال تعزيز الانتقائية، أو تحميل الطلاب وعائلاتهم جزءاً كبيراً من تكاليف التعليم- سواء من خلال التكاليف المرتفعة أو معايير القبول الانتقائية جداً، فإن الانتقائية تخفض عدد الطلاب المقبولين لأولئك الذين يكون احتمال نجاحهم مرتفعاً. في المقابل، نرى أنه ينبغي على الجامعات إعادة النظر في الفئات التي تستقبلها، وكيفية تطوير فرص نجاح طلابها.

وفقاً لذلك، يشجع «التحول أ» على الابتكارات المخطط لها بعناية؛ بحيث تسمح بتحقيق النجاح من خلال نتائج الطلاب، دون الرضوخ لعامل الانتقائية. على سبيل المثال، بدلاً من رفع مستوى الانتقائية واستبعاد الطلاب الأقل احتمالاً للتخرج، جعلت «جامعة كاليفورنيا – ريفرسايد» (UCR)، الشمولية جزءاً أساسياً من هويتها؛ إذ أن 57% من طلابها المؤهلين للحصول على «المنحة الفيدرالية بيل غرانت» هم من ذوي الدخل المنخفض، أو طلاب الجيل الأول؛ أي أول جيل في عائلاتهم يلتحق بالجامعة. على الرغم من وفرة الأدلة التي تثبت أن هؤلاء الطلاب أقل احتمالاً للنجاح، تُظهر البيانات أن 90% من طلاب هذه الجامعة ينتقلون إلى السنة الدراسية الثانية، وأن 68% من الطلاب يتخرجون خلال ست سنوات؛ أي بنحو 26 نقطة أعلى من المتوسط ​​الوطني.

تشمل أسباب نجاح وتخرج طلاب «جامعة كاليفورنيا» المساعدات المالية التي تستهدف الطلاب المحتاجين؛ أي أن الذين يقدّر دخل عائلاتهم بأقل من 80 ألف دولار في السنة لا يدفعون رسوماً دراسية، والحزمة القوية من الخدمات الطلابية؛ التي تؤكد على الروابط بين الأقران من الطلاب من خلال مجتمعات التعلم، والفرص المتاحة للطلاب الجامعيين للمشاركة في الأبحاث التي تقودها هيئة التدريس؛ فهناك أكثر من 50% من الطلاب يجرون تجربة بحثية. أظهرت الجامعة أنه من الممكن الحفاظ على نمو ثابت، وخفض التكاليف، ودفع الطلاب الذين ينتمون إلى مختلف الخصائص الديموغرافية نحو النجاح؛ ذلك عن طريق اتخاذ مسار مختلف عن المؤسسات المنافسة.

أجرت «جامعة بريغهام يونغ – أيدهو» أيضاً تحولاً كبيراً في مشروعها التعليمي، حيث أُنشأت هذه الجامعة عام 2000، وكانت في السابق تحمل اسم «ريكس كوليج» (Ricks College) ومتخصصة بالتعليم المتوسط لمدة سنتين، لتصبح مؤسسة تمنح درجة البكالوريوس خلال أربع سنوات، وتركز بصورة أساسية على قدرة الوصول للطلاب ونجاحهم والتميز في التدريس. أُسست الجامعة ليكون لها دور فريد وتكون متميزة عن المؤسسات التابعة لها وداخل نظامها، وقد تمكنت من زيادة معدلات الالتحاق بها، والحفاظ على انخفاض التكاليف، من خلال عدم الالتزام بالعام الدراسي التقليدي؛ حيث اتبعت نهج التدريس خلال ثلاثة فصول دراسية على مدار العام. يتم تعيين المتقدمين إلى الجامعة للانضمام إلى مجموعة تبدأ إما في فصل الخريف أو الشتاء أو الربيع، ويبقون في دفعتهم حتى التخرج، مع تخصيص كل مجموعة لحضور اثنين فقط من الفصول الثلاثة.

منذ الإعلان عن النظام الجديد عام 2000، ارتفع إجمالي الالتحاق السنوي في الجامعة من أقل من 15 ألف إلى أكثر من 30 ألف طالب، في حين انخفضت التكلفة النسبية لكل طالب. بعبارة أخرى، نظراً لأن كل دفعة تحضر فصلين دراسيين فقط من أصل ثلاثة فصول دراسية متاحة كل عام، فإن ثلث الطلاب يكونون بعيدين عن الجامعة في أحد الفصول؛ مما يؤدي إلى زيادة قدرة المدرسة على استيعاب الطلاب بنسبة 50% من دون الحاجة إلى تعزيز البنية التحتية، وبدلاً من التعطل عن العمل في فصل الصيف، تعمل «جامعة بريغهام يونغ – أيدهو» على مدار السنة بكامل طاقتها، وتحافظ على مرونة النظام، من خلال السماح للطلاب بأخذ مواد دراسية عبر الإنترنت في أي وقت، بغض النظر عن الفصل، وتزود أولئك المؤهلين بخيار التسجيل على مدار العام لتسريع تخرجهم.

لم يقتصر تركيز الجامعة على التوجه نحو أسلوب التدريس، واتّباع نهج الفصول الدراسية الثلاثة، لمعالجة تحديات القدرة على تحمل التكاليف، والوصول إلى التعليم العالي، ولكن تمكنت أيضاً من التركيز على نتائج الطلاب. على الرغم من أن الجامعة لديها سياسة التسجيل المفتوح الافتراضي، وأن أكثر من 50% من طلابها يتلقون مساعدات مالية فيدرالية، فإن لدى الجامعة معدل تخرج ثابت، وأعلى بنسبة 20% من المعدل الوطني، وهو أعلى بكثير من نظرائها المحليين. علاوة على ذلك، يتخرج طلابها حاصلين على نسبة مئوية قدرها 82؛ وفقاً لمبادرة الاختبار الموحد «تقييم التعلم الجماعي» (CLA) للتفكير النقدي والكتابة، بينما تشير المؤهلات المعتمدة إلى أن عليهم الحصول على النسبة المئوية 65 فقط لتحقيق النجاح. لم يؤدِّ تركيز الجامعة على التدريس إلى توسيع نطاق الوصول وخفض التكلفة فحسب، بل أدى أيضاً إلى رفع مستوى الجودة، من خلال التركيز على نتائج الطلاب الملموسة.

ينظَّم التدريس في «جامعة ولاية أريزونا» وفقاً لأربعة «مجالات للتعليم والتعلم» (Teaching and Learning Realms)، ويتعلق المجال الأول بالتعلم من خلال الانخراط الكامل والاعتماد على الحرم الجامعي؛ حيث يتفاعل 3,400 من أعضاء هيئة التدريس عن كثب مع أكثر من 71 ألف طالب، ويتضمن المجال  الثاني تقديم كامل برامج كليات وأقسام الجامعة عبر الإنترنت، ويوفر المجال الثالث تعليماً مفتوحاً للتعلم الرقمي (يسمى أحياناً المساقات الضخمة المفتوحة عبر الإنترنت أو MOOCs)، بينما يركز المجال الرابع على «التعلم من خلال الاستكشاف»، متضمناً الجولات الميدانية الافتراضية، والتعلم القائم على الألعاب والتعلم المخصص.

يشمل التطور القائم على التكنولوجيا جميع المجالات الأربعة، لكن تركيز «التحول أ» يتمحور حول المجال الأول؛ حيث سمحت الاستراتيجيات المطبقة بعناية بتحقيق نمو هائل في الالتحاق بالجامعات؛ وخاصة الفئات السكانية الفقيرة، إلى جانب تحسين معدلات الاحتفاظ والتخرج. على سبيل المثال، تستخدم منصة «إي أدفايزر» (eAdvisor) التابعة لـ«جامعة ولاية أريزونا»؛ والتي تم إطلاقها عام 2007، نقاط بيانات متنوعة للمساعدة على إبقاء الطلاب على المسار الصحيح لإكمال الدراسة، والتدخل تلقائياً عند فشل الطالب في تحقيق التقدم، أما الابتكارات الأخرى فهي هيكلية؛ مثل الشراكات مع الكليات المحلية التي تراعي الإعداد الجيد للطلاب ومسارات النقل السلس، وقد ساعدت هذه الابتكارات الجامعة على زيادة عدد شهاداتها الممنوحة من 14,444 بين عامَيّ 2007 و2008 إلى 18,254 بين عامَيّ 2015 و2016، وهذا إلى جانب رفع تصنيفها العام؛ حيث حصلت على مرتبة ضمن أفضل خمس جامعات للخريجين الأكثر كفاءةً تبعاً لـ«صحيفة وول ستريت جورنال» عام 2010، ومرتبة ضمن أفضل عشر جامعات من ناحية توظيف الخريجين ضمن «استطلاع توظيف الجامعات العالمي» (Global University Employability Survey) عام 2016، والمرتبة الأولى في الولايات المتحدة للابتكار للأعوام 2016 و2017 و2018 من قِبل «تقرير أخبار أميركا والعالم» (US News & World Report).

«التحول ب» المتمحور حول الفرص الجديدة

بينما تركز ابتكارات «التحول أ» على الوظائف الأساسية الراسخة للجامعات، فإن «التحول ب» يولد نماذج تعليمية جديدة تماماً لا يمكن أن تظهر بفاعلية في مؤسسة أكاديمية تقليدية، وغالباً ما يتجلى ذلك في التعليم العالي من خلال البرامج عبر الإنترنت التي تستهدف مجموعات الطلاب غير التقليديين، أو أنماط التعلم الجديدة القائمة على التكنولوجيا.

ركز التعليم العالي قبل ثمانينيات القرن الماضي بشكل كلي تقريباً على المتعلمين الصغار في السن، لكن الطلاب الذين يلتحقون اليوم بكليات مدة الدراسة فيها أربع سنوات، ويعيشون في الحرم الجامعي، يشكلون فقط جزءاً من جميع الطلاب الجامعيين في الولايات المتحدة؛ فمن بين أكثر من 20 مليون طالب جامعي يدرسون في الكليات، تتجاوز نسبة الطلاب الذين هم فوق سن 25 الـ40%، ومن المتوقع أن يرتفع هذا الرقم، وفقاً لـ«المركز الوطني لإحصاءات التعليم» (the National Center for Education Statistics).

تؤدي التغييرات التكنولوجية والاجتماعية أيضاً إلى ظهور خصائص ديموغرافية جديدة للطلاب من مناطق عديدة، بالإضافة إلى تنوع الخلفيات الاجتماعية والاقتصادية، ويواجه العديد من هؤلاء الطلاب عوائقاً مثل الحاجة إلى تحقيق التوازن بين الدراسة والتزامات العمل والأسرة، وتكاليف التعليم المرتفعة، والنقل والصعوبات اللوجستية، ونقص الوصول إلى المعلومات حول الفرص التعليمية، ونقص التوجيه المصمم خصيصاً لاحتياجاتهم الخاصة، كما أن هناك العديد من العوائق المتعلقة بطرق تعلم هؤلاء الطلاب؛ والتي تختلف اختلافاً جوهرياً عن تجربة طلاب الجامعات التقليدية، والمرتبطة بالحرم الجامعي. على سبيل المثال، يجلب طلاب المرحلة المتوسطة تجارب عمل إلى الفصل الدراسي لا تعتبر غريبة على الطلاب التقليديين فحسب، بل قد تكون التجارب ذاتها التي يُعدّهم الفصل الدراسي للانخراط فيها.

تَبرز «جامعة جنوب نيو هامبشاير» (Southern New Hampshire University) كمثال لمؤسسة تخطط للمستقبل؛ حيث أعادت تنظيم نفسها لتتبع نهج التعليم عبر الإنترنت للوصول إلى الطلاب غير التقليديين. تأسست الجامعة عام 1932 باسم «كلية نيو هامبشاير للمحاسبة والسكرتارية» (New Hampshire Accounting and Secretarial School)، وقد وسعت منذ عام 1995 نطاق وصولها إلى الطلاب غير التقليديين في جميع أنحاء العالم، من خلال تأسيس برنامج التعلم عبر الإنترنت «إس إن إتش يو أونلاين» (SNHU Online)، وفي غضون ست سنوات من إطلاقه، شمل البرنامج طلاباً من 23 منطقة زمنية. كنتيجة لنجاح البرنامج، تستقبل الجامعة اليوم حوالي 85 ألف طالب، وفي الآونة الأخيرة، أطلقت «كوليج فور أميركا» (College for America)؛ وهي مؤسسة فرعية غير ربحية تقدم للمتعلمين غير التقليديين برامج تدريسية في المسارات القائمة على الكفاءة، حيث يتقدم الطلاب من خلال إثبات الكفاءة بالمشاريع التطبيقية بدلاً من المقررات الدراسية التقليدية.

تم إطلاق برنامج «إس إن إتش يو أونلاين» كمؤسسة متميزة ومكرسة لتلبية المتطلبات الخاصة للأسواق الناشئة عبر الإنترنت، ولكنها مرتبطة جيداً بالجامعة الأساسية لضمان الجودة. إن استراتيجية إطلاق مؤسسة منفصلة مع تكامل دقيق مع الجامعة الأساسية ليست فريدة من نوعها، حتى في الجامعات الحكومية الكبرى؛ التي حققت نجاحاً كبيراً في التعليم عبر الإنترنت، فقد تبلور ذلك غالباً عندما أظهر القادة استعدادهم لإنشاء مؤسسات مميزة؛ لا تركز على النماذج الجديدة المرتبطة بالتعلم عبر الإنترنت فقط، ولكن أيضاً على الاحتياجات الخاصة للطلاب.

تُعتبر «جامعة ولاية بنسلفانيا» (Pennsylvania State University) واحدةً من أكبر الجامعات في الولايات المتحدة، وقد كانت خدمة الطلاب غير التقليديين من سكان المناطق الريفية في ولاية بنسلفانيا جزءاً من هويتها على الدوام. أطلقت ولاية بنسلفانيا عام 1998 «وولد كامبس» (World Campus)؛ وهو من أوائل البرامج المقدمة عبر الإنترنت في أميركا، والذي تطور منذ ذلك الوقت ليشمل 125 برنامجاً دراسياً وشهادة جامعية وبرنامجاً ثانوياً، ويستوعب الآن أكثر من 12 ألف طالب مسجلين في الولايات الخمسين وأكثر من 50 دولة. أعلنت ولاية بنسلفانيا عام 2013 أنها ستستثمر 20 مليون دولار لتسهيل توسيع البرنامج، وتخطط لزيادة عدد الطلاب فيه إلى 45 ألف طالب بحلول عام 2023.

يُعتبر برنامج «وولد كامبس»؛ مثل حال برنامج «إس إن إتش يو أونلاين»، وحدة منفصلة عن الجامعة، لكنه يتكامل بعناية مع وحدات الجامعة الأساسية الأخرى، ومن السمات الرئيسية للبرنامج التي تساهم في نجاحه ووصول معدل رضا الطلاب فيه إلى 95%، هو تكامل البرنامج مع الوحدات الأكاديمية المركزية، من خلال مشاركة الإيرادات؛ إذ عندما يسجل الطلاب في البرنامج في مادة معينة، فإن الكلية التي تقدم المادة الدراسية تحتفظ بجزء من الإيرادات التقديرية، وتوفر حوافز للوحدات الأكاديمية لتعزيز واستيعاب نموه وضمان حصول الطلاب على مستوى الدعم ذاته، مثل أولئك داخل الحرم الجامعي. كان للبرنامج في السنوات الأخيرة دورٌ حاسمٌ في زيادة معدلات الالتحاق على مستوى نظام ولاية بنسلفانيا، حتى مع انخفاض عدد السكان في المناطق الريفية، والانخفاض الحاد في تمويل الولاية؛ الذي يهدد جدوى فروعها الجامعية.

اتبعت جامعات أخرى نهجاً أكثر استهدافاً لتنمية أسواق معينة غير تقليدية، بالنسبة إلى «جامعة بريغهام يونغ – أيدهو»، بدأ هذا بالتركيز على الوصول إلى الطلاب الذين لم تتم خدمتهم من قبل نظام الجامعة القائم، لأنهم ربما لا يتمكنون من تحمل تكاليف الدراسة، أو لأنهم في بعض الحالات لم يشعروا بأنهم يستطيعون تحقيق النجاح، وقد أطلقت الجامعة عام 2009 برنامجاً جديداً؛ يسمى «باثواي» (Pathway)، لاستهداف هؤلاء الطلاب؛ حيث يوفر تجربة تحضيرية لمدة عام واحد لإعداد الطلاب للكلية.

بدلاً من تدريس مواد التعليم العام التقليدية، يركز البرنامج على مهارات الدراسة والتنظيم الذاتي؛ أي عوضاً عن تدريس اللغة الإنجليزية والرياضيات التقليدية للطلاب الجدد، يقدم البرنامج مواد دراسية (يحصل الطالب بعدها على نتائج مماثلة) تتضمن كتابة السيرة الذاتية ورسائل التعريف، وتعليم أساسيات الإدارة المالية للأسرة. يعمل الطلاب على هذه المواد الدراسية عبر الإنترنت بأسلوب تفاعلي قائم على أساس المجموعات، ثم يجتمعون أسبوعياً- أيضاً ضمن مجموعات صغيرة- في المراكز الدينية المحلية، وقد بدأ البرنامج بـ50 طالباً فقط في ثلاثة مواقع تجريبية، إلا أنه تطور اليوم ليصل إلى عشرات الآلاف من الطلاب في أكثر من 500 موقع حول العالم.

بالمثل، تقدم «البرامج الدراسية عبر الإنترنت» في «جامعة بريغهام يونغ – أيدهو» شهادات موجهة للتعليم المتوسط، بدلاً من الحفاظ على التركيز شبه الكامل على درجات البكالوريوس في الجامعات التقليدية، وقد سمح ذلك للعديد من الطلاب بالتقدم بسرعة أكبر في القوى العاملة، والوصول إلى منهاج تطبيقي أكثر من نموذج التعليم العالي التقليدي؛ المرتكز على الحرم الجامعي. من المهم ملاحظة أن كلاً من برنامجَيّ «باثواي» و«البرامج الدراسية عبر الإنترنت» تم تنظيمه ككيان إداري منفصل داخل الجامعة، حتى يتمكن من التركيز على الاحتياجات الخاصة لهؤلاء الطلاب عبر الإنترنت. من خلال مساعدة الطلاب على بناء الثقة في جهودهم الأكاديمية المبكرة، وكلفة البرنامج؛ التي تُقدَّر بأقل من 75 دولاراً للساعة المعتمدة، والسماح للطلاب بالوصول إلى التعليم محلياً، تطور كلا البرنامجين ليصلا إلى أكثر من 35 ألف طالب سنوياً، ويتجاوز هذا الرقم للالتحاق السنوي المشترك الآن إجمالي عدد الطلاب المسجلين في الحرم الجامعي السكني في مدينة ريكسبورغ، أيدهو، وقد انتُخب مجلس إدارة الجامعة في فبراير/شباط الماضي لإطلاق مؤسسة جديدة؛ وهي «جامعة بريغهام يونغ – باثواي وولدوايد» (BYU-Pathway Worldwide)، للتركيز على تلبية احتياجات هؤلاء الطلاب غير التقليديين.

يتخطى «التحول ب» في «جامعة ولاية أريزونا» مجالات متعددة للتعليم والتعلم، وكل منها يدفع نحو الابتكار في التعليم العالي، وكحال «جامعة بريغهام يونغ – أيدهو»، يتم تنسيق هذا التحول في الجامعة بصورة أساسية من خلال وحدة مستقلة مخصصة لإطلاق المشاريع المزعزعة كثيفة الاستخدام للتكنولوجيا، وقد أسست الجامعة هذه الوحدة باسم «إد بلاس» (EdPlus). فيما يسمى بمشروع «مجالات للتعليم والتعلم 2»، يتم تقديم شهادات البكالوريوس والدراسات العليا التقليدية عبر الإنترنت، ومنذ إنشائه عام 2009، تطور برنامج «إيه إس يو أونلان» (ASU Online)؛ الذي يعمل الآن تحت مظلة «إد بلاس»، من الوصول إلى أقل من ألف طالب في خمسة برامج إلى ما يقارب من 26 ألف طالب في أكثر من 100 برنامج كامل عبر الإنترنت، ومن خلال المجال الثاني (أو البرنامج الثاني)، يربط المصممون في مجال التدريس خبرات أعضاء هيئة التدريس باحتياجات التعلم الخاصة لطالِبِي الشهادات؛ وهذا يتيح للجامعة أن تستجيب للمتعلمين غير التقليديين، ويمكّن أيضاً من تسهيل الاستجابة السريعة والقابلة للقياس لفرص محددة للغاية، فمثلاً، عن طريق شراكة مبتكرة مع «شركة ستاربكس»، تسير الجامعة على الطريق الصحيح لتقديم برامج دراسية إلى 25 ألف من موظفي الشركة (أو الشركاء) بحلول عام 2025.

ينخرط مجال (أو برنامج) التعليم والتعلم الثالث والرابع في «جامعة ولاية أريزونا» أكثر في الابتكار الجامعي، إذ تبلورت «أكاديمية فريشمان الدولية» (Global Freshman Academy) التابعة للجامعة نتيجة العمل في المجال الثالث، وبالشراكة مع «موقع إيديكس» (edX) غير الربحي؛ التابع لـ«معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا» و«جامعة هارفارد»، تعمل الأكاديمية كمنصة تقدم مساقات ضخمة مفتوحة عبر الإنترنت، وتقدم حالياً شهادات أو شارات للدورات التدريبية المكتملة، ومن الجدير بالذكر أن الأكاديمية هي أول من قدم شهادات للبرامج الدراسية من جامعة معتمدة، كما أن كلفة الدراسة للمتعلمين في جميع أنحاء العالم تعتبر منخفضة؛ أي أقل من 200 دولار لكل ساعة معتمدة، ولا يدفع الطلاب للحصول على الشهادة المعتمدة إلا بعد اجتياز المادة الدراسية، وفقط في حال أرادوا الحصول عليها، وقد تجاوز التسجيل الأولي في أول 10 دورات 350 ألف طالب.

تخصص المجال الرابع في التعلم من خلال الاستكشاف، وعلى غرار إدارات البحث والتطوير في الشركات الكبرى؛ يهدف هذا المجال إلى فهم ودمج وتشكيل أحدث مناهج التعلم القائمة على التكنولوجيا. تنطوي الجهود هنا على تطوير منصات للتعلم القائم على الألعاب، والتعلم المتكيف، والتعلم المخصص؛ على سبيل المثال، أحد مشاريع المجال الرابع؛ الذي يقوده جزئياً «مركز التعليم من خلال الاستكشاف» (ETX) التابع لـ«جامعة ولاية أريزونا»، هو مشروع «رحلة ميدانية في الواقع الافتراضي المعزز» (iVFT)؛ حيث يستخدم هذا المشروع تقنيات الصور الرقمية والفيديو والأقمار الاصطناعية والخرائط لالتقاط تجارب العلماء القدماء، ومشاركتها مع المتعلمين من خلال أدوات تفاعلية. هذا ليس سوى مثالاً واحداً عن الطرق المحتملة التي يمكن للجامعة أن تزيد فيها عدد ونوعية الطلاب الذين تصل إليهم، والوسائل التي يمكنهم التعلم من خلالها.

عصر جديد

دخل التعليم العالي في الولايات المتحدة مرحلة جديدة؛ شكلتها تحديات اجتماعية واقتصادية جوهرية، وتسارع تكنولوجي فريد من نوعه، ولمواجهة هذه التحديات، فإن الأساليب القديمة والتكرار والإصرار على التوافق ليست نهج كافية. في المقابل، يوفر التفكير التصميمي مساراً مهماً لتحويل الجامعات إلى مؤسسات متكيفة تستجيب بفاعلية للأسواق القديمة والناشئة، وعلى الرغم من أن التفكير التصميمي والتفكير الاستراتيجي غالباً ما يكونان مرتبطين ارتباطاً وثيقاً، لا يمكن لأي خطة استراتيجية- مهما كانت دقيقة- أن تعالج مؤسسة لا يمكن لتصميمها الداخلي الاستجابة لجميع أنواع المشكلات التي تواجهها.

يُطلب من قادة الجامعات؛ الذين قد يتحملون مخاطرة إجراء التحول المزدوج، الالتزام الكامل برؤى المستقبل المتعددة والمتضاربة، وسوف يواجهون بالتأكيد الشكوك والمقاومة والجمود؛ الأمر الذي قد يبعدهم عن متابعة التحولات التي من المفترض أنها أُجريت سابقاً. نحن ندرك أن هذه الأوقات تعتبر صعبة في تاريخ التعليم العالي في أميركا، لكننا نرى أن هناك فرصة ويجب على القادة أن يرتقوا إلى مستوى التحدي المتمثل في إنشاء نماذج تصميم جديدة ومبتكرة لجامعاتهم، ذلك من أجل تطوير مؤسساتهم وقطاع التعليم العالي والمجتمع ككل.

يمكنكم الاطلاع على النسخة الإنجليزية من المقال من خلال الرابط، علماً أنّ المقال المنشور باللغتين محمي بحقوق الملكية الدولية. إنّ نسخ نص المقال بدون إذن مسبق يُعرض صاحبه للملاحقة القانونية دولياً.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى