أخطاء التحول الرقمي للتعليم في الجامعات

إن التحول الذي يشهده قطاع التعليم العالي من خلال التعلم الرقمي يتوسع بسرعة كبيرة، كما أن الجامعات البحثية العامة الكبرى تنخرط في هذا التطوير تدريجياً؛ إذ تُعدّ «جامعة تكساس في أوستن» (UT Austin)، و«جامعة إلينوي في أوربانا-شامبين» (University of Illinois at Urbana-Champaign)، و«جامعة ولاية أريزونا» (Arizona State University) من بين الجامعات البحثية التي جذبت الانتباه محلياً إلى المساقات الضخمة المفتوحة عبر الإنترنت (MOOC)، وكذلك البرامج التعليمية عبر الإنترنت منخفضة التكلفة، وغيرها من المحاولات الجادة لتوسيع نطاق التعلم الرقمي.

من المؤسف أن العديد من الجامعات تركز بصورة مكثفة على التكنولوجيا فقط للوصول إلى المسجلين خارج الحرم الجامعي، حينما ينطوي الاستخدام الأفضل للتعلم عبر الإنترنت على بنية تحتية تعليمية جديدة تماماً لجميع الطلاب؛ سواء داخل الحرم الجامعي أو خارجه. تتبنى الجهود الأولى المبذولة في «جامعة تكساس في أوستن» هذا الواقع، وقد ساعدت بالفعل على خفض معدلات رسوب الطلاب الجدد بمقدار النصف تقريباً في المواد الدراسية في تخصصات العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات داخل الحرم الجامعي.

من أجل التركيز بصورة أقل على السرعة الكبيرة للتقدم التكنولوجي، وإعطاء أهمية أكبر لإعادة تصميم البنية التحتية للحرم الجامعي؛ المتعلقة بسير عملية التعلم وكيف يمكن أن يطوّر ذلك أهداف المؤسسة الأوسع نطاقاً، ينبغي تجنب أربع أخطاء شائعة.

تبنّي ذهنية «التكنولوجيا أولاً»

لأن أحد الأسباب الكامنة وراء القصور في تقديم التكنولوجيا الموجهة للتعليم هو أنها تتطور بسرعة كبيرة وسرعان ما تصبح قديمة، ولكن إذا استثمرت الجامعات في البنية التحتية المرنة، واستوديوهات إنتاج الوسائط المتعلقة بالتعليم، ونظم تخزين المحتوى الرقمي، وهيكل دعم أعضاء هيئة التدريس، فيمكنها بناء آلية محرِّكة للابتكار يمكن إعادة تغذيتها. في «جامعة إنديانا» (Indiana University)، على سبيل المثال، يسعى القائمون على برنامجها التعليمي المستند إلى الإنترنت (IU Online)؛ الذي يقدم أكثر من 100 برنامج دراسي وشهادة أكاديمية عبر الإنترنت، بإنشاء بنية تحتية لتطوير المواد الدراسية؛ بما في ذلك تصميم البرامج التعليمية والتصميم التقني، كما أنشأت «جامعة إلينوي في أوربانا-شامبين»، «مركز الابتكار للتدريس والتعلم» (Center for Innovation in Teaching and Learning)؛ الذي يدعم أعضاء هيئة التدريس في تصميم وإنشاء وتطبيق المواد الدراسية عبر الإنترنت.

الفشل في التمييز بين الخبرات داخل الحرم الجامعي وخارجه

 وذلك لأن التعلم الرقمي يلغي الفوارق، حيث تعلن بعض الجامعات عن العشرات من البرامج الدراسية المقدمة عبر الإنترنت بالكامل؛ التي تدرّس عادة داخل الحرم الجامعي، ومن بين تلك الجامعات «جامعة ولاية أريزونا» و«جامعة ولاية بنسلفانيا» (Penn State University)، وتشتري جامعات أخرى المواد الدراسية عبر الإنترنت من الناشرين وتبيعها تحت اسمها الخاص، أما على صعيد التوسع السريع في خيارات التعلم خارج الحرم الجامعي؛ سيكون العبء على المؤسسات التي تؤكد على برامج البكالوريوس التي تتطلب الحضور داخل حرمها الجامعي لتحديد القيمة وتبرير التكلفة، ونحتاج هنا إلى التفكير ماليّاً في قيمة شهاداتنا بصورة عامة.

عام 2014، أشركنا في «جامعة تكساس في أوستن»، المئات من أعضاء هيئة التدريس والطلاب في هذا النقاش وعملنا على وضع نقطتين أوليتين؛ أولاً، إن أعضاء هيئة التدريس والطلاب منفتحون بشكل عام على الجداول الزمنية الأكاديمية المرنة، وخطط البرامج الدراسية الأكثر كفاءة، وأنماط التسليم البديلة التي تستفيد من التعلم الرقمي، ثانياً، فوجئنا أن العدسة التي ينظر من خلالها أعضاء هيئة التدريس والطلاب فيما يتعلق بقيمة التعليم الجامعي ليس لها علاقة كبيرة بالمعرفة المقدمة في المحتوى، وإنما باكتساب المهارات من خلال التجارب الفريدة؛ مثل العمل في المختبرات، أو المشاركة في التدريب، أو الدراسة في الخارج. يتمثل أحد أهدافنا قصيرة المدى في الاستفادة من التعلم الرقمي لتركيز الموارد على هذه الأنواع من الأنشطة والنتائج ذات القيمة الكبيرة، وبمرور الوقت، قد تستخدم الجامعات البحثية التكنولوجيا بصورة متزايدة لتوسيع نطاق الوصول إلى مختبراتها؛ كما هو الحال في مختبرات «أي لابز» (iLabs) التابعة لـ«معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا»، لكننا بعيدون جداً عن استبدال خصائص مختبراتنا المادية لتلائم بيئة الإنترنت.

الفشل في ربط التعلم الرقمي بنموذج الأعمال الكلي للجامعة 

يقدم التعلم الرقمي هنا حلاً جزئياً لأحد العوامل التي تؤدي إلى إضعاف التدابير المالية الخاصة بالجامعات التقليدية؛ وهو تحويل الساعات الدراسية المعتمدة للمواد الدراسية التي تؤخذ عند الالتحاق بالجامعة؛ إذ عادة ما تكون المواد الدراسية القائمة على المحاضرات منخفضة التكلفة، وتدعم المواد المتخصصة التي تُعطى في الصفوف العليا، أما اليوم، يصل طالب جامعي متوسط ​​المستوى إلى الحرم الجامعي ومعه أكثر من فصل دراسي من الساعات الدراسية المعتمدة؛ التي اكتسبها من المدرسة الثانوية، أو عبر الإنترنت، أو من كليات المجتمع المحلي؛ مما يقلل من الحاجة إلى المواد الدراسية منخفضة التكلفة؛ والتي تؤخذ عند الالتحاق بالجامعة، وهناك تسارع في تبني هذا التوجه؛ حيث تضمن المزيد من الدول نقل المواد الدراسية بين المؤسسات العامة.

إليكم بعض الأمثلة من أجل توضيح هذا النهج؛ ارتفع عدد الساعات الدراسية المعتمدة في الكلية؛ والممنوحة لطلاب المدارس الثانوية في تكساس من حوالي 100 ألف ساعة في العام الدراسي 1999-2000 إلى أكثر من 1.2 مليون ساعة في 2013-2014؛ وقد قدمت كليات المجتمع أكثر من 90% منها، وفي «جامعة تكساس في أوستن»، تنقل الكليات أكثر من 80 ألف مادة دراسية سنوياً؛ ومن ضمنها العديد من المواد المأخوذة في المدرسة الثانوية.

يمكن للتقنيات التعليمية الجديدة أن تمكّن أعضاء هيئة التدريس والجامعات التي ينتمون إليها من إعادة توظيف المقررات الدراسية من خلال جعلها بمثابة محاور قيمة للتعلم الرقمي تصل إلى طلاب المدارس الثانوية وكليات المجتمع، ويمثل ذلك أحد أهداف مبادرة «أون رامبس» (On Ramps)؛ التابعة لجامعة «جامعة تكساس في أوستن»؛ إذ يمكن للطلاب كسب ساعات دراسية معتمدة في المواد الدراسية المختلطة المقدمة في المدارس الثانوية المحلية وكليات المجتمع والمصممة خصيصاً لتتماشى مع التوقعات اللاحقة في الجامعة، وفي «جامعة تكساس في أوستن» وجامعات أخرى، سيتمكن الطلاب تدريجياً من الاستفادة من أدائهم في المواد الدراسية المختلطة عبر الإنترنت؛ التابعة للجامعة، لإثبات قدرتهم التنافسية للمسؤولين عن تسجيل الطلاب، كما يمكن أن تدعم رسوم هذه المواد عبر الإنترنت مواد دراسية أخرى أكثر تخصصاً، وتجارب تعليمية فريدة من نوعها تفيد الطلاب وأعضاء هيئة التدريس والمؤسسات.

الفشل في إعادة النظر في هياكل الحوكمة 

يمكن لأعضاء هيئة التدريس وأصحاب المصلحة الآخرين أن يكون لديهم مساهمات هامة في استراتيجية التعلم الرقمي والبنية التحتية للمؤسسة التعليمية. على سبيل المثال، لم تواكب سياسات الملكية الفكرية وتيرة الابتكار عبر الإنترنت، وإذا كانت الجامعات تمتلك حقوق الملكية الفكرية للمواد الدراسية التي أنشأها أعضاء هيئة التدريس، وكان تعويض أعضاء هيئة التدريس مستقلاً عن أعداد الطلاب المشاركة ونجاح الدورة التدريبية عبر الإنترنت، فما هي الحوافز لتدريس 10 آلاف طالب بدلاً من 100، أو لجعلهم يشاركون في التدريس أساساً؟ تدير السياسات في الجامعات الأمر برمته؛ بما في ذلك سياسة حقوق الملكية للجامعة في «جامعة ويسكونسن- ماديسون» (University of Wisconsin-Madison)، وسياسة الحقوق المشتركة في «جامعة بيردو» (Purdue University)، وسياسة حقوق الملكية لأعضاء هيئة التدريس في «جامعة كاليفورنيا-إرفاين» (University of California-Irvine).

في «جامعة تكساس في أوستن»، عملنا بشكل وثيق مع مجلس أعضاء هيئة التدريس لتحسين هياكل الحوكمة لدينا للتعامل مع هذه القضايا، واتخذنا أيضاً الرأي القائل بأنه ينبغي على أعضاء هيئة التدريس امتلاك حقوق الملكية الفكرية للمواد الدراسية المنشأة من قبلهم، وترخيصها للجامعة، كما يشارك المجلس لدينا بفاعلية في القضايا ذات الصلة؛ مثل تقاسم الإيرادات، ووضع التوجيهات المتعلقة بجودة المواد الدراسية، وقد أنشأ هياكل جديدة للتوصية لإحداث تغييرات في السياسات المتبعة، وعلى الرغم من أن هذا الهيكل موجود منذ مدة قصيرة فقط، لكنه يوضّح بالفعل تسلسل المسؤوليات و صلاحيات اتخاذ القرار.

ردود الفعل حول التعلم الرقمي

لا شك أن ليس جميع أعضاء هيئة التدريس متفائلون بشأن التعلم الرقمي؛ إذ يرى بعض الأساتذة أن التعلم الرقمي هو بمثابة استراتيجية لخفض أعداد أعضاء هيئة التدريس، وفرض نظام معين على تجارب تعلم الطلاب أو التحكم الإداري بهم، وهناك سيناريوهات سلبية جداً؛ حيث تصّور أعضاء هيئة التدريس على أنهم مجرد خبراء متعاقدين مع الجامعة، أو يعملون مقابل أجر، أو الأسوأ من ذلك؛ يسجلون مقاطع فيديو تدريسية عبر الإنترنت بحيث يمكن الاستفادة منها بعد فترة طويلة من مغادرتهم. نحن نعمل بجد لأخذ هذه القضايا في الاعتبار (مثل منح أعضاء هيئة التدريس ملكية المواد الدراسية الخاصة بهم عبر الإنترنت) حتى لا يشعر أي منهم بالاستغلال، ولخلق حوافز للوحدات الأكاديمية لتوسيع نطاق الابتكار الأكاديمي.

لا زلنا في بداية عصر التعلم الرقمي، والنُهج الأولية التي تبنتها هذه الجامعات البحثية العامة الكبرى تعمل على تعزيز الحوار المثمر حول كيفية تسريع إظهار الإمكانات الثورية للتعليم عبر الإنترنت، وتمكين الخريجين من تحقيق نتائج أفضل، وفي حين أن أحدث التقنيات ستحظى دائماً بالجاذبية، لكن المحاولات الجادة الأقل بريقاً لهذه المؤسسات؛ المتمثلة في إعادة التفكير في البنى التحتية التعليمية الخاصة بها، تستحق المتابعة الدقيقة لأن هناك مؤسسات أخرى تسعى إلى تبنّي نماذج عملية.

اقرأ أيضاً: آفاق التعلم مفتوح المصدر

يمكنكم الاطلاع على النسخة الإنجليزية من المقال من خلال الرابط، علماً أنّ المقال المنشور باللغتين محمي بحقوق الملكية الدولية. إنّ نسخ نص المقال بدون إذن مسبق يُعرض صاحبه للملاحقة القانونية دولياً.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى