إعادة صياغة التعليم في الدول النامية

إعداد: كريستي يوثاس، مارك إبستين

 

تم النشر 15 أكتوبر 2020

تشكل قضية التعليم في الدول النامية إحدى أهم القضايا التي تشغل بال العاملين في المجال الاجتماعي، ففي معظم الدول النامية، يتخرج بضعة طلاب فقط من المدرسة الثانوية، إلا أن الكثير من الأطفال لا يستكملون المرحلة الابتدائية حتى. في غانا، على سبيل المثال، يصل 50٪ فقط من الأطفال للصف الخامس الابتدائي، وأقل من نصفهم يستطيع فَهْمَ فقرة بسيطة.

نجح برنامج اليونسكو (التعليم للجميع) -الذي يهدف كجزء من الأهداف الإنمائية للألفية إلى توفير تعليم مجاني شامل في المدارس الابتدائية- في زيادة تسجيل التلاميذ بالمدارس بشكل ملحوظ. ولكن وفقاً للتقارير السنوية للتعليم للجميع، تسرّب العديد من الأطفال قبل إكمال دراستهم. والسؤال هو: لماذا لا يستمرون في الدراسة؟

هناك الكثير من الأسباب، بما في ذلك صعوبة الوصول إلى المدرسة وتكلفة الدراسة. حتى عندما تكون الرسوم المدرسية مجانية، غالباً ما تكون هناك تكاليف الغذاء والزيّ الرسمي ورسوم الامتحانات. ولأن جودة التعليم غالباً ما تكون ضعيفة، يضطر أولياء الأمور إلى دفع تكاليف الدروس الخصوصية لتمكين أطفالهم من النجاح في الاختبارات.
أثناء وجودهم في المدرسة، يتخلى الأطفال عن فرص جني الدخل من العمل في مزرعة العائلة أو البيع في السوق، ما قد يجعل الأهل يفكرون في هذا الدخل كفرصة بديلة أفضل.

وليس من المستغرب ألّا تؤدي الاستثمارات في التعليم إلى نتائج ملائمة أو حتى تعليم الأطفال القراءة والكتابة ومبادئ الحساب، ولهذا لا يبقي الآباء والأمهات أطفالهم في المدرسة.

حتى عندما تكون مخرجات التعليم كافية، يكمل بضعة طلاب دراستهم في المرحلة الثانوية. إن فرص العمل لمعظم الناس في الدول النامية ضئيلة، وهذه الفرص لا تتحسن بشكل كبير حال بقاء الطالب في المدرسة إلى ما بعد الصف الخامس الابتدائي أو حتى الصف العاشر (الأول ثانوي). لا تؤمن الغالبية العظمى من السكان في المناطق الفقيرة فرص عمل رسمية ويتم دعمهم بشكل أساسي من خلال الزراعة والتجارة لتأمين معيشتهم فقط. والخدمات الصحية في هذه المناطق سيئة أيضاً، حيث يموت ملايين الأطفال سنوياً من الأمراض التي يمكن السيطرة عليها مثل الإسهال والتهابات الجهاز التنفسي والملاريا.

تتبنى البرامج التعليمية عادة نماذج التعليم الغربية التقليدية التي تولي اهتماماً بتعليم الرياضيات والعلوم واللغات والدراسات الاجتماعية. تخصص هذه البرامج موارد نادرة لتعليم مواضيع مثل الأساطير الإغريقية أو الأرقام الأولية أو حركة الصفائح التكتونية، وهي المواضيع التي ربما توفر حافزاً فكرياً للطلاب، ولكنها لا تمت بصلة إلى حياة هؤلاء الأطفال الفقراء. يواجه الطلاب المتفوقون في المناطق الأقل نمواً مستقبلاً مختلفًا عن نظرائهم في المناطق الغنية، حيث لا توجد مستويات تعليم عليا أو فرص عمل مهنية في انتظار معظم هؤلاء الأطفال، ومن المرجح أن ينتهي بهم الأمر بالعمل في مزرعة العائلة أو المزارع المجاورة أو البدء بمشاريعهم الخاصة الصغيرة.

لا يتيح التعليم للطلاب إمكانية الإلمام بالشؤون المالية التي سيحتاجون إليها لإدارة الموارد الضئيلة التي يمتلكونها، ولا التوجيه اللازم لخلق فرص لتأمين مصدر العيش أو بناء الثروة. بالإضافة إلى ذلك، لا يقدم التعليم سوى القليل من المساعدة لتعزيز الصحة البدنية اللازمة للاستقرار الاقتصادي وجودة الحياة. ومتوسط العمر المتوقع للمواطن في المناطق الفقيرة منخفض، ولا يعود السبب إلى نقص الرعاية الطبية الجيدة فحسب. إذ يمكن بشكل ملحوظ التخفيف من حدة الدمار الذي تلحقه الأمراض التي يمكن الوقاية منها من خلال توفير الرفاه والاستقرار المالي في المناطق الفقيرة ومن خلال تقديم إرشادات حول السلوكيات الصحية الأساسية، مثل غسل اليدين.

نؤمن بشدة أن الطلاب في المناطق الفقيرة ليسوا بحاجة إلى المزيد من المهارات الأكاديمية فحسب، بل إلى مهارات حياتية تمكنهم من تحسين رفاهتهم وإمكانياتهم المالية. وتشمل هذه المهارات التوعية المالية ومهارات ريادة الأعمال والعناية بالصحة والإدارة الصحية والقدرات الإدارية مثل العمل بروح الفريق وحل المشكلات وإدارة المشاريع.

خلال السنوات الخمس الماضية، قمنا بأعمال مكثفة بشأن تحسين أحوال التعليم في الدول النامية. لقد قمنا بزيارة العديد من المدارس الحكومية وغير الحكومية والخاصة واطلعنا على برامج تدريب المعلمين في آسيا وأمريكا اللاتينية وإفريقيا، وتحدثنا بشكل مكثف مع المعلمين والطلاب وأصحاب المدارس والمسؤولين الحكوميين. كما شاهدنا البرامج التعليمية الإبداعية التي تعد من أكبر البرامج التعليمية وأكثرها نجاحًا في العالم، بما في ذلك برامج «بي آر اي سي» (BRAC)، وهي منظمة غير حكومية في بنغلاديش تمتلك وتدير 32000 مدرسة ابتدائية؛ كما اطلعنا على مشروع منظمة «براثام» (Pratham) الذي يوفر برامج محو الأمية وغيرها من برامج الدعم التعليمي، ويتولى تدريس 33 مليون طفل في الهند؛ وكذلك مشروع المدرسة الجديدة «اسكويلا نويفا» (Escuela Nueva)، وهو البرنامج الكولومبي للتدريس في مدارس الصف الواحد والمدارس متعدد الصفوف، والذي نما حتى شمل (20.000) مدرسة. لقد نفذنا تدريباً لمحو أمية للكبار في الدول النامية واختبرنا هذا التدريب بشكل فعال على مدى السنوات القليلة الماضية، حيث طبقنا أفضل خبراتنا لتحسين المنظمات، مثل منظمة «أوبرتيونيتي انترناشيونال» (Opportunity International)، وهي مؤسسة كبيرة للتمويل المتناهي الصغر.

لقد أقنعتنا هذه التجارب أن الوقت مناسب لإعادة تعريف جودة التعليم في الدول النامية.

التعليم في الدول النامية بنموذج جديد كلياً

لقد طورنا نموذج تعليمي قوي يجمع بين المحتوى التقليدي والمهارات المالية والصحية والإدارية المهمة للغاية، والتي يمكن تقديمها عن طريق المعلمين وأنظمة المدارس الحالية.

يعمل نموذجنا، الذي نطلق عليه «مدرسة من أجل الحياة»، على تحويل هدف التعليم بعيداًً عن تحقيق مخرجات التعليم النموذجية ودفعها نحو إحداث تأثير إيجابي على الرفاه الاقتصادي والاجتماعي للطلاب ومجتمعاتهم. يتطلب النموذج إدخال تغييرات مهمة في كل من المحتوى وعلم أصول التدريس. أولاً، يعتبر المنهج الصحي ومنهج ريادة الأعمال من مكونات المناهج الإلزامية لجميع طلاب المرحلة الابتدائية. ثانياً، تستخدم أساليب التعليم المتمركز حول المتعلم والتي تتطلب من الطلاب العمل في مجموعات لحل المشكلات المعقدة وإدارة المشاريع بأنفسهم.

هذا المنهج مستوحى من نماذج تعليم الكبار في الدول النامية التي تركز على الكفاءة الذاتية كأساس جوهري لكسب العيش بطريقة إيجابية وعلى سلوكيات الرعاية الصحية، جنباً إلى جنب مع طرق تدريس التعلم النشط المستخدمة في المدارس المتقدمة في جميع أنحاء العالم. يعتمد المنهج الصحي على عمل منظمة الصحة العالمية ويركز على الوقاية من الأمراض ورعاية الأطفال المرضى والحصول على الرعاية الطبية. ومنهج ريادة الأعمال مستوحى من عملنا مع رواد الأعمال الكبار في الدول النامية، وهو يستمد الأفكار من مجموعة واسعة من البرامج المالية والريادية التي طورتها المنظمات، مثل: منظمة العمل الدولية، ومنظمة «إنجاز» (Junior Achievement) الشبابية ومنظمة «أفلاطون».

نحرص على وضع المعرفة المفاهيمية موضع التطبيق في المدرسة من خلال الأنشطة التي تمكن الأطفال من استخدام ما تعلموه. على سبيل المثال، يمارس الطلاب السلوكيات الصحية الروتينية، مثل غسل اليدين وارتداء الأحذية بالقرب من المراحيض والتعرف إلى أقصى حد ممكن على سلوكيات مهمة أخرى مثل: غلي مياه الشرب واستخدام الناموسيات -ستار يقي من الحشرات أثناء النوم-  لتجنب الإصابة بالملاريا. كما نحرص على أن يمارس الطلاب المعاملات التجارية الروتينية من خلال كسب نقاط من العمل المدرسي وإعداد الميزانيات لتلك النقاط للحصول على جوائز قيّمة، مثل الجلوس على الكرسي المفضل أو أن الجلوس في المقعد الأول في الصف.

كذلك يطوّر الطلاب مهارات عالية المستوى أثناء عملهم في لجان لتطوير المشاريع المعقدة وتنفيذها. ويمكن أن تتراوح مراحل العمل في المشاريع المتعلقة بالصحة من التخطيط إلى تنفيذ النشاط الرياضي الذي يتم لعبه خلال الاستراحة وصولاً إلى ممارسة مهارات تشخيصية عندما يكون زملاء الدراسة مرضى، وهذا يساعد في اتخاذ القرار، على سبيل المثال، متى تتحول نزلة البرد إلى التهاب الجهاز التنفسي الذي يتطلب مضادات حيوية.
كما تشمل مشاريع ريادة الأعمال تحديد فرص السوق واستغلالها من خلال أفكار تجارية، مثل الحدائق المدرسية أو مشروعات إعادة تدوير الخامات والمنتجات في المجتمع التي تخلق قيمة حقيقية. كما يتعلم الطلاب ويمارسون المهارات وكيفية التصرف في المواقف في مكان العمل، مثل التفويض والتفاوض والتعاون والتخطيط. هذه الفرص نادراً ما تكون متاحة لهم خارج نطاق أسرهم.

بدأت بعض الأنظمة المدرسية وخاصة في المرحلة الثانوية بإدراج مواضيع ريادة الأعمال والصحة ضمن متطلبات مناهجها الدراسية. ولا يكفي تضمين المعلومات في المحاضرات الأساسية بل يجب أن تتبنى المدارس في آن واحد مناهج تربوية ذات توجه علمي من شأنها صقل مهارات التفكير النقدي وتمكين الأطفال من تحديد المشكلات والبحث عن المعلومات والموارد ذات الصلة وتقييمها، وتصميم خطط لحل هذه المشكلات وتنفيذها. ويشمل ذلك معالجة المشاكل الحقيقية التي تتطلب من الطلاب أخذ زمام المبادرة وتمكنهم من تحمل مسؤولية تعلمهم.

لم يتم حتى الآن تبني التنفيذ الكامل للمنهج الجديد «مدرسة من أجل الحياة» من قبل أي منظمة رئيسية، ولكن يتم تطوير نسخة تجريبية حالياً من قبل المدرسة الجديدة «سكويلا نويفا» في كولومبيا. كانت هذه المدرسة رائدة في تطويع المناهج التي تتمحور حول الطالب لاستخدامها في البيئات الريفية الفقيرة، والتي غالباً ما تستخدم فصولاً دراسية متعددة. تطور المدرسة الجديدة المواد الدراسية والأساليب التربوية بحيث يعمل الطلاب في فرق موجهة ذاتياً للتعلم والمناقشة والممارسة بشكل فعال، باستخدام المحتوى الأساسي المتضمن في المناهج الحكومية الموحدة.

من خلال هذا المزيج الفريد من المحتوى ذي الصلة والتنفيذ العملي وتمكين الطلاب، يطوّر الأطفال مجموعة من المعارف والمهارات والمواقف التي تمكنهم من النجاح والازدهار عندما يتركون المدرسة، سواء توجهوا نحو الكلية أو بقوا في مجتمعاتهم.

الحاجة إلى تغييرات جذرية

يعتمد التعريف التقليدي لجودة المدرسة في الدول النامية على إتقان المحتوى. لكن استخدام مناهج التعليم التقليدية خلال السنوات الثمينة القليلة التي يقضيها معظم الأطفال في المدرسة سيؤدي إلى إهدار الموارد وضياع فرص الأفراد والمجتمعات. يجب على المنظمات والهيئات الحكومية التي تدعم جودة التعليم وتعززها لجميع الأطفال أن تتجاوز النماذج التقليدية لمساعدة الأطفال على تطوير المعارف والمهارات والمواقف ذات الصلة بحياتهم والتي يمكن أن تنتشلهم من الفقر.

لقد عملت الحكومات والمنظمات التي تركز على الاستثمار في التعليم في الدول النامية على مدى وقت طويل جداً تبعاً للافتراض الذي لا جدال فيه بأن درجات الاختبارات الدراسية المتحسنة كانت دليلاً واضحاً على أن استثماراتها قد أثمرت. ولكن – كما نناقش هنا – إذا لم يكن إتقان مناهج المدارس الابتدائية الأساسية هو أفضل وسيلة لتحسين فرص الحياة وتخفيف حدة الفقر في الدول النامية، فإن هذا النموذج لن يعمل. لم يعد الاستثمار في التدخلات التي تحقق درجات أعلى في الاختبارات المدرسية نهجاً صحيحاً لاستثمار الأموال الشحيحة للتعليم أو الوقت المحدود المتاح لتنمية العقول الشابة. لقد حان الوقت للبحث عن التدخلات التي تؤدي إلى إحداث تأثير اجتماعي واقتصادي أكبر على الفقراء.

اقرأ أيضاً: التفكير التصميمي لاستئصال أسباب الفقر.

يمكنكم الاطلاع على النسخة الإنجليزية من المقال من خلال الرابط، علماً أن المقال المنشور باللغتين محمي بحقوق الملكية الدولية. إن نسخ نص المقال بدون إذن مسبق يعرض صاحبه للملاحقة القانونية دولياً.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى