ما هي أنماط التفكير الضرورية للسلوك العقلاني؟

تعرفوا على النظامين الخاصيّن بأنماط التفكير الضرورية للسلوك العقلاني

تطوّر “النظام 1” للمرَّةِ الأولى في تاريخِنا التطوريِّ عندما كانَ البشرُ يعيشونَ في مُجتمعاتٍ صغيرةٍ حيث يعرفُ الجميعُ بعضَهُم البعض، وعندما يندَفِعونَ لتَجنُّبِ المَخاطرِ المُباشَرَةِ – نمرٌ مُطارِدٌ، بطنٌ مُتذمِّرٌ، أو مُحارِبٌ عدوّ – كانَ النظامَ اليومي. “لم يكُن علينا التوسع في أنماط التفكير حيث لم يكن علينا التفكير في المشكلاتِ واسعةِ النطاق، أو الأشخاصِ الذين يعيشونَ في مكانٍ آخر، أو أعدادٍ كبيرةٍ من الناس، كان علينا التفكيرُ فقط في نجاةِ عددٍ قليلٍ من الناسِ هَنا وفي الوقتِ الحاليِّ” كما يقولُ بول سلوفيتش؛ عالمُ النفسِ المعرفي في جامعة “أوريغون”، وحتى يومِنا هذا؛ يستجيبُ “النظامُ 1” بسهولةٍ أكبر لحالاتِ الحياةِ أو الموت، والمواقعِ المحلِّيَّةِ القريبةِ، والأعدادِ الصغيرةِ، وصيغةِ المُضارع (المذكورة في الجزء الأول من السلسة: عقلية الأزمات في المنظمات غير الربحية).

فكرة أخرى

من ناحيةٍ أُخرى، فإنَّ “النظامَ 2” تحليليٌّ وتداوليٌّ وعادةً ما يكونُ واعياً. يتعامَلُ أسلوبُ التفكيرِ هذا وفقَ القَواعِدِ والحُجَجِ والحِساباتِ والاستِقطاعاتِ. إنَّهُ مُراقِبُنا، والمُفَتِّشُ العامُّ، والمُدقِّق، وهو يُراقِبُ جودةَ الانطباعاتِ البديهيَّةِ “للنظامِ 1”. نظراً لأنَّ “النظام 2” تَطَوَّرَ بعدَ “النظامِ 1″، فإنه لا يَزالُ نمطَ تفكيرِنا الثانوي؛ ما لم يتم دفعُ “النظامِ 2” إلى اتخاذِ إجراءٍ لتقييمِ الفائدةِ النسبيةِ للتبرُّعِ بالمالِ لضَحيَّةٍ واسعةِ العينَين لأحدَثِ كارِثةٍ مَحَلِّيَّةٍ مُقابِلَ الملايينِ من ضحَايا الملاريا مَجهُولِي الهويةِ في مكانٍ ما فِي الخارجِ – على سبيلِ المثال -، فإنَّ القضيَّةَ التي تجذُبُ مشاعرَ “النظامَ 1” هي التي تَحصُلُ على الشيك. يُمكنُ لحياةٍ واحدةٍ أو قصةٍ أو صورةٍ واحدةٍ أن تَتَفَوَّقَ على ملايينِ الأرواح، فالأرباحُ في حالاتِ الطوارئِ تُضعِفُ المشاكلَ العالقة.

على عكسِ الطريقةِ التي فَكّرَ بها الناسُ تقليدياً حولَ العقلِ والعاطفة، فإنَّ اتخاذَ القرارِ الجيد لا يَعتَمِدُ على قُدرَةِ العقلِ على إخراجِ العاطفةِ من المُعادَلة. بدلاً من ذلك؛ يقول بول سلوفيتش؛ عالمُ النفسِ المعرفي في جامعة “أوريغون” أن “كلٌّ من “النظامِ 1″ و”النظامِ 2″ ضروريان للسلوكِ العقلاني”. تماماً مِثلَما يُصحِّحُ “النظامُ التأمُّليُّ 2” انطباعاتِ “النظامِ العاطفيِّ 1″؛ يجبُ على “النظامِ 2” أن يُجَنِّدَ الحماسَ التحفيزيَّ “للنظام 1” لإنجازِ الأمور.

ومع ذلك، ففي عالمِ العمَلِ الخيري، غالباً ما يكونُ “النظامُ 2” خارجَ الإيقاع، والمآسي التي لا مجالَ للتأجيلِ فيها؛ مثلَ الملاريا أو الإيدز؛ والتي تَتَطَلَّبُ مناشدةً لتحليلِ “النظامِ 2” لجذبِ أموالِ المُتَبَرِّعين، ينتهي بِها الأمرُ في كثيرٍ من الأحيانِ إلى فُقدانِ فُرصَةِ جمعِ الأموال.

بين القلب والعقل

قد يبدو حلُّ هذهِ المُشكلةِ قابلاً للتطبيقِ على النظامين 1 و2 في نفسِ الوقت، ومنَ المُفارَقةِ أنَّ الجمعَ بين كلٍّ من العاطفةِ والتحليلِ في نفسِ السَوِيَّةِ يُمكنُ أن يأتي بنتائجَ عكسية. لطالما أثارَ الاهتمامُ باللامُبالاةِ النسبيةِ للأشخاصِ المُتعاطِفين تجاهَ أزماتِ العالمِ الأكثر تدميراً – وخاصةً الإبادةُ الجماعيةُ – مما دَفَعَ سلوفيتش وزُملاءَهُ ديبرا سمول من كلية “وارتون” وجورج لوينشتاين من جامعة “كارنيغي ميلون” إلى إطلاقِ تجرُبةٍ سُلوكيةٍ مُباشرة. حثّوا الناس على المُساهَمةِ في قضيةٍ طويلةِ الأمدِ: قصةٌ عن شخصٍ يُعاني، أو مجموعةٌ من الحقائقِ والأرقام، أو كليهما؟

بعدَ تحصيلِ رواتبهم مُقابِلَ المُشارَكَةِ في تجربةٍ ليست ذاتِ صلةٍ، واجَهَ المُشارِكونَ في الدراسةِ عن غيرِ قصدٍ حملةً لجمعِ التبرعاتِ لصالحِ مُنظمةِ “أنقِذوا الأطفال”. قرأ ثلثُ المجموعةِ عن فتاةٍ فقيرةٍ جائعةٍ تبلغُ من العمرِ 7 سنواتٍ من مالي تُدعى “روكيا”، وقد أُظهِرَت صُورَتُها أيضاً. شاهدَ ثلثٌ آخرٌ من المشاركين لقطةً إحصائيةً عن جُزءٍ من إفريقيا؛ حيثُ يوجدُ 17 مليون شخصٍ يُعانونَ من الجوعِ الشديدِ في 4 دُوَلٍ – يُعانونَ من نقصِ الغذاءِ وفسادِ المحاصيل، و4 ملايينَ آخرين من دونِ منازل، بينما تَلَقَّى الثلثُ الأخيرُ من المُشاركين كِلتا الحالَتَين، فقد قَرَؤوا قصةَ روكيا وشاهَدوا المعلوماتِ الإحصائيةَ – مثلَما يفعلُ قُرَّاءُ صحيفةِ “نيويورك تايمز” أو التقاريرِ السنويةِ لطُلَّابِ منظماتِ الإغاثة. بعدَ ذلكَ؛ تَمَّت دعوةُ جميعِ المُشاركين للتَبَرُّعِ بالمالِ من أجلِ “التخفيفِ من أزمةِ الغِذاءِ الحادَّةِ في جنوبِ إفريقيا وأثيوبيا”.

تبرع المُشاركونَ الذين قَرؤوا فَقط عن الطفلةِ الجائعةِ “روكيا” بأكبرِ قدرٍ من المال. يقول سلوفيتش: “عندما يتعلَّقُ الأمرُ بإثارةِ التعاطُف، فإنَّ الضحيةَ الفرديةَ التي تمَّ تحديدُها؛ ذاتُ الوجهِ والاسم المألوفَين، ليسَ لها نظير”. يبدأ “النظام 1” في بدءِ كتابةِ الشيك مرةً أخرى. وكما توقَّعَ الباحثون، فإن قِراءةَ الصورةِ الإحصائية العامةَ فقط هي التجربةُ التي ألهمَت أقلَّ مقدارٍ من العطاء؛ فَشِلَ “النظامُ 1” في المُلاحظة، وتمَّ تأجيلُ “النظام 2”.

لكن الأكثر إثارة للدهشة كانَ سلوكَ المشاركين الذين قرؤوا قصَّةَ “روكيا” والحقائقَ الإحصائية معاً؛ كانت هذه المجموعةُ الأكثرُ استنارةً على الإطلاق هي الأقلُّ سخاءً بكثيرٍ من المجموعةِ التي قرأت ملفَّ “روكيا” الشخصي فقط، وكانت أكثرَ سخاءً قليلاً من المجموعة التي شاهدت اللقطة الإحصائية فقط. بعبارةٍ أخرى؛ ظهرت القصة البسيطة لضحيةٍ يُمكنُ التعرُّفُ عليها، بينما كانت محاولةُ إعطاءِ فكرةٍ عن حجمِ المُشكلةِ قد أضعفَت فكرةَ جمعِ التبرعات فحسب.

بمناقشةِ هذه النتائج؛ يقتبس سلوفيتش من الروائية باربرا كينغسولفر في كتابِها “المدُّ العالي في تاكسون” (High Tide in Tucson) ما ذكر في الصفحة رقم (231):

يُمكنُ أن تُخبرَكَ إحدى الصُّحُفِ أن مائةَ شخصٍ -على سبيلِ المثال- في طائرةٍ، أو في العراق، ماتوا اليوم، ويُمكنُكَ أن تُفكِّرَ بينك وبينَ نفسِك “يا لهُ من أمرٍ حزينٍ للغاية”، ثم تقلُبُ الصفحةَ لترى كيف فازَ فريقُ “وايلدكاتس”؛ لكن الروايةَ يُمكنُ أن تأخُذَ حياةً واحدةً فقط من تلكَ الأرواحِ المائة، وتُظهرُ لكَ بالضبط كيف كُنتَ لتَشعُرَ لو كُنتَ مكانَ هذه الإنسانةِ حينَ تنهضُ من السريرِ في الصباح، وتراقبُ ضوءَ الصحراءِ على بلاطِ مدخلِ منزِلها وعلى انحناءةِ خدِّ ابنَتِها. يُمكِنُكَ تَذَوُّقِ فطورِ هذه الشخصية، وحُبَّ عائِلَتِها، وتصنيفَ مخاوفِها على أنَّها مخاوفُك، وتَعلُّمِ أن ميتةً في هذا المنزل ستكونُ نهايةَ الحياةِ الوحيدةِ التي قد يَعيشُها شخصٌ ما على الإطلاق، وأنها لا تقلُّ أهميَّةً عن حياتك، ولا تقلُّ أهميةً عن حياتي.

استغلالُ الاتصالات الشخصية

يكون “تأثير الضحية التي يُمكِنُ التعرُّفُ عليها” أكثرَ وضوحاً” إذا كانت الضحيةُ مُشابهةً لشخصٍ يعرِفُهُ المُتبرّعُ، أو إذا كانت تعيشُ في مكانٍ مألوفٍ للمتبرع؛ ليس من المُستَغرَبِ أن نشعُرَ بمزيدٍ من التعاطُفِ مع الأشخاصِ الذين تربِطُنا بهم علاقةٌ شخصيةٌ – الذينَ يُشبِهونَنا، والذينَ يعيشونَ بالقُربِ منَّا، والذينَ يأتونَ من الأماكن التي ننتمي إليها، أو الذين مرُّوا بتجاربَ مُماثِلَةٍ لتجارِبنا.

يعتقدُ سمول أنَّ مُستوياتِ العطاءِ الخيري تختلفُ اختلافاً كبيراً لأنَّ درجةَ “المسافةِ الاجتماعيةِ” بين الضحايا والمُتبرِّعين المُحتملين تختلفُ كثيراً حسبَ القضيَّةِ، كسببٍ جُزئي. يقومُ كلٌّ من نانسي ريغان وروب لوي وميا هام بالترويجِ للجمعياتِ الخيريةِ التي تَتَضمَّنُ أمراضاً أُصيبَ بها أحدُ أفرادِ عائلاتِهم. يعرفُ مُعظمُ المُتطوعون في جمعيةِ الزهايمر شخصاً مُصاباً بمرضِ الزهايمر، ووجدَ سمول أنَّ أصدقاءَ شخصٍ توفِّيَ بسببِ الإيدز هم الأكثرُ احتمالاً للتطوُّعِ في الجمعياتِ الخيرية التي تدعمُ ضحايا الإيدز.

في التجاربِ السلوكية الخاصة بأنماط التفكير، وجد سمول أنَّ الأشخاصَ الذين أقاموا صداقةً مع “ضحيةٍ” في لعبةٍ مُصمَّمَةٍ خصيصاً كانوا أكثر كرماً مع ضحايا مجهولين آخرين واقعين في نفسِ المِحْنَة. “كُلَّما كانتِ المسافةُ الاجتماعيةُ أقصر، كُلَّما شعرَ الأشخاصُ أكثر برابطٍ يجمعهم بالمُشكلةِ؛ سواءً كانت حَدَثاً لمرَّةٍ واحدةٍ أو مشكلةً مستمرة” يقول “سمول”، ويضيف: “يعرفُ الكثيرُ من الناس شخصاً مُصاباً بسرطان الثدي، سافرَ الكثيرُ من الناس إلى نيو أورلينز؛ وبالتالي شعروا بوجودِ صلةٍ بينَهم وبين المكان”.

يمكنكم الاطلاع على النسخة الإنجليزية من المقال من خلال الرابط، علماً أنّ المقال المنشور باللغتين محمي بحقوق الملكية الدولية. إنّ نسخ نص المقال بدون إذن مسبق يُعرض صاحبه للملاحقة القانونية دولياً.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى