هل تخفيض حجم أطباق الطعام يُقلل الهدر؟ دراسة علمية تُجيب

3 دقيقة
shutterstock.com/New Africa
استمع الى المقالة الآن هذه الخدمة تجريبية
Play Audio Pause Audio

يمثل هدر الطعام تحدياً عالمياً صعباً، وعلى مستوى دول الخليج؛ تبقى قضية الهدر مصدر قلق مُلح، إذ يتخلص السكان من كمية كبيرة من الطعام سنوياً تتراوح وفق التقديرات من 110 كيلوغرامات إلى 427 كيلوغراماً للشخص الواحد، ​وهو رقم أعلى بكثير من المتوسط ​العالمي البالغ 70 كيلوغراماً للشخص الواحد، ويسلط الضوء على التحديات التي تواجهها المنطقة بسبب ندرة الموارد والأثر البيئي.

يستدعي هذا التحدي المثير للقلق اتخاذ تجار التجزئة والمنتجين إجراءات في جميع نقاط سلسلة الإنتاج، من ضمنها الحد من هدر الطعام في المنزل.

البحث في العوامل السلوكية

تخضع غالبية عاداتنا الغذائية لسيطرة ما يطلق عليه دانيال كانيمان “النظام 1″؛ أي أنها تحدث من خلال عمليات غير واعية تتأثر بعوامل لا ندركها، وتشكل هذه العوامل جزءاً من هندسة الاختيار التي يمكن تغييرها للتأثير في عملية صنع القرار، على هذا النحو، يُعد حجم الطبق أحد العوامل التي تؤثر في سلوك تناول الطعام، فالطبق الذي نستخدمه يقدم لنا تمثيلاً مرئياً يؤثر في تقديرنا لكمية الطعام فيه، ما يعني أنه من المرجح أن نضع في الطبق الأكبر كمية من الطعام أكبر من التي نضعها في الطبق الأصغر.

وبالنظر إلى الأبحاث التي تشير إلى أن زيادة حصة الطعام تؤدي إلى زيادة الاستهلاك والهدر؛ أُجريت عدة تجارب لمعرفة إذا كان لتقليل حجم الطبق تأثير في مسألة هدر الطعام. على سبيل المثال، وجد مركز الأبحاث آي ندج يو (iNudgeyou) أن الاستعاضة عن الأطباق الأكبر حجماً التي يبلغ قطرها 27 سم، بأطباق أصغر قطرها 24 سم أدت إلى تقليل هدر الطعام بنسبة 26%، وأشارت تجربة أخرى إلى أن تقليل قطر الطبق من 24 سم إلى 21 سم يقلل من هدر الطعام بنسبة 20% تقريباً.

على هذه الخلفية، أجرينا تجربة في دولة قطر لقياس تأثير تقليل حجم الطبق في هدر الطعام خلال فعالية طلابية تمكِّن الطلاب والمعلمين من تطبيق ممارسات صديقة للبيئة في مدارسهم، وكنا مهتمين على وجه الخصوص باختبار تأثير التمثيل المرئي لحصص الطعام المخفضة في الأطباق الصغيرة، في أنماط هدر الطعام.

وتمثلت التجربة في دعوة المعلمون والتلاميذ لحضور فعالية تمتد يوماً كاملاً، وخلال فترة الغداء، جُهزت مائدتا طعام متماثلتان للمشاركين مع فارق واحد بينهما، وهو قياس الأطباق المستخدمة على كل منهما. خُصصت المائدة الأولى لمجموعة الضبط وتضمنت أطباقاً بالقياس العادي بقطر 27 سم في حين خُصصت المائدة الثانية للمجموعة العلاجية وتضمنت أطباقاً أصغر بقطر 25 سم. طُلب من الحاضرين إلقاء بقايا الطعام في أحد الصندوقين الموجودين بجوار المائدتين، أحدهما مخصص للأطباق ذات الحجم العادي والآخر للأطباق ذات الحجم الأصغر. ثم وُضع كل صندوق على ميزان وتم تزويد المكان بكاميرات لتسجيل الوزن المعروض حيث ألقى كل فرد بقايا طعامه في صندوق مخصص.

في المجمل، جمعنا بيانات عن مخلفات الطعام من 33 طبقاً عادي الحجم و37 طبقاً صغير الحجم، بلغ وزن بقايا الطعام الناتجة عن الـ 33 طبقاً التي استخدمتها مجموعة الضبط نحو 2,100 غرام، في حين بلغ وزن بقايا الطعام الناتجة عن الـ37 طبقاً التي استخدمتها المجموعة العلاجية 1,645 غراماً.

في المتوسط، ترك كل فرد من أفراد المجموعة التي استخدمت أطباقاً عادية الحجم 63.7 غراماً من بقايا الطعام، في حين ترك كل فرد من أفراد المجموعة التي استخدمت أطباقاً أصغر حجماً 44.5 غراماً من بقايا الطعام، وهذا يساوي فرقاً قدره 19.2 غراماً من مخلفات الطعام لكل طبق بين المجموعتين.

تشير هذه النتائج التوجيهية إلى أن انخفاض قطر الطبق بمقدار 2 سم يمكن أن يؤدي إلى انخفاض متوسط ​​هدر الطعام لكل شخص بنسبة 30%.

الشكل 1 – نتائج التجربة

تتوافق نتيجة التجربة الذي أجريناها مع المجموعة الأوسع من الأدبيات التي تشير إلى أن الإشارات البيئية مثل حجم الطبق، تؤثر في عاداتنا الغذائية، ومن الممكن أن يؤدي تعديل هذه العوامل إلى تحفيز الانتقال نحو أنماط استهلاك أكثر استدامة. تمتد آثار هذه الدراسة إلى ما هو أبعد من المجال الأكاديمي، إذ تقدم رؤى قابلة للتنفيذ لصانعي السياسات ومناصري الاستدامة.

على الرغم من المبادرات المهمة التي نفذتها دول الخليج للحد من مشكلة هدر الطعام، إلا أن التوجهات المستقبلية لحل هذه المعضلة يجب أن ترتكز على عدة جوانب، أبرزها البيانات الدقيقة القابلة للقياس.

ومن هنا، يمكن الاستفادة من العلم السلوكي، الذي أثبت فعاليته في مجال الاستدامة، ويرجع ذلك إلى حد كبير إلى أن العديد من التحديات المرتبطة بالاستدامة ترتبط ارتباطاً وثيقاً بالسلوك، ومن خلال دمج الرؤى المستمدة من العلوم السلوكية في البرامج والسياسات البيئية، نتمكن من معالجة التحديات المرتبطة بالاستدامة من زاوية جديدة، مع التركيز على الوقاية بدلاً من الإدارة فقط.

وبينما نمضي قدماً، من الأهمية بمكان أن نواصل استكشاف مثل هذه التدخلات المبتكرة القائمة على الأدلة وتنفيذها، لخلق مستقبل أكثر استدامة للجميع.