هل تعترض المنظمات غير الربحية طريق التغيير الاجتماعي؟

ينام ما يقرب من مليار شخص كل ليلة وهم جائعون، غير أن برنامج الغذاء العالمي يعتقد أن المعرفة والأدوات والسياسات الحالية، جنباً إلى جنب مع الإرادة السياسية، يمكن أن تحل هذه المشكلة. وفي عام 2008، حدد أعضاء هيئة التدريس بجامعة كورنيل القدر الكافي من التعليم في العلوم والتفكير النقدي والقضايا البيئية المتمثلة في وباء الأمراض التي يمكن الوقاية منها في العالم الثالث وعدم التكافؤ في فرص الحصول على الرعاية الصحية ونقص المياه الصالحة للشرب والمياه النقية باعتبارها من أهم مشكلات العالم التي يمكن حلها بسهولة أكبر.

وفي حين أن العديد من المشكلات الاجتماعية والاقتصادية والبيئية المهمة لا تزال مستعصية على الحل، فإن المزاوجة بين زيادة الوعي والتكنولوجيا الجديدة والتمويل الكافي وتعزيز التعاون بين الشركات والمجتمع المدني والحكومات قد وفّر ظروفاً أضحى فيها التغيير الاجتماعي الفعال ممكناً.

والدليل على أن التغيير الملموس في متناول أيدينا هو حفز صانعي التغيير في جميع القطاعات. كما أنه يتسبب في أن تكون لدينا توقعات مختلفة للغاية بشأن المنظمات غير الربحية، وهي المجموعات التي كنا ننظر إليها حتى وقت قريب باعتبارها المحفزات الأساسية للتغيير الاجتماعي. وفي الوقت الراهن، يحدث التغيير الاجتماعي الذي ينطوي على إحداث تحوّل بعدة طرق عبر أفعال العديد من الأشخاص، وقد نفد صبر بعض الممولين الأكثر أهمية في العالم إزاء الوضع الراهن في القطاع غير الربحي.

وفق مؤسسة “جيه دبليو ماكونيل فاملي فاونديشن” (J.W. McConnell Family Foundation)، فإن سير الأمور على النحو المعتاد لا يكفي لتحقيق النتائج التي نحتاجها. حيث ذكر ستيفن هودارت، رئيس شركة ماكونيل ومديرها التنفيذي: “إن طبيعة عصرنا تكمن في أن حجم التعقيدات التي تنطوي عليها تحدياتنا ودرجتها يتجاوزان قدرة أي قطاع على حلها”. ودعماً لإحداث تحول في القطاع غير الربحي، أنشأ ماكونيل منصة “إنو ويف” (Innoweave) لمساعدة قادة المنظمات المجتمعية على التعرف على الأدوات والأساليب الجديدة واختيارها وتنفيذها لإحداث أثر أبلغ والمضي قدماً في مهامهم.

غير أنه في وقت نحتاج فيه إلى التغيير أكثر من أي وقت مضى، فإن عدداً كبيراً للغاية من المنظمات غير الربحية مقيد بنموذج بطيء الحركة وذي طابع مؤسسي ويخدم المصالح الذاتية. وقال ديفيد فيرتهايمر، نائب مدير مبادرة المنطقة الشمالية الغربية للمحيط الهادئ في مؤسسة بيل ومليندا غيتس فونديشن: “أحد الأسباب التي دفعتني إلى ترك منصب المدير التنفيذي في المنظمات غير الربحية هو أنني أدركت أنني أضع باستمرار احتياجات مؤسستي فوق اهتمامات واحتياجات العملاء الذين كنا نخدمهم”.

ويرغب المموّلون الأكثر تقدماً في أن تدرك المؤسسات الخيرية أن الدعم الخيري يجب تخصيصه للبرامج الاجتماعية الجديدة الأكثر خطورة، وهي المبادرات التي تنطوي على إحداث تغيير جذري وتحقق نتائج أفضل. وقال فيرتهايمر: “نحن نؤمن هنا في مؤسسة جيتس، وأؤمن بعملي في مجال التشرد الأسري، أن المال في القطاع الخيري يجب أن يكون أكثر الأموال تحملاً للمخاطر والأكثر خطورة في مجال إحداث تغيير في الأنظمة”. “يجب أن تكون أموال القطاع الخيري الخاص هي العامل المحفز الذي يعزز التغيير في النظام”.

وما تزال العديد من المؤسسات الخيرية غارقة في نهج قديم إزاء إحداث التغيير الاجتماعي ينعكس أيضاً في الكيفية التي تجمع بها الأموال. حيث إن المنافسة على التمويل “بلا قيود أو شروط” شرسة في وقت يتوقع فيه المانحون المزيد من التعاون. وعندما سُئل السير ريتشارد برانسون مؤخراً عن الكيفية التي يجب أن يتغير بها النموذج غير الربحي، قال مؤسس مجموعة فيرجين غروب، بشكل قاطع: “المزيد من الجهود التعاونية. نحن بحاجة إلى أن تقوم البلدان والشركات بمضاعفة جهودها الجماعية والقيام بدورها، بتحديد أهداف قوية وخطط واضحة وإظهار التقدم علانية”.

ويريد المموّلون في الوقت الحالي من منظمات التغيير الاجتماعي أن تفعل كل ما يلزم للحصول على أكبر النتائج بأقل التكاليف وفي أقصر فترة زمنية. ويسير البعض أيضاً في مسار ترجمة الأقوال إلى أفعال، حيث قال فيرتهايمر: “نحن مؤسسة خيرية محدودة الوقت، سننفق آخر دولار بحوزتنا بعد 30 عاماً من وفاة آخر أمناء المؤسسة الثلاثة الأصليين”. “الهدف من مؤسسة جيتس هو تحقيق الآثار التي نسعى إلى تحقيقها أثناء القرن الحادي والعشرين”.

ويتوقع المموّلون تغييراً ملموساً من المؤسسات الخيرية، بدءاً من اعتزامها أن تكون أقل اتصافاً بالطابع المؤسسي وأكثر اتصافاً بطابع ريادة الأعمال. إذ قال جاي كوين جيلبرت، الشريك المؤسس لمؤسسة “بي لاب” (B-Lab)، وهي منظمة غير ربحية تخدم حركة عالمية من رواد الأعمال الذين يستخدمون قوة الأعمال التجارية لحل المشكلات الاجتماعية والبيئية: “يلزمنا التركيز على ما يجدي نفعاً، لا سيما ما يجدي نفعاً على نطاق واسع”. وتشمل التغييرات الأخرى التي قد تدفع المنظمات نحو حل المشكلات بسرعة أكبر بطريقة تلقى صدى لدى الممولين ما يلي:

  • تقديم أجور للمسؤولين التنفيذيين حسب الأداء تربط الرواتب والمكافآت بأهداف تغيير اجتماعي محددة. 
  • إرساء مراجعة سنوية لجميع البرامج لتحديد المبادرات التي يمكن للمنظمات الأخرى نشرها أو تسويقها بشكل أفضل بالشراكة مع القطاع الخاص. 
  • إعطاء الأولوية للابتكار من خلال إدخال بروتوكول “استراتيجية انسحاب” جديد للداعمين الرئيسين يدعو إلى تقليص متطلبات الاستثمار مع تحسّن نتائج التغيير الاجتماعي. 

وفيما يتعلق بالنقطة الأخيرة، أدركت مؤسسة جيتس ومؤسسات أخرى أن النهج المفتوح للتغيير الاجتماعي لم يعد مناسباً. إذ إن الضرورة الجديدة للمنظمات غير الربحية التي تتعامل مع القضايا القابلة للحل هي التخطيط لتقادمها الخاص. ولن يكون التخطيط لإيقاف منظمة غير ربحية من العمل أمراً سهلاً. لكنها ستكون طريقة جريئة لتعبئة الجهود وحشد الدعم، خاصة من الممولين الذين يعرفون أن الحلول ممكنة، ويرون أن التكاليف المنهجية والبشرية للقصور الذاتي غير مقبولة.

تفقد المنظمات غير الربحية حصريتها باعتبارها أكثر العوامل فعالية للتغيير الاجتماعي. وما لم تتطور، فإن الشركات الكبرى، وشركات مختبر “بي”، والمؤسسات الاجتماعية التي تلتزم بحل المشكلات الاجتماعية بالقدر نفسه وربما تكون قادرة بشكل أفضل على إحداث فرق، سوف تتفوق عليها.

نبذة عن الكاتب:

 بول كلاين (Paul Klein) (@paulatimpakt):
هو رئيس شركة “إمباكت” (Impakt)، وهي شركة من شركات مختبر “بي” تعمل على خلق فرصاً للشركات الكبرى للاستفادة من المسؤولية الاجتماعية.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى