ذهنية اكتشاف الفرص في المجتمعات المهمشة

 

تم النشر 28 مارس 2021

في خضم عالم سريع التغير، نجد أن العديد من الاستراتيجيات والأدوات والذهنيات التي اعتدنا عليها؛ لم تعد ناجحة بعد اليوم. إن ميلنا إلى التخطيط ورسم المستقبل ببساطة لا يأخذ بالحسبان تشعبات وتعقيدات العديد من القضايا المجتمعية والبيئية، حيث يتطلب الأمر منا تطوير ذهنية اكتشاف الفرص و تسخّر عدم اليقين والمجهول كسبيل نحو الابتكار والتأثير ورسم «الحظ الجيد».

كيف يمكن تهيئة أنفسنا لهذا الحظ الجيد؟

كيف نكون قادرين على تحويل ما هو غير متوقع إلى نتائج إيجابية، حتى ضمن أصعب الظروف؟ هذه بعض الأسئلة التي يهدف كتاب «ذهنية الاكتشاف: فن وعلم خلق الحظ الجيد» (The Serendipity Mindset: The Art and Science of Creating Good Luck) الإجابة عنها.

إليك مقتطف محرر من الفصل الثالث: «الذهنية المنفتحة» (The Open Mind)، الذي يسلط الضوء على هذا النهج، وكيف أن إعادة تأطير المواقف من خلال التحلي بذهنية خلاقة، أي تحقيق أقصى استفادة مما هو في متناول اليد، يمكن أن يعزز الأمل والابتكار الاجتماعي. وقد جاء فيه: «تقدم المنظمة التي درستها على مدى السنوات الخمس الماضية، وهي «ريكونستراكتد ليفينغ لابس» (Reconstructed Living Labs)، أو اختصاراً «آر لابس» (RLabs)، مثالاً مثيراً للاهتمام حول كيفية تطوير الحلول المبتكرة التي يقودها المجتمع من قبل السكان المحليين، ولصالحهم، في أصعب الظروف. لكن رغم نجاح هذا النهج ووصوله إلى مئات الآلاف من الأشخاص ضمن واقع يتسم بشح الموارد، نرى أنه ينبغي أن يسير إلى جانب عملية معالجة عدم المساواة الهيكلية المتجذرة» كريستيان بوش.

اكتشاف الفرص واستثمارها في المجتمعات المهمشة

انطلقت منظمة «آر لابس» في بريدجتاون، وهي جزء من منطقة كيب فلاتس التابعة لمدينة كيب تاون؛ عاصمة جنوب أفريقيا. تميزت المنطقة بوجود المنازل المتهالكة وارتفاع معدلات الجريمة فيها. ومن أجل تحديد احتياجات المجتمع للدعم العاطفي، عمل فريق من سكان المدينة بقيادة مارلون باركر، مؤسس المنظمة على تطوير شبكة باستخدام الهواتف المحمولة من أجل ربط الأشخاص الذين يحتاجون إلى المشورة مع السكان المحليين الآخرين. مع مرور الوقت، ساعدت منظمة «آر لابس» المجتمع تدريجياً على العمل من خلال الموارد القليلة المتاحة لهم، وطوّرت وحدات تدريبية بسيطة سمحت لهم بالتعلم من بعضهم البعض لغاية استخدام وسائل التواصل الاجتماعي بطرق إيجابية، مثل مشاركة قصصهم مع الجمهور عبر الإنترنت، والتواصل مع الأشخاص الذين يشبهونهم في التفكير في أرجاء العالم.

يتكون المقر الرئيسي لمنظمة «آر لابس» الآن من مركز تدريب يقدم دورات تدريبية بأسعار مقبولة حول أفضل طريقة لاستخدام وسائل التواصل الاجتماعي إلى جانب المواضيع ذات الصلة، وحاضنة للمشاريع تساعد على إطلاق شركات جديدة وتقدم الدعم لها، بالإضافة إلى فرع استشاري يركز على تقديم المشورة للشركات والحكومات حول قضايا عديدة، مثل كيفية إشراك المجتمعات المحلية. في كثير من الأحيان، تستكمل المؤسسات خدماتها الخاصة بنهج «آر لابس»، ثم تدمجها في مواقعها الخاصة، وهي بذلك تشكل «مراكزاً» جديدة لتطبيق خطة المنظمة. يعمل نموذج منظمة «آر لابس» للتعليم والتدريب البسيط الآن في أكثر من عشرين موقع حول العالم، حيث يقدم التعليم لعشرات الآلاف من الأشخاص. تستخدم المنظمة أسلوب الاستفادة من الإمكانات المادية (مثل، استخدام المرائب المهجورة كمراكز تدريب)، والمواهب (مثل، دمج الأشخاص الذين كانوا يعتبرون سابقاً غير مهرة) من أجل تمكين السكان المحليين.

أمل التغيير

نشأ مارلون باركر في مدينة كيب تاون خلال حقبة الفصل العنصري، عندما كان الانخراط في أعمال العصابات والجريمة في ازدياد ضمن مجتمعه بسبب معدلات البطالة المرتفعة، إلى جانب قضية انعدام المساواة الاجتماعية التي واجهوها. لقد تربى على يد والدته مع أخ أصغر كان متورطاً في العمل مع عصابة محلية، لكنه توجه لدراسة تكنولوجيا المعلومات في الجامعة من أجل تحسين واقع حياته. بدأ مارلون بتعليم زملائه الطلاب حول أجهزة الكمبيوتر بمجرد أن تعلم كيفية استخدامها بنفسه، وأنفق الأموال التي حصل عليها لإعالة أسرته. أدرك مارلون أن أفراد المجتمع في مدينة بريدجتاون قد فقدوا الأمل في إمكانية تغيير حياتهم، لكنه كان على يقين من أنهم يمتلكون بالفعل الحلول للعديد من المشكلات، لكنهم لا يعلمون ذلك.

بدأت منظمة «آر لابس» بفكرة أنه إذا كان بإمكانك تغيير حياة شخص ما من خلال مشاركة قصة أمل معه، ثم إلهام الآخرين بتلك القصة، فيمكن لذلك أن يُحدث فرقاً حقيقياً. ومن الجدير بالذكر، أن المنظمة نفسها قد انطلقت من خلال نهج التجريب واستغلال الفرص. عندما طلب منه زوج والدته، وهو قس محلي، البدء في إعطاء دروس في الكمبيوتر، أدرك مارلون أن الأدوات الرقمية يمكن أن تُستخدم كوسيلة فاعلة لرواية القصص. وسرعان ما استفاد من تلك الفكرة الأشخاص الذين يسعون إلى تطوير كفاءاتهم في مجال وسائل التواصل الاجتماعي، وحتى الشركات التي نصحت بدورها الآخرين حول كيفية استخدام هذه المنصات.

تحقيق أقصى استفادة

تمحورت الفكرة الأساسية حول تحقيق أقصى استفادة من أي شيء في متناول اليد، وأي شخص في المحيط. وبهذه الطريقة، أصبح الأشخاص الذين كانوا يعتبرون سابقاً عاطلين عن العمل مساهمين فاعلين، واستطاعوا تغيير حياتهم. إن نهج الاستفادة القصوى من أي مادة أو معدات في متناول اليد يمكن أن ينطبق ليس فقط على الأشياء، ولكن أيضاً على المهارات والأشخاص. ومن الأمثلة على ذلك، مدمنو المخدرات السابقون والتجار في منطقة كيب فلاتس، الذين أصبحوا أعضاء فاعلين وسعداء في المجتمع من خلال سرد قصصهم عن الأمل والتعافي وتعليم الآخرين.

تمثلت النتيجة في حدوث نقلة نوعية في المجتمع، وذلك من التركيز على ما هو مفقود (مثل المال أو المهارات المعترف بها) إلى التفكير بالموارد المتاحة وتحقيق أقصى استفادة من كل موقف. يمكن الآن لمدمن مخدرات سابق أن يتخيل نفسه على أنه معلم، بعد أن رأى كيف تمكن الآخرون ممن لديهم خلفية مماثلة أن يدخلوا المهنة، وعلم أن لديه مساحة لتحقيق ذلك. ولم يعد يُنظر إليه على أنه عائق، بل كعضو ذي قيمة في المجتمع. هو الآن شخص لديه أدوات تساعده على اكتشاف الفرص وخلق حظه الخاص.

أوجزت لي إحدى شريكات منظمة «آر لابس» إدراكها أنهم يستطيعون تحقيق الإنجاز بأنفسهم، الأمر الذي يمنحهم الإلهام والمكانة. بالنسبة إليهم، هذا هو تماماً عكس الشعور بالحاجة، أو الإحساس بأنهم ضحايا.

ذهنية اكتشاف الفرص لصنع التغيير

إن التحول نحو هذه الذهنية التي تركز على الفرص، يتيح إمكانات لم تكن مرئية من قبل. ويؤدي غالباً النظر إلى ما هو في متناول اليد بطريقة جديدة، وإعادة دمجه مع أشياء أو مهارات أو أشخاص أو أفكار أخرى، إلى توليد المزيد من الأفكار والرؤى وخلق تغيير كبير في طريقة النظر إلى الحياة بأسلوب لم يكن بالإمكان تصوره في السابق، وذلك كما يوضح مثال منظمة «آر لابس».

يحدث الاكتشاف في «آر لابس» طوال الوقت، ويجري الآن اتباع النهج ذات الصلة من قبل الشركات والحكومات في جميع أنحاء العالم. على سبيل المثال، كان مصرف كبير في جنوب أفريقيا يخطط لخفض قوته العاملة وبيع مساحات مكتبية، لكنه اليوم ينظر إلى أمناء الصندوق السابقين بصفتهم مدربين ماليين محتملين، وإلى تلك المساحات المكتبية على أنها مراكز تدريب محتملة. أي ما كان يُنظر إليه على أنه عبء على المؤسسة أصبح الآن من الأصول.

خلال التحضير لبحثي، قابلت العديد من الأشخاص مثل مارلون، وقد واجه البعض منهم قيوداً وتحديات هيكلية حادة، بدا من المستحيل التغلب عليها، ولا بد من ذكر أن ذلك يكون صحيحاً في بعض الأحيان، ولا يمكننا أبداً لوم شخص ما على ظروفه، لذلك، فإن العمل على معالجة القيود الهيكلية المتعلقة بالفقر والطبقة الاجتماعية والاقتصادية والعرق والنوع الاجتماعي أمر بالغ الأهمية. في المقابل، بدأ العديد من الأفراد والمنظمات، مثل «آر لابس» في جنوب أفريقيا، في خلق «حظوظهم» من خلال التنبه إلى الإمكانات التي لديهم. وبهذه الطريقة، أعادوا تأطير وضعهم بالكامل من حالة سلبية وشعور بالعجز، إلى عمل نشط واستغلال للفرص.

الاختيار بين إعادة تشكيل رؤيتنا للحياة أو الهلاك

ربما بدا هذا الأمر سهلاً للغاية، لكن ينبغي الاعتراف أنه ليس من السهل تطوير الذهنية المتنبهة لاكتشاف الفرص، لا سيما إذا شعرنا أن تفكيرنا قد يكون خارج المألوف، أو إذا كانت بيئتنا معادية للأفكار الجديدة. إلا أنه رغم وجود مثل تلك الصعوبات، هناك خطوات واضحة يمكننا اتخاذها لتعزيز هذا النهج الداعم لاكتشاف الفرص وإعادة تشكيل عقولنا لتكون منفتحة ومستعدة للتغيير.

في مشروع بحثيّ امتد لعدة سنوات، وجدنا أن منظمة «آر لابس» قد طورت عدداً من الممارسات البسيطة التي نجحت في تشكيل ذهنيات جديدة، ومكّنت نهج اكتشاف الفرص من الازدهار. أي من خلال توفير قواعد بسيطة؛ مكنت الشركاء من إنجاز أعمالهم ضمن أوضاعهم الخاصة، استطاعت المنظمة العمل مع فريق صغير بينما كنت تنمو وتزدهر.

على سبيل المثال، يقوم نهج الميزانية الخاصة بها للمشاريع الجديدة على أسلوب طرح أسئلة من قبيل «هل هذه المادة ضرورية؟» إذا كانت الإجابة «نعم»، «فهل يستطيع أحد هنا تأمينها من دون الحاجة إلى شرائها؟» وإذا كانت الإجابة «لا»، «فهل يعرف أحد شخصاً يمكنه الوصول إليها؟»، وإذا لم يكن بالإمكان ذلك، «فهل هناك بديل أقل كلفة؟». ولا ينبغي شراء تلك المادة إلا بعد الإجابة عن هذه الأسئلة. يعدّ هذا النهج مدفوع بفكرة أننا نميل غالباً إلى البحث عن موارد جديدة على الرغم من أنه قد يكون لدينا بدائل في متناول اليد ربما تفيدنا أيضاً.

في إحدى الحالات، ومن أجل العمل على تغيير ذهنيات الأفراد السلبية ورعاية الأنشطة المحلية، استعان فريق «آر لابس» بنهج التواصل الشخصي عبر تطبيق «سكايب» وبصورة شخصية، وأسلوب رواية القصص، ونقل الممارسات المتبعة البسيطة وغير المكلفة، بالإضافة إلى مجموعة من الأدوات، بما في ذلك دليل بسيط لكيفية العمل عبر وسائل التواصل الاجتماعي.

قد يبدو أن منظمة «آر لابس» مثالاً استثنائياً، لكن بحثنا يُظهر أن نهجها يمكن أن ينطبق على أنماط مماثلة، سواء كان الشخص نادلاً يعمل في لندن، أو رساماً عاش في منتصف القرن الماضي في أوروبا، أو رئيساً تنفيذياً يقود شركة مدرجة ضمن قائمة «فورتشن 500» في الولايات المتحدة. يمكن لتلك الدروس أن تمتد إلى أي مجال تقريباً، سواء على حياتنا الخاصة، أو برامج التدريب المهني، أو برامج دعم الأعمال، أو حاضنات المشاريع، أو على شركات بأكملها.

بمجرد التوقف عن التفكير المثبط بشأن افتقارنا إلى الموارد والتطلع إلى تمكين الأفراد ومنحهم منزلتهم المستحقة، نجد أنه من الأجدى تحفيز الأفراد الذين بدأوا في خلق حظوظهم الخاصة، بدلاً من انتظار المستفيدين الذين يتطلعون إلى مساعدتنا، أو الموظفين القلقين بشأن الميزانيات.

اكتشاف الفرص

تساعد إعادة تشكيل رؤيتنا على اكتشاف الفرص، ذلك من خلال تمكين الناس من رؤية الأحداث والمواقف المحتملة والشعور بأن لديهم القدرة على الاستجابة إليها، وهذا من أجل تحديد المحفزات وربط العوامل ببعضها. في صميم ذلك، تكمن القدرة على إحداث تغيير في الفكر والممارسات. وبمجرد أن نتوقف عن انتظار الفرص لأن تأتي بمفردها، يجب إدراك أن الفرص موجودة بالفعل في كل مكان؛ في حال أبقينا أذهاننا منفتحة وحررناها من القوالب والأطر المغلقة.

عندما لا نتعامل مع عدم المساواة والقيود على أنها أمور مسلم بها، فإننا نبدأ بالنظر إلى العالم بعيون مختلفة، ونتمكن من رؤية الفرص بينما يرى الآخرون العقبات.

اقرأ أيضاً: متى يجب إيقاف المنظمات غير الربحية الناجحة ولماذا؟

يمكنكم الاطلاع على النسخة الإنجليزية من المقال من خلال الرابط، علماً أن المقال المنشور باللغتين محمي بحقوق الملكية الدولية. إن نسخ نص المقال بدون إذن مسبق يُعرض صاحبه للملاحقة القانونية دولياً.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى