ما أسباب عدم انتشار التمويل غير المشروط؟

6 دقيقة
التمويل غير المشروط
shutterstock.com/SvetaZi
استمع الى المقالة الآن هذه الخدمة تجريبية
Play Audio Pause Audio

المنح غير المقيدة لها آثار مهمة، لكن ثمة عوائق خفية تحول دون انتشارها وعلينا معالجتها أولاً.

لطالما عبّر أصحاب النقد البنّاء للعمل الخيري والناشطون الماليون، إلى جانب المؤسسات غير الربحية كلها نظرياً، عن تأييدهم لتوسيع المِنح غير المقيدة بدرجة كبيرة وقدموا الأسباب التي تعلل ذلك. ومع ذلك ما زالت المنح التي لا يضع عليها الممولون قيوداً ومتطلبات نادرة نسبياً. ونتيجة لذلك، يُخصَّص التمويل عادة لجوانب مثل البرامج الجديدة أو المحددة بدلاً من تغطية التكاليف الأساسية المتعلقة باستبقاء المواهب أو رفع مستوى التكنولوجيا أو ترقية الابتكار، أو التفاعل مع المجتمعات لتحديد احتياجاتها والحلول الممكنة لتلبية هذه الاحتياجات. على الرغم من الدعوات الواسعة النطاق خلال جائحة كوفيد-19 لتخفيف القيود على المنح، أظهر تقرير صدر عام 2022 عن مؤسسة كانديد (Candid) ومركز العمل الخيري للكوارث (Center for Disaster Philanthropy) أن 18% فقط من التبرعات خلال الجائحة عام 2021 كانت مرنة أو خُصصت صراحة للدعم العام.

لا تتمثل المشكلة في النتائج؛ ففي عام 2023، أجرى مركز العمل الخيري الفعال (Center for Effective Philanthropy) دراسة حول آثار مِنح بقيمة 14 مليار دولار قدمتها فاعلة الخير ماكنزي سكوت وصدرت دون قيود على الاستخدام أو التوقيت، وتطلبت تقارير محدودة أو معدومة، فوجدت أن المتلقين سرّعوا أثرهم من خلال الاستثمار في المساواة في الأجور والقدرات والابتكار والمبادرات التشغيلية التي تعمل على تحسين معنويات الموظفين وقدرتهم على الإبداع. توصلت دراسة أجريت على منح غير مقيدة مدتها 5 سنوات قدمتها مجموعة بالمر (Ballmer Group)، إلى نتائج مماثلة، وعلى المستوى الفردي أظهرت أبحاث أن للعطاء المباشر وبرامج الدخل المضمون آثار إيجابية دائمة.

ينتقد الممولون العطاء الذي قدمته ماكنزي سكوت وتناولته دراسة مركز العمل الخيري الفعال، ويشير التقرير إلى ما يلي: “أعرب أكثر من 75% من الممولين الذين أجريت مقابلات معهم عن قلقهم بشأن قدرة المؤسسات غير الربحية على التعامل مع الهبات الكبيرة وغير المقيدة”، مشيرين إلى مخاوف من أن المؤسسات المتلقية للهبات قد تشعر بالرضا عن إنجازاتها وتتوقف عن بذل الجهود أو تجد صعوبة في فهم مدى تعقيد هذا الضخ النقدي. ويشير التقرير أيضاً إلى شعور نحو ثلث الممولين بالقلق من أن غياب متطلبات إعداد التقارير الاعتيادية يعني غياب المساءلة.

يشير مركز العمل الخيري الفعال إلى أن البحث الذي أجراه على المؤسسات غير الربحية المستفيدة من المنح لم يؤكد هذه المخاوف التي يصعب التغلب عليها من خلال البيانات وحدها، إذ هنالك عوائق خفية. يفعّل التمويل غير المشروط ديناميات السلطة غير المعترف بها والخرافات المالية غير المدروسة، ومنها فكرة أن منح الناس الأموال دون شرط سيجعلهم ينفقونه دون مسؤولية أو سيحولهم إلى مُعالين، وفكرة أن من يحملون بيانات الاعتماد المطلوبة فقط هم من يعرفون كيف يستثمرون المال أو ينفقونه بحكمة.

لا يمكن تبني التمويل غير المقيد على نطاق أوسع بسبب هذه الأفكار والافتراضات ومخاوف التخلي عن الرقابة، وهي أقوى مما نظن. وقد رأينا أنه حتى زملاء معهد الاقتصاد العادل (Just Economy Institute) الذين نعمل معهم ويسعون إلى تغيير تدفق رأس المال ومراكز السلطة، فوجئوا بقدرة استكشاف علاقتهم بالمال على تغيير وجهة نظرهم.

لتحليل الديناميكيات المؤثرة والوصول إلى رؤى تساعد على تخطي الحواجز، أجرينا مقابلات مع 3 مستشارين في معهد الاقتصاد العادل وخريجين مارسوا العطاء غير المشروط أو أثروا فيه.

مشكلات تفادي المخاطرة والقلق والتحيز للوضع الراهن

يقول فرهاد إبراهيمي الذي أمضى 17 عاماً في إدارة مؤسسة كوراس فاونديشن (Chorus Foundation)، التي تتبع استراتيجية استنفاد الموارد وجعلت من المنح غير المقيدة الطويلة الأمد جزءاً أساسياً من استراتيجيتها: “الأشخاص الذين يعتبرون مستثمرين ناجحين للغاية في بيئة أسعار السوق السائدة يتقبلون تماماً نوعاً معيناً من المخاطر المتصورة، لكن عند مناقشتهم حول الاستثمار في مهمة ما أو تقديم منح غير مقيدة تظهر لديهم فجأة رغبة كبيرة في تجنب المخاطر”.

يرجع جزء من تفادي المخاطرة إلى اعتقاد الممولين الراسخ، على الرغم من الأبحاث، أنهم في وضع مثالي لوضع جدول أعمال البرنامج وأن المؤسسات المستفيدة من المنح لا تمتلك الخبرة اللازمة أو ليست متطورة بما يكفي لتعمل بفعالية خارج الحدود الصارمة لهيكل المنحة. في حين يخشى ممولون آخرون خسارة أدوارهم القيادية؛ فعندما يتخلون عن إدارة المنح يشعرون بأنهم بلا فائدة، وعن ذلك يقول إبراهيمي إن على الممول تحديد القرارات غير المهمة ليتاح له التفكير في قرارات أهم تحتاج إلى حكمته. يقدّر العديد من الممولين مبادئ العمل الخيري القائم على الثقة والتمكين الذاتي للمجتمع ولكنهم لا يقدمون منحاً غير مقيدة خشية تنفير الزملاء أو مجالس الإدارة أو أفراد الأسرة الرافضين للفكرة.

يرى إبراهيمي أنه بإمكان ممارسي التمويل غير المشروط ذوي الخبرة توسيع أثرهم بتقديم استراتيجيات تنظيم مُحكمة لأفراد الأسرة، ويقول: “لقد بدأنا للتو تطبيق هذه الاستراتيجيات في مجال العمل الخيري، ولكن يمكننا بالتأكيد مساعدة الأفراد على رسم خريطة السلطة ضمن المؤسسة أو الأسرة، وتركيز الإجراءات التدخلية”. من هم صناع القرار؟ من يؤثر فيهم؟ ما الاستراتيجيات السردية التي قد تستخدمها؟ من الحلفاء المحتملون الذين يمكنك تعزيز علاقتك بهم؟ ما الذي يتعين عليك فعله للاستثمار في قدراتهم القيادية ومن ثم تمكينهم من إظهار أقوى ما لديهم؟

غالباً ما ينجذب أصحاب الأموال الموروثة الذين يرغبون في دعم كل من العدالة البيئية والاجتماعية إلى نهج التمويل غير المشروط، لكنهم يتبعون تلقائياً مشورة مستشاري الأعمال الخيرية التقليديين بسبب خوفهم من عدم تقديم المنح بطريقة سليمة أو خجلهم المرتبط بمصدر المال، وهو الشعور الذي يمنعهم من التصرف بناءً على حدسهم.

إذا كان لديك فضول بشأن التمويل غير المشروط، فالرئيسة التنفيذية ومؤسِّسة مؤسَّسة بولد فينتشرز (Bold Ventures)، جيسيكا دودلي، تنصحك بمعرفة ما يدفعك إلى اتباع هذا النهج ومعرفة أسباب عدم ارتياحك له، وقد تتمثل هذه الأسباب في إحساسك بغياب الرقابة أو عدم معرفة كيفية استخدام الأموال، أو أسئلتك حول قادة المؤسسة أو النهج المتبع، وإذا حددت هذه الأسباب فستتمكن من علاج مخاوفك من خلال بناء العلاقات وتحديد المعلومات التي تحتاج إليها للمضي قدماً.

عمل فريق دودلي مع جهة مانحة تسعى إلى ترسيخ معرفة أكبر حول إرث العبودية المدمِّر في الولايات المتحدة ومجالات الاستثمار المحتملة والأساليب الخيرية المصممة تصميماً خاصاً للتعويض عن آثارها. بعد مساعدة المانح على توضيح القيم الشخصية المؤطرة للمنحة، طورت مؤسسة بولد فينتشرز خطة تعليمية تصور تراث العبودية وأثره الحالي في المجتمعات التي ولّدت فيها أسرة المتبرع ثروتها، تضمنت عملية التعلم إجراء أبحاث ومقابلات مع قادة الحركة الذين يبنون السلطة الاقتصادية والسلطة السياسية مع مجتمعات ذوي البشرة الداكنة، بالإضافة إلى إنشاء مواد لمشاركتها مع عائلة المانح، كما عملت بولد فينتشرز على ربط المانح بمانحين آخرين وشركاء وخبراء وشبكات ترشد استراتيجيته، وكانت النتيجة خطة منح غير مقيدة تمتد عدة سنوات مكّنته من التبرع بثقة.

تقول دودلي: “كانت رحلة التعلم التي أنشأناها لهذا المانح ضرورية لتعميق ثقافته السياسية وتوسيع معرفته الشخصية بالروابط بين التطور التاريخي لثروة أسرته التي ارتبطت باستعباد ذوي البشرة الداكنة، والتحديات المعاصرة التي تواجهها مجتمعاتهم وهي نتيجة مباشرة للعبودية”. وتتابع: “يبدو أن هذا النوع من الربط جزء لا يتجزأ من مساعدة المزيد من المانحين لتبنّي استراتيجيات غير مقيّدة، لأنه يمنحهم المعرفة والثقة لتقديم الدعم الكامل وبناء علاقات هادفة مع المؤسسات التي تتماشى مع قيمهم”.

تحقيق النتائج من خلال الثقة

يجري تدريب الممولين على تطوير استراتيجيات مفصّلة لمعالجة المشكلات، ثم تمويل المؤسسات التي تتماشى مع مبادئهم التوجيهية الاستراتيجية ويمكنها تقديم تقارير وفقاً لمقاييسهم. كثيراً ما يتعارض هذا النهج مع الأهداف الأساسية للممولين، ومن الممكن أن يعوق قدرتهم على التعلم من المجتمعات وإحداث أثر إيجابي، وبعبارة أخرى، فإن إطار التمويل الذي يمليه تفادي المخاطرة يمكن أن يؤدي في الواقع إلى زيادة المخاطر.

في عام 2018، أطلقت الرئيسة التنفيذية لمؤسسة سبرينغ بورد تو أوبرتونيتيز (Springboard To Opportunities) عائشة نياندورو، برنامج الدخل المضمون “ماغنوليا ماذرز ترست” (Magnolia Mother’s Trust) الموجه للأمهات ذوات البشرة الداكنة المطلقات في مدينة جاكسون بولاية ميسيسيبي، وهي تقول: “تعلمتُ أن الحل الأبسط هو عادةً الحل الصحيح، ثق بالناس وامنحهم الاحترام والقدرة على ممارسة السلطة، وقدّم لهم ما يحتاجون إليه”.

نشأ برنامج ماغنوليا ماذرز تراست من المناقاشات التي أجرتها نياندورو مع سكان مدينة جاكسون ضمن برنامجها للإسكان الميسور التكلفة، أخبرتها الأمهات ذوات البشرة الداكنة بأنهن لسن بحاجة إلى المزيد من البرامج، بل إنهن بحاجة إلى المال، تقول نياندورو: “أشعر بأننا نعقّد العملية، لكن هذا التعقيد المفرط لا يتعلق بالذين نخدمهم بل بإيديولوجياتنا وأفكارنا ورغبتنا في التركيز على أنفسنا”.

استخدمت الأمهات المنح النقدية الشهرية البالغة ألف دولار لتحسين وضعهن السكني والتخلص من الديون، والعودة إلى المدرسة وشراء الملابس لأطفالهن، وتحسين حياتهن. تُظهر التقييمات التي أجرتها المجموعة المسؤولة عن برنامج ماغنوليا ماذرز ترست، أنه كان للبرنامج أثر إيجابي دائم من حيث تحسين كفاءة الأمومة والعلاقة بين الأم والطفل والصحة النفسية للطفل. وباعتباره أطول برنامج للدخل المضمون في الولايات المتحدة، فقد ألهم هذا البرنامج إطلاق العديد من البرامج المماثلة، وقد أدى أيضاً إلى إنشاء مجتمع ممارسات الدخل المضمون، الذي يضم خبراء السياسات والمناصرين والباحثين والقادة والممولين والمهنيين والمسؤولين المنتخبين في حركة الدخل المضمون الشعبية.

ويعود هذا الأثر الملحوظ إلى غياب الشروط وهي تجربة يؤكدها فرهاد إبراهيمي، إذ قدمت مؤسسة كوراس فاونديشن تمويلاً غير مقيد طويل الأمد لرغبتها في دعم حق المجتمع في تقرير مصيره، وعن ذلك يقول: “هذه هي الخطوة الصحيحة وقد عرفنا مدى أهمية إتاحة المرونة للمستفيدين من المنح. على مدار عقد أو أكثر من التمويل، تمكن المستفيدون من تحمل المسؤولية وتحقيق الإنجازات وخوض التجارب والتعلم منها، متجاوزين ما كان يمكن لأي أحد أن يتوقعه في البداية.

لو مولناهم على أساس كل مشروع على حدة أو لعام أو عامين فقط، لأدى ذلك إلى تقييد قدراتهم على تحقيق ما حققوه ولمنعهم من تحقيق بعض الإنجازات بالكامل، عندما نحاول فرض سيطرتنا، سنخسر”.

أهمية التمويل غير المشروط في تغيير حياة المجتمعات

قد يكون الاستثمار في الوقت والاحترام والثقة والتركيز على ما يحتاج إليه فرد أو مؤسسة، أفضل ما يمكن للمولين تقديمه للمجتمعات.

وجدت مجموعة مؤسسة سبرينغ بورد تو أوبرتونيتيز (Springboard To Opportunity) من خلال التقييمات التي أجرتها أن الأمهات المشاركات في برنامج ماغنوليا ماذرز ترست أبلغن عن زيادة مهمة إحصائياً في الكفاءة الذاتية، إذ صار لديهن إيمان بقدرتهن على تحقيق الأهداف وتجاوز العقبات، إلى جانب تحسن كبير في الظروف المادية والقدرة على التحمل. أفادت المؤسسات غير الربحية المشاركة في الدراسة التي أجراها مركز العمل الخيري الفعال عن ماكنزي سكوت إلى أن المنح غير المقيدة تحقق الفوائد نفسها.

من الصعب تقديم هذا النوع من المنح وسط أنظمة التمويل والعقليات القائمة حالياً، ومع ذلك، يرى المزيد من الناس أنها فعالة للغاية، ويرى الكثيرون أن مساعدة الآخرين على تقديم هذه المنح جزء من مهمتهم، وكما يقول إبراهيمي، فإنها تحرر الطرفين، الممول والمستفيد.

إذاً ما الذي ينتظره الممولون؟ التحديات والمشكلات واضحة، والأشخاص والمؤسسات الأقرب إليها لديهم حلول، فهم يعرفون كيف يستخدمون المال وهم بحاجة إليه الآن.

يمكنكم الاطلاع على النسخة الإنجليزية من المقال من خلال الرابط، علماً أنّ المقال المنشور باللغتين محمي بحقوق الملكية الدولية. إنّ نسخ نص المقال من دون إذن مسبق يُعرض صاحبه للملاحقة القانونية دولياً.