المستثمرون المؤثرون وتشارك السلطة (الجزء الثاني)

رأس المال
unsplash.com/Sharon McCutcheon
استمع الى المقالة الآن هذه الخدمة تجريبية
Play Audio Pause Audio

تقدم منصة ستانفورد للابتكار الاجتماعي الجزء الثاني من سلسلة "المستثمرون المؤثرون وتشارك السلطة" والتي تحدثنا في جزئها الأول عن التمويل الاجتماعي ومدى إنصاف عمليات استثمار المؤسسات عبر الإجابة عن الأسئلة المفتاحية في تحقيق المساواة لمجتمعات أصحاب البشرة الملونة والنساء، وتطرقنا إلى الأسئلة الثلاث الأولى. أما اليوم في الجزء الثاني من السلسلة سوف نستكمل الأسئلة الأربع الأخرى التي تهم أصحاب رأس المال الذين يخوضون العمليات الاسثمارية.

4- الإطار الزمني هو المهم؟

يمكن أن يحتمل أصحاب رأس المال أن يماطلوا في عملية الاستثمار حتى يشعروا بالثقة وتتوفر لديهم كل المعلومات اللازمة حولها، بينما لا يمتلك المستفيدون الرفاهية نفسها. يعد التعامل مع الممولين والمستثمرين عملاً يستغرق وقتاً طويلاً ويمكن أن يسرق الوقت من إنشاء صندوق أو شركة أو مؤسسة غير ربحية. إذا كان سيتم تضمين متلقي رأس المال بشكل عادل، فيجب مراعاة تفضيلات والتزامات جداول عملهم الخاصة بهم وجعلها أولويات. يجب على المستثمرين الذين يهدفون إلى إنشاء إطار زمني أكثر إنصافاً قياس المدة الفعلية لكل مرحلة من مراحل عملية الاستثمار (التطبيق، وبناء القدرات، والفحص النافي للجهالة، وإيصال الأموال، وغيرها) مقارنة بالجدول الزمني الذي وضعوه في البداية. يجب عليهم أيضاً حساب عدد الساعات التي يقضيها مقدمو الطلبات في عملية الاستثمار بالتناسب مع مبلغ المال المعني. ويجب إعادة تقييم العمليات المُرهقة والمُستهلكة للوقت التي تستثمر مبالغ صغيرة أو تمنحها.

على سبيل المثال، قامت "شي إي أوه" (SheEO) بتبسيط العديد من أجزاء عملية الاستثمار الخاصة بها لخدمة المُؤسسين الذين يعانون ضيق الوقت والذين ينتمون إلى مجموعة متنوعة من الخلفيات. تُلخص الأمر الصفحة الأخيرة من طلب التقدم لقرض لدى الشركة - التي تتضمن 10 أسئلة قصيرة بلغة بسيطة والتي تمّ تنقيحها مراراً على مدى السنوات بالاستفادة من مدخلات أفراد المجتمع: "لا تتطلب خطابات ترويجية. لا تتطلب ملفات مُرفقة. لا تتطلب لغة اصطلاحية". كما توضح "شي إي أوه" قيامها بأخذ حاجات رياديي الأعمال في عين الاعتبار عبر أخذ 3 أو 4 أشهر بالحد الأقصى لاتخاذ قرار استثماري. وهذه العملية تستغرق المؤسسات التقليدية لاتخاذها من 3 إلى 18 شهراً أو أكثر.

5. من يتمكن من معرفة ماذا، ومتى؟

في عملية الاستثمار التقليدية، يعني القيام بالفحص النافي للجهالة إلى حد كبير تجميع البيانات لمساعدة أصحاب رأس المال على اتخاذ القرارات، مع ترك المشاريع والمجتمعات في الظل من ناحية ما يعلمونه عن ملاءمتهم للمنحة. لجعل العملية أكثر شفافية وإنصافاً، يجب مشاركة المعلومات بانفتاح أكثر مع جميع المعنيين. كيف يمكن للمستثمرين تقييم أدائهم في هذا الجانب؟ أولاً، يجب عليهم حساب النسبة المئوية للمتقدمين الذين يستوفون معاييرهم الأساسية - إذا فشل العديد من المستثمرين المحتملين في عملية الفحص الأولية، فقد يكون هناك عدم تناسق في المعلومات. ثانياً، يجب على المستثمرين تقييم عدد المرات التي يتواصلون بها مع أصحاب المصلحة الآخرين. إذا لم يضعوا ويلتزموا بجدول عمل معقول وواضح ("ستسمع منا في غضون أسبوعين" بدلاً من كتابة "قريباً")، فإن العملية لن تكون واضحة لمستلمي رأس المال وتوضح مرة أخرى جعل عملية صاحب رأس المال وتوقيته أولوية.

"ماريجولد كابيتال" (Marigold Capital)، هو صندوق كندي لرأس المال المغامر (الجريء) ومستثمر مؤثر يستثمر في النساء والمؤسسين ناقصي التمثيل مع التركيز على التأثير. ضمِن "ماريجولد" الشفافية في عمليته عبر إقرار المعايير المفصلة للاستثمار بوضوح ومباشرة على موقع العملية الإلكتروني. في المحادثات الأولية، يشرح "ماريجولد" معايير الاختيار الخاصة به ومراحل الاستثمار الثلاث للمؤسسين، ومناقشة ما يبحث عنه في كل مرحلة من عملية الاختيار. هذا يعاكس معايير الاستثمار المبهمة أو الخفية التي تضعها معظم المنح. كما يشجع "ماريجولد" المؤسسين على إجراء محادثات مع مشاريعهم الممولة الأخرى ومع المستثمرين الشركاء الموصين في "ماريجولد"، بحيث يمكن للمؤسسين إجراء الفحص النافي للجهالة العكسي الذي يتناولهم كمستثمرين محتملين.

أحد أمثلة الشفافية الأخرى هي شركة رأس المال المغامر "بلومبيرغ بيتا" (Bloomberg Beta). نشرت هذه الشركة موقعها على "غيت هاب" -وهي منصة تطوير برمجيات- كي يتمكن الجميع من الاطلاع على دليل العمليات الخاص بالشركة، وعلى وثائق استثماراتها، وشركات المحفظة الاستثمارية الخاصة بها، ومعاييرها لتقييم الاستثمارات (متضمنة المعايير فير القابلة للتفاوض). كما أن الفريق يشارك قائمة القراءات الخاصة به.

6. من يجازف بماذا؟

عادة ما يعطي المستثمرون أولوية أعلى لمخاطرهم المالية المتصورة من تلك التي تواجه متلقي رأس المال. نتيجة لذلك، قد تعمل بنى الاستثمار المختارة بما يتعارض مع أهداف التأثير المحددة، ويتم تقييم المخاطر التي يتعرض لها المستثمرون بشكل أكثر صرامة من المخاطر التي تتعرض لها المجتمعات أو المؤسسون أو المؤسسات الاجتماعية. لتقاسم المخاطر بشكل أكثر إنصافاً، يجب على المستثمرين السعي إلى فهم وتحديد المخاطر التي يواجهها رواد الأعمال أو المجتمعات وتقييم ما يمكن فعله للحد منها. ستختلف المخاطر وتتنوع بشكل كبير تبعاً للسياق، ولكن إليكم بعض المخاطر الشائعة: المخاطر المالية على المُقترض الائتماني، أو الاضطرابات في الاقتصاد غير الرسمي للمجتمع، أو محو تماسك المجتمع والتاريخ والثقافة إذا تعدّت الاستثمارات الجديدة على السكان والمعالم. يجب على المستثمرين تحديد عدد المخاطر التي يواجهها المستثمرون بالتناسب مع متلقي رأس المال ثم إعادة تقييم المفاهيم التقليدية "للمخاطر والعوائد" بما يتناسب معها.

أحد الأمثلة على مشاركة المخاطر بشكل أكثر إنصافاً يأتي من مشروع "يوجيما في بوسطن" (Boston Ujima Project)، وهي منحة يقودها أشخاص من المجتمع تقدم استثمارات محلية. وفقاً لسياسة هذه المنحة، فإن الداعمين الخارجيين والسكان المحليين يستثمرون معاً. ومع ذلك، يحصل أفراد المجتمع على عائد أعلى على أموالهم في سبيل إعادة صياغة المخاطر التقليدية وترتيبات إعادة الأموال بشكل أكثر عدلاً. يساعد هذا في معالجة حقيقة أن المجتمعات من أصحاب البشرة الملونة تحملت العبء الأكبر من السياسات الاقتصادية غير العادلة لعقود من الزمان، حيث تحملت أشكالاً مختلفة من المخاطر التي كان المستثمرون الأكثر ثراءً محميين إلى حد كبير منها. كما يُراعى احتمال أن يكون أفراد المجتمع أقل قدرة على تحمل المخاطر المالية مقارنة بالمستثمرين الذين أسسوا أنفسهم أكثر، والذين تم إدراجهم وفقاً لذلك في شروط استثمار "يوجيما".

منظمة "كوميونيتي كريدت لاب" (Community Credit Lab)، وهي منظمة غير ربحية تدعم تصميم برامج الإقراض الخالية من الفوائد أو بفوائد منخفضة للمؤسسات التي تركز على التنمية المجتمعية، تتحدى المفهوم السائد أن عوائد المستثمرين المؤثرين يجب أن تُمنح أولويةً أعلى من الحاجات الأساسية للمُقترضين. تستخدم المنظمة هياكل التمويل المختلطة -مثل وجود مؤسسات خيرية تغطي حالات التخلف عن سداد القروض أو حالات عدم السداد- لمعالجة "علاوة الفقر"، التي تصف الأفراد ذوي الموارد الأقل، وبالتالي يواجهون مخاطر أكبر، ويدفعون المزيد من الفوائد. لقد أضرت علاوة الفقر بشكل جائر بالمقترضين ذوي الدخل المنخفض لعقود، ولن يتم عكسها إلا إذا كان المستثمرون على استعداد لإعادة تقييم المفاهيم التقليدية للمخاطر والعوائد.

7. من هم المُحفّزون لفعل ماذا؟

يستفيد التمويل الاجتماعي في الغالب من الفرص العالية النمو والقابلة للتطوير أكثر من الشركات الثابتة والأبطأ نمواً والتي قد يكون لها تأثيرات ضخمة بمرور الوقت. عندما يبدأ المموّلون بهذه الطريقة -بالتركيز على نوع الاستثمار بدلاً من المشكلة الاجتماعية التي يريدون حلها- يمكن أن ينتهي بهم الأمر بتقويض أهداف التأثير المعلنة وبناء الحوافز الخاطئة في صفقاتهم. يجب أن يضمن المستثمرون الذين يهدفون إلى التأكد من توافق حوافز الصفقة مع أهدافهم أن كلاً من الأهداف المالية والأهداف المؤثرة لصفقة الاستثمار تظهر بشكل هادف في شروط الصفقة. أحد الأشكال التي يمكن أن يتخذها هذا الإجراء هو "قفل المهمة" -وهو مصطلح في صفقة الحوكمة يمنع المساهمين من الضغط على القيادة لاتخاذ قرارات مالية يمكن أن تُعرض مهمة المؤسسة الاجتماعية للخطر.

يستند نموذج الفحص النافي للجهالة والقبول الخاص بمشروع "يوجيما" في بوسطن على التحديد المبكر للتوافق بين أفراد المجتمع والمستفيدين من الاستثمار. حيث يجعل أفراد المجتمع يشاركون في الفحص النافي للجهالة وكتابة التقارير حول فرص الاستثمار التي تتم مشاركتها مع جمهور أوسع، ما يوفر منصة ليتمكن السكان المحليون من التعبير عن اهتماماتهم. بمجرد أن تصبح الفوائد المحتملة للاستثمار واضحة للمجتمع، يصوّت المشاركون المحليون في مشروع "يوجيما"على ما إذا كانوا يريدون متابعة هذا الاستثمار.

تلجأ "شي إي أوه" لإجراءات أقسى للتوفيق بين الحوافز وتصميم منحها؛ حيث تطلب من شبكتها من المستثمرين أن يجروا الصفقات دون أي توقعات بوجود عوائد. نتيجة لذلك، يمتلك المستثمرون والمستفيدون من الاستثمار قيماً مشتركة منذ البداية وشعوراً بحسن النية تجاه المشروع.

رأس المال وحده لا يكفي

تم استخدام مقاييس العملية على نطاق واسع في القطاع غير الربحي، لكن العديد من نماذج الاستثمار المؤثرة فشلت في دمجها بعمليات التقييم الخاصة بها. ونتيجة لذلك، تمت المساومة بقدرة رأس المال على إحداث تأثيرات إيجابية.

يجب على المستثمرين والممولين التخلي عن فكرة أن رأس المال وحده كافٍ لتغيير الأنظمة غير العادلة. يجب عليهم استجواب ديناميكيات القوة الكامنة وراء قراراتهم وعملياتهم لمواجهة التحديات المعقدة المتمثلة في عدم المساواة العرقية والنوعية والاقتصادية، والانتقال من نهج "السيطرة على" إلى نهج "مشاركة السلطة". ومن المرجح أن يؤدي الفشل في دمج هذا التحليل إلى إعاقة التغيير العميق الطويل الأمد.

يمكنكم الاطلاع على النسخة الإنجليزية من المقال من خلال الرابط، علماً أنّ المقال المنشور باللغتين محمي بحقوق الملكية الدولية. إنّ نسخ نص المقال بدون إذن مسبق يُعرض صاحبه للملاحقة القانونية دولياً.