بناء الثراء الثقافي

ما الذي يمكن تعلمه من المبتكرين الثقافيين؟

قبل عدة سنوات في سان فرانسيسكو؛ منح مالك عقار محسِن مجموعةً من المبتكرين الاجتماعيين المستقلّين إمكانية الانتفاع من مستودع تبلغ مساحته 14 ألف قدم مربع، في أحد أكثر الأحياء المنبوذة في المدينة، مقابل دولار واحد شهرياً، فأنشأ هؤلاء المبتكرون الثقافيون ضمن هيكل ذلك المبنى مشروع “المساحة الحرة” (freespace)؛ والذي يوصَف بأنه “مكان مؤقَّت لتحقيق تغيير دائم”؛ مكان لتعزيز الابتكار والفن والتعلم والمجتمع المدني، ورحّب بأي شخص يرغب في المشارَكة والمساهَمة؛ بما في ذلك المخترِقين المستائين من وظائفهم على الإنترنت، والمشردين الذين يترددون على مطعم “القدّيس فنسنت دي بول” المجاوِر، وخلال أيام نظّف المتطوعون المبنى وافتتحوه، وأبدع الفنانون أعمالاً فنيةً جميلةً، وقدَّم المشاركون دروساً، وطلبوا العون في عدد هائل من المساعي الفنية والمجتمعية، وقد وضع أعضاء “المساحة الحرة” مجموعةَ مبادئ إدارية أساسية، معروضةً في مكان بارز عند المدخل.

ما الذي يفعله المبتكرون الثقافيون؟

بالإضافة إلى إعادة تصميم المبنى؛ وضع أفراد “المساحة الحرة” اللبنة الأولى لعدة مشاريع أخرى؛ حيث أطلق مارك روث؛ والذي كان مشرَّداً سابقاً، مشروع “المأوى التعليمي” (The Learning Shelter)؛ وهو فصل دراسي متنقِّل يقدِّم دورات تدريبية للمقيمين في دور إيواء المشردين المحلية، كما وفَّر مشروع “دراجة سان فرانسيسكو الصفراء” (SF Yellow Bike Project) مشارَكة الدرّاجات الهوائية مجاناً لمدة أقصاها يومَين في سان فرانسيسكو، بتكاليف تشغيلية تعادل جزءاً ضئيلاً من تكاليف مشروع مماثل تديره المدينة. أنتج المشارِكون تحفةً فنيةً جداريةً وفيلماً وثائقياً عن تلك المساحة، وقد حُقِّقت فيها إنجازات استثنائية بوقت قصير مع إدارة بسيطة، وموظَّفين لا يتقاضون أي أجر، ودون وجود أي مال تقريباً.

بعد ثلاث سنوات، نقل مايكل زوكرمان؛ أحد المؤسَّسين الأوائل لمبادرة “المساحة الحرة”، الدروس التي تعلمها في سان فرانسيسكو إلى مكان مختلف كلياً؛ نقلها إلى مخيم اللاجئين في اليونان؛ والذي كان فيه عاملاً مساعداً لإنجاز مشروع “الأمل” (Elpida project) (Elpida كلمة يونانية تعني الأمل)؛ حيث أعاد تأهيل مصنع ملابس مهجور وحوّله إلى مأوى إنساني للاجئين، وقد اتّبع مبادئ التنظيم الذاتي عينها التي ابتكرها في مشروع “المساحة الحرة”، لإشراك المهاجرين في عملية تصميم المكان الجديد وإدارته؛ وذلك في خروج ملحوظ عن النُهج السائدة.

يقول مايكل: “أردنا أن نجرب أسلوباً مختلفاً، أسلوباً ربما يكون عكس الأسلوب المُتَّبع، فبدلاً من تنمية الاتكالية لدى الأشخاص؛ نمِّ اعتمادهم على أنفسهم، وبدلاً من أن يكون النظام تنازلياً؛ دعونا نرى ماذا سيحدث عندما يكون النظام تصاعدياً – من القاعدة إلى القيادة”.

المساحات الثقافية هي النواة لتحول مجتمعي أكبر

 إن مايكل هو أحد آلاف المبتكِرين السبّاقين إلى اتباع فئات جديدة من السلوكيات والممارَسات وأنماط استخدام التكنولوجيا، لقيادة تجارب اجتماعية وثقافية خلّاقة، ومن الأمثلة على ذلك؛ شاركت بيا مانشيني في تأسيس كل من الأداة الرقمية “نظام التشغيل الديمقراطي” (DemocracyOS) وشركة “نيت بارتي” (Net Party) في الأرجنتين، لإشراك الجزء الأكبر من الشعب في عملية صنع السياسة؛ أما نيكيكو ماسوماتو جمعت بين الفن وتنمية المجتمَع والزراعة العضوية، لإنشاء نماذج جديدة للزراعة في سنترال فالي في ولاية كاليفورنيا، وأنشأ بول رادو ودرو سوليفان؛ قادة مشروع “الإبلاغ عن الجريمة المنظَّمة والفساد” (Organized Crime and Corruption Reporting Project – OCCRP)، شبكةً منتشرةً من الصحفيين الذين يعملون على كشف الجريمة والفساد العالميَين على نطاق واسع، والعديد غيرها من الأمثلة.

يُنشِئ هؤلاء المبتكرون الثقافيون مساحات ثقافيةً جديدةً – ماديةً ورقميةً ومجازيةً؛ حيث يمكن للناس فيها استكشاف طرق جديدة لإنجاز الأمور، مجتمعين وفُرادى، وكثيراً ما تُلهِم هذه المساحات الأفراد لإعادة التفكير في أنفسهم وإمكانياتهم، فيبدأ الشخص المشرَّد يرى نفسه رائد أعمال ومعلِّماً، وتصبح فتاة لاجئة لا حول لها ولا قوة صحفيةً وروائيةً، وتكتشف رأسمالية مغامِرة الجانب الفني لديها، ويصبح لمواطن منعزل رأي في العملية السياسية.

لماذا تستحق مساحات مماثِلة نيل الاهتمام اليوم؟

في هذه اللحظة من التاريخ، لم تعد العديد من مؤسَّساتنا ومعتقداتنا تناسب واقعنا الملموس، فلم يعد التعليم يضمن لليافعين وظائف مستقرَّةً وجيدة الأجر؛ حيث أن  أعداد الأشخاص الذين يعملون في وظائف بدوام كامل بتناقص مستمر، وفي المقابل؛ يسدّ الأفراد تلك الثغرات بكسب دخلهم عن طريق اقتصاد الأعمال المستقِلة أو تقديم الخدمات “عند الطلب”؛ ما يترك الكثيرين بدون استقرار أو مزايا.

كما أننا نشهد على نحو متزايد الأحزاب السياسية والمسؤولين المنتخَبين الذين أسَرَتهم مصالحهم في جمع الأموال الطائلة، بدل أن  يكونوا ممثِّلين حقيقيين للشعب، وتعارُض المثل العليا لبناء مجتمع أكثر إنصافاً مع التجربة الواقعية في استقطاب الدخل المتزايد. 

في مثل هذه الأوقات؛ يؤدي التحول والارتباك إلى الميول نحو ظهور معتقدات جديدة، وأساليب جديدة لإنجاز الأمور، ومعايير ثقافية وأبطال جدد؛ هذه عملية حاسمة في التطور المجتمعي، وهي تعكس كيف يحدث التطور في الطبيعة.

استخدم عالم الأحياء ستيفن جاي غولد مصطلَح “التوازن النقطي” لوصف هذه العملية؛ حيث يناقش كون الفئات السكانية “المنعزلة” هي من تدفع عجلة التطور – تكون عادةً فئات سكانية منعزلة تطوّر خصائص فريدة يمكن تمييزها بوضوح عن التيار السائد؛ حيث تمنحهم تلك الخصائص الفريدة ميزةً تطوريةً عندما تتغير الظروف البيئية، تمكّنهم من الصمود والازدهار على حين يتجه السكان الآخرون نحو الهاوية؛ حيث تنفِق هذه الفئات السكانية “المنعزلة” أموالها الشخصية بسخاء خلال فترات الاضطراب أو “النقاط” لصالح الوسط العام، لزيادة احتمال صمود الجميع.

وهذا بالضبط ما يقوم به المبتكرون الثقافيون أمثال مارك وبول ونيكيكو وبيا وغيرهم الكثيرين؛ يبنون ثقافات جديدةً بعملهم على الفئات المنعزلة، يبنون قيماً جديدةً، وأساليب جديدةً لإنجاز الأعمال، ووسائل جديدةً لرؤية العالم؛ والتي يمكن أن تصبح البنية الأساسية لتحول اجتماعي أكبر؛ هم يؤسِّسون في هذه العملية لازدهار ثقافي متجدِّد لا يمكن للمؤسَّسات القديمة العهد أن تبنيه؛ سواءً كانت مؤسَّسات خيرية، أو وكالات تنمية اقتصادية، أو مؤسَّسات تعليمية، أو شركات، أو حكومات؛ حيث تختلف طريقة تفكيرهم والأدوات التي يستخدمونها اختلافاً واضحاً عن تلك التي تستخدمها معظم المؤسَّسات التقليدية.

لمتابعة الجزء الثاني من السلسلة؛ اقرأ: ما هي الأدوات لتحقيق الثراء الثقافي في المجتمع؟

يمكنكم الاطلاع على النسخة الإنجليزية من المقال من خلال الرابط، علماً أنّ المقال المنشور باللغتين محمي بحقوق الملكية الدولية. إنّ نسخ نص المقال بدون إذن مسبق يُعرض صاحبه للملاحقة القانونية دولياً.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى