ما هي الأدوات لتحقيق الثراء الثقافي في المجتمع؟

تعرف على دور المبتكرين الثقافيين في تحقيق الثراء الثقافي

كنا قد تساءلنا في مقالنا الأول من سلسلة “بناء الثراء الثقافي” حول من هم المتبكرون الثقافيون؟  وما هي المساحات الثقافية؟ ولماذا تستحق مساحات مماثِلة نيل الاهتمام اليوم؟

أما في الجزء الثاني من هذه السلسة فسوف نتابع الحديث عن المبتكرين الثقافيين وكيفية تحقيق الثراء الثقافي من خلالهم والأدوات لتحقيق ذلك.

التصميم لتعزيز القدرة على التطور

لاحظ بول رادو مرةً أن الجانب المؤسف من المؤسَّسات – السياسية أو الشركات – هو أنها معرَّضة بشدة للفساد والتدهور؛ حيث يؤسفه القول أنه: “كما تكون بركة الماء الراكدة أكثر عُرضةً لتملأها الطحالب، وتصبح مرتعاً للأمراض؛ تصبح المؤسَّسات التي تعزل نفسها عن التغيير راكدةً؛ حيث ينتشر الركود المؤسَّسي البيروقراطي بكثرة في عالم التنمية على نطاقات واسعة وضيقة، وتجد أن العديد من المجموعات – من ضمنها الوكالات المانحة والمؤسَّسات غير الحكومية – ينتهي بها الأمر إلى الاستثمار في إطالة أمد المشكلات ذاتها التي تعمل أصلاً لحلها، ففي النهاية؛ تبرِّر هذه المشاكل أصل وجودها”.

في حين أنه لا يتعيّن على مساعي التنمية الاقتصادية وإعادة توطين اللاجئين وغيرها من مساعي التغيير الاجتماعي بالضرورة أن تُحجِم عن بناء هيكليات راسخة؛ لكن يُظهِر لنا المبتكرون الثقافيون ما يمكن تحقيقه بالاعتماد على الهيكليات البسيطة، والحد الأدنى من الإدارة، وقلّة من الموظَّفين المأجورين أو الذين لا يتقاضون أجراً، ومبالغ زهيدة من المال، وفي المستقبل حين يغدو تعداد العالم بين ثماني أو تسع مليارات نسمة؛ سيقلّ اعتماد المسار لتحقيق الثراء الثقافي على تصميم برامج جيدة التمويل للشعوب، ويزداد اعتماده على إيجاد مساحات لإبراز إدراك الشعوب، وعلى القدرات الفردية لتحفيز ظهور أنواع جديدة من المجتمعات، كيف يفعلون ذلك؟ بمزامنة مساعي الجموع بمهارة.

المزامنة من القاعدة إلى القمة

“التنسيق الوصمي” (Stigmergy): هو مفهوم في علم الأحياء يصف عملية تنسيق الأعمال بين الكائنات الحية لإنتاج أنماط معقَّدة من السلوك، فعلى سبيل المثال؛ يطلق النمل الفيرومونات كوسيلة لتناقل موقع الطعام مع مجموعات النمل الأخرى؛ تربط شبكة المسارات المعقَّدة التي ينتجها النمل مسكنهم بمصادر الغذاء، فتتيح بذلك للمستعمرة بأكملها أن تزدهر.

وبأسلوب مماثل؛ ينشِئ العديد من المبتكرين الثقافيين مساحات – على شكل هياكل مادية ومنصات رقمية تتيح للأشخاص مزامَنة الأنشطة بكفاءة من خلال معرفة موضِع الحاجة إلى المساعَدة، وما يجب فعله، وكيف يمكنهم المساهَمة.

تنشئ هذه الأساليب منصات تفاعليةً من جميع الأنواع تتيح للمتلقِّين الاستجابة عن طريق إجراءات فردية تفضي بدورها إلى حلول منسَّقة؛ على عكس الهيكليات التقليدية لإيصال الموارد؛ وأكثر الأمثلة شيوعاً هي المنصات الاجتماعية عبر الإنترنت – مثل “تويتر” و”ثاندر كلاب” و”إنديغوغو” – والتي تزامن بسلاسة بين أعداد هائلة من الأشخاص حول قضية أو نشاط معين.

لكن فيما عدا تلك المنصات التي تخدم الأغراض العامة وتحفز الجماهير؛ تنتشر المساحات الوصمية في جميع الزوايا والأركان التي يشغلها المبتكرون الثقافيون، ويُعَدّ مشروع “الإبلاغ عن الجريمة المنظمة والفساد” مثالاً رئيسياً عن المساحة الرقمية التي تشغلها مجموعة من المبتكرين الثقافيين؛ حيث يمكن للصحفيين في جميع أنحاء العالم بناء عملهم استناداً على أعمال أقرانهم.

يستخدم مشروع “المساحة الحرة” -على الأخص- الجدران الحقيقية على أنها مساحة للتعاون المجتمَعي؛ عندما ننتقل من إدارة الأشخاص إلى إنشاء مساحات لمزامنة المساعي، فإننا نطلق العنان لمقدار هائل من الإبداع البشري، ورصيد يمكن لأي شخص إعادة استثماره في المهمة التي يعمل على تنفيذها.

الاستفادة من وفرة الموارد المشترَكة

إن الأسواق الاقتصادية مبنية على النُدرة، والأسعار هي الآليات الرئيسية لتوزيع الموارد النادرة؛ لكن الثراء الثقافي يستفيد من ثروة الموارد المشترَكة التي يُغفَل عنها عادةً؛ حيث توفِّر الموارد المشترَكة بالنسبة للأشخاص الذين يقومون بالتحفيز على إنشاء مساحات ثقافية جديدة، مجموعةً من الموارد المادية والرقمية، إضافةً إلى الإمكانيات التي تعود ملكيتها للمجتمع بحدّ ذاته – وليس الحكومة أو القطاع الخاص؛ إن الإشراف على مثل هذه الموارد يجمع المجتمع ويدعم تطور المعايير الثقافية الجديدة.

لا غرابة في أن يكتسب العديد من المبتكرين الثقافيين خبرتهم الأولية من تيار البرمجيات مفتوحة المصدر، والمجتمعات الافتراضية، والموارد المشتركة الرقمية؛ مثل “ويكيبيديا” و”غيت هَب”، وبدلاً من خلق مأساة موارد مشترَكة بحيث تستنزفها مجموعات كبيرة من الناس تدريجياً؛ زادت الثقافة الرقمية مخزون الموارد المشترَكة والاستراتيجيات لجعلها مجديةً للجميع في البيئات المادية والرقمية.

بمجرَّد أن يبدأ المهاجرون بالانتقال إلى مُجمَّع “الأمل” – لوحات بيضاء بانتظار مساهَماتهم فقط – بدؤوا بتنظيم أنفسهم للعناية بمواردهم المشترَكة المشيَّدة حديثاً، وتنسيق الأعمال والأنشطة المتنوعة بينهم مثل التسميد، وإعادة زراعة شتلات الخضار، ودروس تعليم اللغة، حتى أن السكان أعادوا النظر في خدمة الإسعاف التي لا يُستفاد منها في المُجمَّع إلا قليلاً؛ بحيث يمكن استخدامها خارج المخيم عندما لا يحتاجها المقيمون الداخليون.

كما علّمت الموارد المشترَكة الرقمية المبتكرين الثقافيين الجدد، أنهم لا يحتاجون إلى مؤسَّسات ذات نفوذ واسع أو مبالغ طائلة من المال لتوسيع نطاق جدوى الموارد المشترَكة، فبينما تتدفق الكثير من الأموال عبر الإنترنت، فإن معظم ما يمنح لهذه الموارد قيمتها هو المساهَمات التطوعية الفردية للأشخاص؛ سواءً كانت إجابات على أسئلة في المنتديات الصحية، أو مقاطع فيديو منزلية على موقع “يوتيوب” تشرح كيفية تثبيت جهاز “مايكروويف” فوق الموقد في مطبخك؛ وهذه هي أنواع الموارد الوفيرة – الوقت والمعرفة والأفكار والمجتمع – التي تستفيد منها العوامل المحفِّزة على التغيير الثقافي لدعم عملها.

عندما سُئِل مايكل زوكرمان عمّا سيفعله إذا منحه شخص ما مليون دولار؛ أجاب: “أفضِّل لو منحني مليون شخصاً بدلاً عنها”، فالمشارَكة الواسعة تُحيل الندرة إلى وَفرة؛ وخلال هذه العملية تولّد إحساساً بالمجتمع، وشعوراً بالانتماء وتحقيق ما هو أعظم مما يحققه المرء لذاته؛ هي تولِّد إحساساً بالثراء الثقافي.

المسارات الجديدة نحو الثراء الثقافي

كرَّست الحكومات والمؤسَّسات الخيرية والمؤسَّسات غير الربحية نفسها لتحقيق التنمية الاقتصادية في جميع أنحاء العالم منذ عقود – لتخفيف وطأة الفقر ودمج المجتمعات المهمَّشة في الاقتصاد العالمي، وقد استدلّوا في ذلك بممارَسات الشركات العالمية؛ حيث يسعون خلف كفاءات الحجم، ويوحِّدون معايير المنتجَات والخدمات، ويوجدون أسواقاً لدعمها، ويقيِّمون عوائد الاستثمار؛ لقد عمل أولئك الذين حققوا النجاح الأكبر في عالم الأعمال على نقل خبرتهم في مجال الأعمال التجارية الضخمة إلى طائفة واسعة من المشكلات الاجتماعية والاقتصادية.

إن المسارات التي يتّبعها العديد من المبتكرين الثقافيين؛ ومنها التصميم بناءً على عدم الثبات، وتنمية الموارد المشترَكة والاستفادة منها، والتنسيق من القاعدة إلى القمة، وإنجاز الأعمال دون نقود، تتعارض مع تلك الأساليب التقليدية، ومع ذلك، فهذه الاستراتيجيات بالذات التي نحتاج أن نأخذها على محمل الجد اليوم؛ حيث استنتجت عدة دراسات؛ ومن ضمنها تلك التي أجراها البنك الدولي وصندوق النقد الدولي، أن أُطر التنمية التقليدية إما فشلت فشلاً ذريعاً في تحقيق أية نتائج، أو حققت نتائج بتكلفة بشرية باهظة، وإن السبب الرئيسي وراء ذلك أن نُهج التنمية الاقتصادية التقليدية تميل إلى الاستخفاف بدور الأفراد والثقافة في التحفيز على التغيير، فالثقافة ليست ضمن المواضيع التي يرتاح الاقتصاديون وخبراء التنمية في الحديث عنها، كما أنها لا يمكن أن تُقاس بسهولة، ومع ذلك؛ ربما تكون الثقافة هي أقوى أداة للتحفيز على التغيير.

هذا ما يدركه المبتكرون الثقافيون إدراكاً عميقاً، فهم لا يعدّون الفقر ظاهرةً اقتصاديةً فقط (أو حتى بصورة رئيسية)؛ بل يعاني الأفراد وحتى المجتمعات بأكملها اليوم من فقر في العلاقات والمعرفة والبنى الاجتماعية والقانونية التي يمكن أن تدعم الإنصاف والعدالة، وربما الأهم من كل ذلك؛ توجيه الرؤى للتطلع نحو المستقبل لتمثل عند جمعها معاً فقراً في الثقافة؛ وهذا هو نوع الفقر الذي يعمل المبتكرون الثقافيون على القضاء عليه في المساحات الثقافية الجديدة التي ينشئونها.

ليس المبتكرون في مجال الثراء الثقافي خبراء تنمية أو أخصائيين مجتمعيين؛  بل هم أفراد متوسِّعون – أشخاص يعملون عادةً ضمن مجموعات صغيرة مزوَّدة بتقنيات ووسائل تواصل مع بعضها – يحققون ما لا تستطيع المؤسَّسات الكبيرة إنجازه ببساطة، وخلال هذه العملية؛ يعيدون كتابة المبادئ الأساسية لمعنى الثراء وكيفية تحقيقه، وربما يكونون أملنا الوحيد لاكتشاف كيفية بناء الثراء الذي يواكب تسارع التغيير في بيئتنا.

يمكنكم الاطلاع على النسخة الإنجليزية من المقال من خلال الرابط، علماً أنّ المقال المنشور باللغتين محمي بحقوق الملكية الدولية. إنّ نسخ نص المقال بدون إذن مسبق يُعرض صاحبه للملاحقة القانونية دولياً.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى