اشترك
الوضع المظلم
الوضع النهاري

الاستمرار بالحساب الحالي

هل تؤثر عمليات الاندماج بين المؤسسات غير الربحية في تعزيز التأثير الاجتماعي؟

إعداد : جيل بيريغ

 

تم النشر 02 أبريل 2022

شارك
شارك

تقدم منصة ستانفورد للابتكار الاجتماعي الجزء الأول من سلسلة "التمويل لبناء المجتمع"، وسنتحدث في هذا الجزء عن أثر الاندماج والاستحواذ في توفير الفرص للمؤسسات غير الربحية مع أمثلة من التاريخ.

لا يجب أن تكون عمليات الاندماج بين المؤسسات غير الربحية صفقات للنجاة في وقت الأزمات، بل يُمكن للاندماج والاستحواذ أن يوفر بعض الفرص العاجلة والتي قد تكون مميزة بالنسبة للمؤسسات غير الربحية.

أثبت عام 2021 أنه عام مزدهر بالنسبة للاندماج والاستحواذ العالمي، والذي تجاوزت قيمته 5.8 تريليون دولار العام الماضي وفقاً لشركة "ريفينيتف داتا" (Refinitiv Data)، وبالطبع، تختلف الدوافع لذلك من صفقة إلى أخرى. ولكن يمكن للمرء أن يفترض، في حالات الشركات الربحية، أن عمليات الاستحواذ هي في الغالب عمليات استراتيجية بطبيعتها وأنها إما أن تخلق بديلاً تنافسياً أفضل أو تساعد في التغلب على العقبات التي تقف في طريق النمو المستقبلي.

وبالمثل، تواجه العديد من المؤسسات الخيرية ضغوطاً تنافسية خاصة بها، لا سيّما مع استمرار تزايد عدد المؤسسات غير الربحية ومع تزايد مطالبة الجهات المانحة بتحمل المسؤولية. ومع ذلك، ما يزال الاندماج والاستحواذ يُعتبر الخيار الأخير ضمن الدوائر الخيرية بشكل عام. إن عمليات الاندماج ليست بالضرورة مفهوماً غريباً على المؤسسات غير الربحية، حتى أن هناك بعض المؤسسات، مثل "سي تشينج كابيتال" (SeaChange Capital)، و"ذا بريدجسبان غروب" (the Bridgespan Group)، وغيرها، التي تستطيع لعب دور الوسيط لمساعدة المنظمات غير الحكومية والمؤسسات الخيرية على توسيع نطاق تأثيرها (بشكل لا يختلف عن بنك الاستثمار التقليدي أو وسيط الشركات). ومع ذلك، فإن الحوافز المالية التي تحفز الشركات على البيع غير موجودة. بل في الواقع، يدرك المسؤولون التنفيذيون للمؤسسات غير الربحية جيداً أن وظائفهم قد تصبح زائدة عن الحاجة. وبالمثل، غالباً ما يدرك المموّلون أن مقاعدهم في مجلس الإدارة ونفوذهم قد تصبح مهددة. وهذه المخاوف، التي ليست واهية بالضرورة، تساعد على تفسير السبب في النظر إلى عقد الصفقات كأداة للبقاء بدلاً من أداة للنمو كإجراء تلقائي في مؤسسات خيرية ذات حجم معين.

نتيجة لذلك، غالباً ما يكون الاندماج والاستحواذ بين المؤسسات غير الربحية، في حال حدوثه، معاكساً للدورة الاقتصادية، حيث يزداد مع تراجع الاقتصاد وشحّ التمويل، ويتباطأ خلال فترات النمو الاقتصادي المستدام، عندما يكون التمويل متاحاً بشكل أكبر. يحدث ذلك خلال "فترات الوفرة" هذه، عندما يصبح من السهل التغاضي عن عمليات الاندماج والاستحواذ، والتركيز بدلاً من ذلك على مبادرات جمع الأموال أو استغلال الموارد الجديدة. ولكن خلال هذه الدورات أيضاً، يمكن أن يكون الاندماج والاستحواذ أكثر فاعلية -ليس كطوق نجاة- ولكن كأداة استراتيجية لإحداث تأثير أكثر وضوحاً واستدامة.

التعلم من الأمثلة التاريخية

لم يكن الاندماج بين المؤسسات غير الربحية أمراً غير شائع دوماً، أو حصراً للمؤسسات غير الممولة. ففي مطلع القرن العشرين، عندما سعت مؤسسة روكفلر (Rockefeller Foundation) لأول مرة إلى إقرار ميثاق وطني، كان الجهد مبنياً على دمج العديد من المساعي الخيرية للأسرة تحت مظلة واحدة، وفقاً لكتاب "بيوند تشاريتي" (Beyond Charity)، لاحظ أحد المراسلين في ذلك الوقت أن عائلة روكفلر كانت تحاول بشكل فعال إنشاء مؤسسة لعالم العمل الخيري على غرار شركة "ستاندرد أويل" (Standard Oil) بالنسبة للقطاع الصناعي.

كان الرواد الصناعيون الآخرون في ذلك العصر على ذات الدرجة من الابتكار، ويعود الأمر جزئياً إلى أنهم كانوا ينظرون إلى مساعيهم الخيرية من ذات المنظور الذي يطبقونه على أعمالهم التجارية. مثل يوليوس روزينوالد، المهندس المعماري الذي يعود له الفضل في نمو ونجاح شركة "سيرز روبك" (Sears Roebuck). وفي حين أنه اشتهر بعمله على المساعدة في تمويل أكثر من 5300 مدرسة من "مدارس روزينوالد" في مختلف أنحاء الجنوب الأميركي الذي كانت تسوده قوانين جيم كرو، إلا أن جهوده لزعزعة العمل الخيري بشكله الذي كان سائداً وإعادة تخطيطه غالباً ما يتم تجاهلها. وقد كان من أوائل المؤيدين لتحديات الحصول على المنح لتحفيز أصحاب المصلحة الآخرين وتعزيز الشعور "بالملكية" بين أولئك الذين كان يهدف إلى مساعدتهم. كما تبنى فلسفة "اعطِ ما دمت على قيد الحياة" (give while you live)، وهي حركة تكتسب زخماً متجدداً في زماننا. كما أنه رأى عمليات الاندماج والاستحواذ، رغم أنها لم تكن مُحتفى بها كثيراً، كأداة لا تقدر بثمن للقضاء على تداخل العمل بين المؤسسات وتعزيز نطاق وقدرة المؤسسات ذات التفكير المتماثل التي تعالج نفس الأسباب أو أسباباً متشابهة.

على سبيل المثال، قاد روزينوالد عملية دمج المؤسسات الخيرية الرائدة لإنشاء إحدى الجمعيات الخيرية الرائدة في شيكاغو. ووفقاً لهازيا دينر التي كتبت سيرته الذاتية، فقد سعى أيضاً إلى التوسط في عملية اندماج بين الرابطة الحضرية (Urban League) والجمعية الوطنية للنهوض بأصحاب البشرة الملونة (NAACP) لمحاربة حرمان الأميركيين من أصول أفريقية من حق التصويت على المستوى الوطني. (إلا أن هذا الاندماج المقترح لم يتحقق). فالهدف لم يكن الدمج من أجل الدمج، ولكن للقضاء على الهدر وتوجيه الموارد بشكل أفضل نحو مشكلة محددة خلال حقبة ما بعد عهد إعادة الإعمار.

ولكن في الآونة الأخيرة، أصبحت عمليات الاندماج والاستحواذ في الفضاء غير الربحي – إذا لم يتم اعتبارها بالفعل على أنها وسيلة إلهاء – تستغرق المزيد من الوقت والموارد، أكثر مما يعتقد العديد من القادة أنه تحت تصرفهم. وقد قامت كريستي جورج وتارين ستاينبريكنر-كوفمان بتسليط الضوء على هذه النقطة في مقال نُشر العالم الماضي في مجلة ستانفورد سوشال إنوفيشن (SSIR). ونتيجة لذلك، عندما تنعقد الصفقات، غالباً ما تصبح محاولة أخيرة توصف بأنها "قرارات متسرعة ودون المستوى الأمثل". وهذه الصفقات المعقودة بسبب الحاجة في اللحظات الأخيرة، غالباً ما تتسبب بنتائج تعزز التصور السلبي السائد حول اندماج واستحواذ المؤسسات غير الربحية.

الأثر الجماعي: الاندماج والاستحواذ المخفف أم الفوضى الجماعية؟

سيكون من الخداع الإيحاء بأن المؤسسات غير الربحية اليوم لا تُقدّر قيمة العمل التعاوني. ومن الشائع جداً للمؤسسات التي تسعى إلى نفس السبب تحديد المواضع التي قد تتقاطع فيها أهدافها وتحديد أفضل السبل التي يمكنها من خلالها مواءمة مواردها لمتابعة بعض المبادرات الطموحة بالفعل. وفي الواقع، أسفر الحراك نحو العمل الجماعي أو التأثير الجماعي عن نتائج ملحوظة.

فعلى سبيل المثال، وجدت دراسة استقصائية من "بورد سورس" (BoardSource)، أن هناك علاقة ترابطية واضحة بين مجالس إدارة المؤسسات غير الربحية "عالية التأثير" والانفتاح بين المدراء للنظر في التحالفات الاستراتيجية. والذين يستطيعون المناقشة بشأن المبادرات عالية التأثير، التي تتراوح بين جهود الاستجابة السريعة لجائحة كوفيد-19 إلى الإغاثة المنسقة التي تقدم المساعدة في أعقاب الكوارث الطبيعية. لكن استقصاء بورد سورس ذاته كشف عن أن أقل من واحد من كل عشرة مستجيبين قد شارك في عملية دمج أو استحواذ رسمية خلال الأعوام الخمس الماضية.

ما يفشل الكثيرون في النظر إليه هو أن عمليات الاندماج والاستحواذ تمتلك القدرة على الانطلاق من حيث تنتهي التحالفات. ففي إحدى البلدان، على سبيل المثال، تم تأسيس مئات المؤسسات الخيرية لمساعدة الأقليات العرقية، والتي عادة ما تعاني من معدلات مرتفعة من الفقر والبطالة. وفي حين أن كل مؤسسة خيرية أثبتت أخلاقياتها في مهمتها الخاصة، إلا أن بعثرة الجهود تخلق تحديات في بيئة العمل الخيرية الكبرى. حيث يواجه المتبرعون المرتقبون معضلة في الاختيار عند تحديد المؤسسات التي قد تكون الأكثر استحقاقاً لعطاياهم، بينما تجعل التحديات المماثلة بين المؤسسات الخيرية الحليفة المحتملة العديد من الأشخاص غير متأكدين المؤسسات التي تمثل الشريك الأفضل.

إلا أن التحدي الأكبر، والذي نادراً ما يبدو واضحاً للعيان، هو أن هذه البعثرة في الجهود قد تخلق فوضى جماعية أيضاً، فالأمر أشبه بنبتة منزلية يرويها كثير من الأشخاص بالماء. وغالباً ما يكون المتلقون أنفسهم غير واثقين من المكان الذي يجب أن يلتزموا به عند وجود العديد من المؤسسات الساعية للتدخل. وبالتالي تكون النتيجة في الغالب خليطاً متفرقة من المساعدات التي تفتقر إلى المتابعة أو تحمل المسؤولية اللازمين لتعزيز النتائج النهائية.

قد يكون التحدي الأكبر، بين المتبرعين المرتقبين على الأقل، هو إلى أي مدى قد تتسبب هذه التجزئة بالهدر. فإلى حد معين، ستُوجّه الأموال إلى المؤسسة الأجدر والأكثر فعالية. ومع ذلك، لا بد أن تكون التداخلات الإدارية واضحة بين المؤسسات الخيرية. ومن وجهة نظر استثمارية، من المرجح أن يدرك معظم المتخصصين في الأسهم الخاصة الذين ينظرون إلى المشكلة ومزيج الحلول المحتملة أنها إحدى النواحي التي تحتاج لتكاتف الجهود.

تجاوز العقبات

إذا كان الاندماج أو الاستحواذ في القطاع الخيري أمراً سهلاً، يكمن الحذر في أنه بالتأكيد سيصبح أكثر شيوعاً. وإن ندرة التجمعات الرسمية، فيما يتجاوز صفقات الضرورة، يمنحنا تصوراً عن العمل الشاق اللازم لنشر الوعي داخل قطاع العمل الخيري. قد يكون الاندماج والاستحواذ أمراً مخيفاً لأية مؤسسة، لكنه كذلك على وجه الخصوص بالنسبة للمؤسسات المستهدفة المحتملة التي لم تطرح بنفسها هذا التجمع المقترح. ومن وجهة نظر تجارية، فإن ترقب الحصول على فوائد مالية من عملية التجمع المقترحة سيوفّر نقطة انطلاق مناسبة للمناقشات؛ أما بالنسبة للمؤسسات غير الربحية، فيجب أن تكون الفوائد الاستراتيجية واضحة ولا يُمكن التشكيك فيها. وحتى في مثل هذه الحالات، فإن مفاوضات عملية الاندماج لا تنضوي على حسابات صعبة ومعقدة بقدر ما هي متعلقة بعلم النفس السلوكي، نظراً لأن المعوقات الكبرى ذات طبيعة سياسية معظم الوقت.

غالباً ما يكون الممولون، خاصة على مستوى مجلس الإدارة، مُحفّزين لينالوا الفرصة للمشاركة في قضية ما بفاعلية وحريصين على لعب دور مباشر في تحقيق التغيير الإيجابي. حيث تُعتبر الرغبة في إطلاق مؤسسة في المقام الأول فُرصة لترك إرث والمساعدة في نقل نزعة الإيثار إلى الأجيال القادمة. وإن أية صفقة تهدد بوضع الممولين على الهامش، مهما كانت استراتيجية أو مؤثرة، لن تتماشى مع الأهداف "الناعمة" التي غالباً ما تكون في صميم العطاء الخيري. وبالطبع يعلم المسؤولون التنفيذيون أن هذا الاندماج قد يتركهم في مقاعد المتفرجين، من دون المزايا المالية الشائعة في الصفقات الربحية. ولهذه الأسباب، فإن مجرد بدء مناقشات الصفقة يمكن أن يكون محفوفاً بالتوتر.

وبافتراض أن الجميع متفقون على مهمة مشتركة، يُمكن بالفعل معالجة هذه الحساسيات وإدارتها عندما يتم التعامل معها بالفكر الراشد والحرص اللازم.

للاطلاع على الجزء الثاني: 3 مكاسب تتميز بها المؤسسات غير الربحية عند عمليات الاندماج 

يمكنكم الاطلاع على النسخة الإنجليزية من المقال من خلال الرابط، علماً أنّ المقال المنشور باللغتين محمي بحقوق الملكية الدولية. إنّ نسخ نص المقال دون إذن سابق يُعرض صاحبه للملاحقة القانونية دولياً.

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!