الابتكار أكبر من زر “إعجاب” وتطبيقات برّاقة

تعريف الابتكار
shutterstock.com/LastMondayApril
استمع الى المقالة الآن هذه الخدمة تجريبية
Play Audio Pause Audio

عادة ما نربط الدهشة بالمواقف المهولة مثل الوقوف في وادي غراند كانيون. أو عندما نتعرف إلى فكرة جديدة تتعارض مع منظومة أفكارنا القديمة بطريقة مثيرة للدهشة. بدأ العلم في السنوات الأخيرة مساعدتنا على فهم تداعيات الدهشة. حيث شرح عالما النفس داشر كيلتنر وجوناثان هايدت كيف تقوّض الدهشة فهمنا المسبق للعالم من حولنا، ما يدفعنا إلى تغيير طرق التفكير لاستقبال فكرة جديدة واستيعابها والتكيف معها، فالدهشة قادرة على إطلاق عملية إعادة تكوين بنى التفكير التي نستخدمها لفهم العالم. وقد تكون الدهشة سلاحنا السري في البحث عن أدوات جديدة لقيادة التغيير الثقافي، وخلق تأثير اجتماعي، وتداول أفكار جديدة لتحسين النظم الاجتماعية.

وفي حال كان الابتكار الذي نسعى إليه ذا طبيعة اجتماعية، فلن يكون منتجاً أو خدمة أو أداة رقمية. نحتاج إلى صياغة ثقافة تسعى إلى الدهشة وتتبناها وتوجهنا إليها باعتبارها قاعدة عمل أساسية لمؤسساتنا ومجتمعاتنا. وكما الدهشة، يطمح الابتكار إلى تجاوز مفهومك الحالي للعالم. وكما أوضحت في كتاب “الفضول الثوري” (Radical Curiosity)، فإن هذا النوع من البساطة الرائعة يتطلب منا إعادة فهم الافتراضات الكامنة وراء تعريفنا الحالي للابتكار.

تعريف الابتكار

فالابتكار كما يُمارس اليوم مبالغ فيه، ومُساء فهمه، ويوصلنا للنتائج الخاطئة. فكثيراً ما يتم إعادة تعريف الابتكار على أنه وسيلة لتحقيق مكاسب اقتصادية في أوساط الأعمال التجارية المعاصرة. لماذا يرتبط الابتكار ارتباطاً وثيقاً بالنمو على الصعيد الاقتصادي في حين ثمة أنواع عديدة من النمو الجديرة بالابتكار مثل النمو على الصعيد الفردي والفكري والبيئي؟ ولماذا بات الابتكار من مفردات المال والأعمال بدلاً من التقدم الثقافي؟ تخيل لو أعلن الرئيس التنفيذي لشركة ما “سنحقق هذا العام نمواً كبيراً”، وكان المقياس يشير إلى زيادة المعرفة، أو السعادة، أو قيمة عايشها الموظفون في السنة التقويمية. تخيل لو انتخب رئيس الولايات المتحدة على أساس وعد “بعصر من النمو لم تشهده أميركا من قبل” وكان هذا النمو يشير إلى زيادة العدالة والثقافة والرعاية لجميع مواطنيها، بدلاً من الناتج المحلي الإجمالي.

الابتكار يعني تاريخياً توليد أفكار جديدة، لكن في العصر الحديث غالباً ما يبدو أن الفكرة الوحيدة المهمة هي المال. لقد قلبنا المعادلة. يجب أن يكون المال نتيجة ثانوية للأفكار ذات القيمة العميقة، وليس الفكرة ذاتها. وعندما تكون الأفكار ثقافية، يتم تقييمها مالياً بحسب منطق السوق. فالربح في هذه الأيام ثقافة المجتمع ومقياس أفكاره. وانقلاب المعادلة باعتبار المال الهدف الأساسي بدلاً من الأفكار يجعلنا عاجزين عن التفكير.

المفارقة هي أن تمويلنا للأفكار يمنع الأفكار القيّمة التي نحتاج إليها من الظهور. فالأفكار القيمة والقوية والمؤثرة والهادفة تنبع من تغيير طريقة التفكير. وفي حال أردنا أفكاراً مهمة وجريئة، فعلينا إعادة بناء عقولنا، وليس تصميم منتجات جديدة. والعمل المطلوب منا ليس ميكانيكياً أو تقنياً أو قائماً على الإنتاج. يتطلب الابتكار الحقيقي منا أن نطرح أسئلة الفضول الثوري التي تؤدي إلى رؤى أعمق، وليس أرباح أكبر. ليس لتغيير الأدوات التي نستخدمها، بل لتغيير الهدف من استخدامها.

وهي ليست بالمهمة السهلة. ومتطلباتها غير عادية. فهي تتطلب الدهشة.

الشعور بالدهشة

فشعورنا بالدهشة يقلب أو يوسع آفاق فهمنا للعالم من حولنا. غالباً ما نقول “إنه أمر مذهل” عند شعورنا بالدهشة. في البداية لا تتحمل عقولنا تلك التجربة المذهلة التي تنسف فهمنا السابق للعالم. وبعد ذلك تستوعب عقولنا رؤية جديدة للعالم وبطريقة مختلفة .

الدهشة تحفز تطوير نظم التفكير. وبطريقة عميقة. والدهشة تؤثر في عقولنا بطريقة تجعلنا نعيد النظر بما كنا نظنها مسلّمات. تفقدنا اليقين من “الحقائق” وتزعزع معتقداتنا الأساسية. هل الأرض مركز الكون أم الشمس؟ كيف نشأ الكون؟ ما علاقة الإنسان بالعالم من حوله؟ تقودنا الدهشة إلى الشك في أجوبة الأسئلة الكبرى.

ونحن بحاجة إلى تقبل هذا النوع من الشك، إلى أن نكون مقتنعين بأن المعرفة ليست حقائق جامدة بل حركة دائمة مدفوعة بالأسئلة المستمرة التي تثير الدهشة في عقولنا. فالاكتشافات العظيمة دائماً ما تكون صعبة المنال. وهي لا تقدم إجابات بل تولد أسئلة جديدة، أسئلة أفضل، أعمق لدرجة نرى فيها أن الاستفسار بحد ذاته مثير للدهشة. وهنا بيت القصيد ومكمن السحر في الرحلة بين المعروف والمجهول. في رحلة تولّد الدهشة فيها إمكانيات هائلة.

كتبت هيلين دي كروز عن الصلة بين المعروف والمجهول في مقالها “ضرورة الدهشة” (The Necessity of Awe) تصف ما يمر فيه الإنسان في رحلته الشاقة نحو الابتكار عندما يتخلى عن منظومة فكرية ويعتنق أخرى جديدة:

عندما ينهار نموذج علمي فلا بد للعلماء من اقتحام المجهول. تلك لحظات الثورة، كما سماها توماس كون في ستينيات القرن الماضي، عندما تصبح رؤية العلماء للعالم غير مقبولة ويبدؤون التشكيك في الحقائق الثابتة والمسلمات في أحد المجالات المعرفية، عندما يكتشفون أن تلك النظريات العظيمة بنيت على وهم، والبراهين التي صمدت مئات السنين لم تعد مقنعة اليوم، والطريقة المميزة والفعالة لفهم العالم خاطئة من جذورها. فلم تكن الثورات العلمية العظيمة التي أشعلها كوبرنيكوس، وغاليليو، ونيوتن، ولافوازييه، وآينشتاين، وويغنر إلا مراحل من الشك، عندما لم يساعدهم العقل الهادئ النزيه وحده على المضي قدماً لأنهم علموا أخيراً أن الكثير من افتراضاتهم حول مجالهم المعرفي مغلوطة. فلا بد لهم إذاً من اقتحام المجهول دون معرفة موطئ أقدامهم. لتغيير أي مجال معرفي أو قبول أي تغييرات جذرية فيه، عليك أولاً تغيير نظرتك إلى العالم. تستطيع الدهشة مساعدتك على ذلك، لأنها تركز وعيك بعيداً عن ذاتك وتجعلك تفكر خارج أنماط تفكيرك المعتادة.

إليكم هذا التوضيح الجيد لصعوبة كسر المنظومات الفكرية الموروثة. تدعونا دي كروز إلى أن نطلب من أنفسنا أمران عندما نبتكر، الأول قبول احتمال أن تكون النظريات العظيمة بُنيت على وهم، والثاني رفض الأفكار القديمة التي تعود إلى قرون مضت. هناك تداعيات عميقة ومخيفة للابتكار عندما يهدم ويعيد بناء طرق التفكير.

تطلب مؤلفة كتاب اللجوء لبعضنا البعض: محادثات بسيطة لإعادة الأمل إلى المستقبل” (Turning to One Another: Simple Conversations to Restore Hope to the Future) مارغريت ويتلي، أن نفكر في اختبار استعدادنا للمخاطرة من خلال اكتشاف أن معتقداتنا الشخصية بُنيت على وهم. وتقترح:

عبر تعاوننا لاستعادة الأمل في المستقبل، نحتاج إلى حليف جديد وغريب هو استعدادنا للانزعاج. استعدادنا لتحدي معتقدات وأفكار الآخرين من خلال معتقداتنا وأفكارنا. يعجز أي فرد أو منظور بمفرده عن تقديم الإجابات التي تساعدنا على حل مشكلات عصرنا الحالي. والمفارقة تكمن في عجزنا عن إيجاد هذه الإجابات إلا من خلال الاعتراف بأننا لا نعرف. يجب أن نكون مستعدين للتخلي عن يقيننا والوقوع في حيرة لفترة محددة.

فنحن نعيش في أيام محيرة، الأيام التي لم يعد فيها الابتكار عميقاً. وفي زمن نجهل فيه الكثير، أوجد رفضنا للجهل نوعاً من الابتكار قد لا ندركه.

وفي مكان ما في هذا الطريق، جعلنا الرغبة في أي شيء جديد تحل محل دهشة الأفكار الثورية. لأن اقتصاد الإنتاج يفضل الأشياء الجميلة البراقة. وهو ما يفسر لماذا أصبح ذلك المصطلح الرنان “الابتكار”، وهو المصطلح الأكثر استخداماً، والسيئ الفهم، والأجوف المعنى في السنوات الأخيرة، مرادفاً لمفهوم أي صفقة تجارية جديدة.

إذا نظرنا إلى التاريخ، فثمة بعض الإشارات المهمة التي تفسر سبب تطور مصطلح “الابتكار” بهذه الصورة. لقد بحث المؤرخ الكندي بينوا غودين في الأصول التأسيسية “للابتكار” كمفهوم عملي ونظري وقانوني وتجاري. يقدم أحد أهم كتبه، “التنافس على الابتكار: فكرة الابتكار عبر القرون” (Innovation Contested: The Idea of Innovation over the Centuries) دراسة تاريخية جادة:

في القرنين السادس عشر والسابع عشر، كان الابتكار العقائدي لعنة في أوروبا بسبب المناخ الديني المتصلب السائد آنذاك. رأى البعض أن هذا النوع من التجديد ضرب من البيوريتانية الإنجليزية أو حتى أسوأ من البابوية. ففي حالة متطرفة في عام 1636، بدأ هنري بيرتون، المسؤول الإنجليزي البيوريتاني والملكي السابق، في نشر كتيبات تحرض على مسؤولي الكنيسة بوصفهم مبدعين، متخذاً سفر الأمثال 24:21 كسلاح: “يَا ابْنِي، اخْشَ الرَّبَّ وَالْمَلِكَ. لاَ تُخَالِطِ الْمُتَقَلِّبِينَ” وبدوره، اتُهم المحرض البيوريتاني بأنه “المبتكر” الحقيقي وحُكم عليه بالسجن المؤبد، والأسوأ من ذلك كان الحكم متضمناً قطع أذنيه.

إن استشهاد هنري بيرتون بسفر الأمثال 24:21 له مغزى خاص. حيث تمت إعادة تفسير العبارة الأخيرة، “لاَ تُخَالِطِ الْمُتَقَلِّبِين” بمعنى “لا ترتبط بالمتمردين” أو “لا تتورط مع الثوار”، ما يوحي بأن المبتكرين مهرطقون. وذلك لأن المبتكرين دمروا المعتقدات التي لم يشكك بها أحد لقرون طويلة.

فالخوف من التجديد حالة غريزية. فعندما نخطو خطواتنا الأولى كأطفال، تدفعنا الغريزة إلى الخوف من التقدم، كما لو أن الأرض ستتهاوى من تحتنا. ويوّلد التجديد والشك فينا كبالغين إحساساً مشابهاً كما لو كنا نقف على شفا حفرة. وهنا تتجاذبنا مشاعر الشك واليقين، يحيطنا اليقين بالأمان. أما الشك فيدخلنا في دوامة من التقلب. وبما أن الشك جزء من طبيعتنا البشرية، فقد يخطر لنا بأننا سنصل لحال أفضل إن استكشفنا الجديد.

الدهشة تساعد على الاستشكاف

وستساعدنا الدهشة على الاستكشاف. فهي مزيج من التقبل والفضول اللازمين لاقتحام المجهول. كتبت مؤلفة كتاب “علم الدهشة” (The Science of Awe) سمر ألين في كتابها:

توصلت الدراسات إلى أن الدهشة تقلل من مفهوم الذات لدينا وتعطينا الإحساس بأنه ما زال هناك متسع من الوقت للبحث أكثر، وتزيد من مشاعر الارتباط بهذا العالم، وتنمي قدرتنا على التفكير النقدي والشك، وتحسن مزاجنا وتجعلنا نفكر بشكل أعمق. وتشير الأبحاث إلى أن الدهشة تقلل من مفهوم الذات لدينا، وتبعد تركيزنا عنها. وبالتالي، التأثير النفسي المرتبط بالدهشة والأكثر دراسة هو ما يسمى “الذات الصغيرة” أي شعور المرء بأنه صغير بالنسبة للعالم من حوله.

يبدو أن الحياة المليئة بالدهشة مليئة بالصحة. وعندما نبحث عن تجارب تثير الدهشة فينا فإننا نملأ حياتنا بالروعة. فليس من المستغرب أن يوسم المبتكرون الحقيقيون بالحالمين الطائشين الغارقين في الخيال. الدهشة والروعة تعبق في مختبرات الابتكار وتلف الشركات الناشئة واستوديوهات التصميم وغيرها من الأماكن التي يولد فيها العمل الإبداعي. فمثل هذه الأماكن وُجدت لتنمية الأفكار. لأن الأفكار العظيمة والجريئة لا تنمو في جداول المحاسبين. وكما وصفت مجلة فاست كومباني (Fast Company): “في حال امتلك ويلي وينكا – وهو صانع الشوكولاتة في فيلم “ويلي وينكا ومصنع الشوكولاتة” – رقائق إلكترونية دقيقة، لتَحول مصنعه إلى مختبر إم آي تي ميديا لاب المعروف بإبداعه بعضاً من أفضل روائع عصرنا من أجهزة الكمبيوتر”.

تتطلب تلك الأفكار العظيمة والجريئة الصبر والخيال لأنها تولد من تمازج نادر للدهشة مع الفرص الاستثنائية. وتطمح المؤسسات إلى تسخير هذه القوة داخل مراكز الابتكار، لكتابة حكاية المسيرة الأميركية. تذكر مختبرات بيل التي ولدت من رحم أيه تي آند تي في عام 1925، وزيروكس بارك التي تأسست عام 1970، ومختبر إم آي تي ميديا لاب الذي أسسه نيكولاس نيجروبونتي في عام 1985، وواي كومبينيتور التي تأسست عام 2005، وأطلقت أكثر من 2,000 شركة مجموع قيمتها أكثر من 300 مليار دولار.

ويؤرخ هذه الحكاية كتاب من تأليف جون غيرتنر بعنوان “مصنع الأفكار: مختبرات بيل والعصر العظيم للابتكار الأميركي” (The Idea Factory: Bell Labs and the Great Age of American Innovation) وفي قراءة في هذا الكتاب نشرتها صحيفة نيويورك تايمز، كتب والتر إيزاكسون:

يستكشف كتاب “مصنع الأفكار” إحدى أهم القضايا في عصرنا: ما مصدر الابتكار؟ ما سر وجوده وكيف ننميه؟ الدرس المستفاد من مختبرات بيل هو أن غالبية النجاحات التي حققها الابتكار المستدام لا يمكن أن تحدث في مرآب خارق أو ورشة عمل مخترع بارع. بل تحدث عندما نجمع ذوي المواهب الفذة والعقليات الفريدة والخبرات المتنوعة، والأفضل في مكان واحد حيث يمكنهم عقد اجتماعات منتظمة ولقاءات متكررة.

واليوم بعد ما يقرب من قرن من تأسيس مختبرات بيل، تغير كل شيء ولم يتغير شيء. حيث يمكننا العيش والتعلم والعمل في أي مكان بفضل تقنيات التفاعل الافتراضي. لقد اعتدنا على التباعد الاجتماعي بشكل مقلق. لكن ما استخلصه والتر إيزاكسون من كتاب مصنع الأفكار” هو أن الأماكن التي يجتمع فيها الموهوبون لهدف واحد يمكن أن تشكل مسارح للدهشة. فحاضنات الأفكار هذه ما هي إلا ظواهر اجتماعية.

فلم يعد مقبولاً اعتبار تلك الأدوات الجديدة والبراقة وغير الضرورية ابتكاراً. ولا نستطيع تحمل فكرة أن أعظم عقول هذا الجيل مكرسة فقط لابتكار طرق تقنع الناس بالضغط على زر “الإعجاب”. نحن بحاجة إلى إعادة ضبط وتعريف الابتكار وتبني الدهشة التي تلهمنا لقلب أنماطنا الفكرية رأساً على عقب في سبيل إيجاد حلول لمشكلات العالم الكبيرة.

سأبذل قصارى جهدي في سبيل ذلك، ماذا عنك؟

يمكنكم الاطلاع على النسخة الإنجليزية من المقال من خلال الرابط، علماً أنّ المقال المنشور باللغتين محمي بحقوق الملكية الدولية. إنّ نسخ نص المقال دون إذن سابق يُعرض صاحبه للملاحقة القانونية دولياً.