وسائل التواصل الحديثة: ما مدى أهمية الاعتماد عليها؟

كانت وسائل التواصل المُستخدَمة خلال معظم القرن العشرين؛ الهواتف الأرضية وخدمة البريد الأميركية٬ وقد فضّلت معظم المؤسَّسات أن تبقى بتواضع خلف الكواليس٬ وتدَع الجهات المستفيدة من أعمالها تتحدَّث بالنيابة عنها، بينما غامرت المؤسَّسات غير الربحية بالظهور بهدف الدعوة لجمع التبرعات فقط. لكن ماذا عن وسائل التواصل الحديثة؟ ما مدى أهميتها؟

أمضى العديد من قادة المؤسَّسات اليوم٬ بداية حياتهم المهنية في هذا الإطار؛ حيث كان يُعتبَر التواصُل ملحقاً للعمل الفعلي؛ ففي نهاية الأمر؛ عندما يستطيع مقال رأي في إحدى الصحف أن يصل إلى كل من يستفيد من قوة التأثير، ويكون أحد المسؤولين في المدينة في مجلس إدارتك، ما هو مقدار قوة التواصُل الخارجية التي ستحتاجها حقًا؟

من الواضح أن الإنترنت غيّر كل ذلك؛ حيث جزّأ نظام المعلومات، وزعزع عالم الأعمال والسياسة والثقافة؛ فقد أفسحت بعض وسائل الإعلام الموثوقة المجال للآلاف من الطرائق الجديدة والمبهَمة من ناحية المصداقية٬ للتواصُل والتأثير وجمع التبرعات عبر منصَّات مثل «تويتر» و«لينكد إن» وموقع «تشينج دوت أورغ» (change.org) و«كيك ستارتر» (Kickstarter).

وفّرت هذه الفوضى فرصاً للمؤسَّسات والأفراد الذين كانوا على استعداد لاستخدام التواصُل بطريقة ريادية؛ فمثلاً، سرعان ما أدركت مؤسَّسة « روبرت وود جونسون فاونديشن» (Robert Wood Johnson Foundation)، إمكانات شبكة الانترنت في تثقيف أصحاب القرار٬ وتقديم المعلومات المتعلقة بالصحة إلى العامة مباشرةً٬ كما قامت شبكة «مؤسَّسات المجتمع المفتوح» (Open Society Foundations) بتكليف مصوِّرين محترفِين؛ لإغناء حساب «إنستغرام» الخاص بها بالصور التي تمنَح المتابِعين رؤيةً للقضايا التي يهتمون بها.

ليس التواصُل اليوم مجرّد فرصة للمؤسَّسات غير الربحية؛ بل هو ضرورة؛ فإن الطريقة التي نوصِل بها الرسالة المناسبة إلى الشخص المناسب، تغيرت بشكل جذريّ؛ سواءً أكنّا نقوم بذلك لجمع التبرُّعات، أو لمحاولة التأثير على السياسة المتَّبعة؛ حيث يمكن أن يستغرق الأمر الآن وقتاً أكبر بكثير لمعرفة من هم الأشخاص المناسبون، وما هي السُبُل التي يمكن التواصُل معهم أو التأثير عليهم من خلالها، وكيف نستمِع إليهم؛ فإن الحصول على منحة لافتتاح مساحة فنية جديدة أمر٬ وإقناع مجلس البلدية أن المجتمَع هو من يرغب بذلك أمر آخر، والأصعب من كلا الأمرين بناء مجتمَع يدعم ذلك.

يعني التواصُل- في أكثر حالاته تأثيراً- صياغة قصص تساعد وسائل الإعلام والعامَّة على فهم المعلومات المختلفة التي تتدفَّق عليهم من مصادِر متعدّدة، وإحدى القصص التي برزت؛ هي أن بناء مستقبَل الأخبار والمعلومات أمر رائع؛ حيث سعَت مؤسَّسة «نايت» (Knight) إلى إقناع المبرمِجين والمُصنِّعين٬ بأن مساعَدة المؤسَّسات الإعلاميّة التقليدية؛ والتي كانت متأخرةً في تبنّي المستقبَل الرقميّ، تستحق وقتهم؛ فأصبحت الجهات المستَفيدة؛ مثل مؤسَّستَي «موزيلّا فاونديشن» (Mozilla Foundation) و«برو بابليكا» (ProPublica)، شركاء لنا؛ حيث أنشأت مؤسّسة «نايت» مع مؤسَّسة «موزيلّا»، برنامج زمالة يدمِج خبراء التكنولوجيا؛ الذين يعملون غالباً على إيجاد أكثر الأفكار تطوّراً، في غرف الأخبار؛ للمساعَدة في بناء مستقبَل الأخبار خطوةً تلو الأخرى٬ وساعدت «برو بابليكا»؛ وهي مؤسَّسة إخبارية غير ربحية تطوِّر مشاريع استقصائية، في التوضيح لوسائل الإعلام التقليدية أن التطبيقات المستنِدة على البيانات يمكن أن تضيف عمقاً إلى رواية القصص، وتنال جوائزَ صحفيةً كبرى نتيجةً لذلك، كما أصبحت مؤسَّسة «نايت» من الحضور الدائمِين في «المهرجان التفاعليّ الإعلاميّ إس إكس إس دبليو» (SXSW Interactive)؛ لتلتقي بالمبرمِجين والمُصنِّعين في قلب الحدث للحصول على الأفكار المبتكَرة٬ وأخيراً؛ بيّن لهم مقطع فيديو يتضمّن «كلباً من فصيلة شيواوا»٬ أن مؤسَّسة «نايت» بحدّ ذاتها كانت مستعدّةً لتَحيد عن الوسائل التقليدية للتواصُل بأساليب تجريبية.

قادت مؤسَّسة «نايت» أيضاً جهوداً لمساعدة المؤسَّسات المجتمعية على تبنّي الوجود الرقميّ من خلال «أيام العطاء» عبر الإنترنت٬ وعلى الرغم أن ذلك مثّل انحرافاً عن نموذج أعمالها الأساسي؛ المتمثِّل في العمل مع الأفراد الأثرياء؛ فقد أنشأنا دليلاً تفاعلياً بعنوان «دليل يوم العطاء» (Giving Day Playbook)؛ والذي ساعد – مقترِناً مع التوعية-  المؤسَّسات على درّ الملايين للمؤسّسات المجتمعية غير الربحية٬ بالإضافة إلى جعلها على صلة بالجيل الجديد في مجتمعاتها.

إن التحدي الحالي الذي نواجهه هو إيصال رسالة؛ مفادها أن جذب المواهب وتوسيع الفرص وتحفيز المشارَكة هي أفضل الوسائل لإنجاح المدن؛ فقد كان تطوير «تحدّي نايت للمدن» (Knight Cities Challenge) خطوةً كبيرةً، ودعوةً مفتوحةً لطرح الأفكار لجعل المدن أفضل؛ مدعوماً بالتوعية الصحفية وتدوينات على مدوَّنتنا الخاصة، ومقاطع الفيديو والمدوّنات الصوتية ووسائل التواصل الاجتماعي؛ مثل الإعلان على «فيسبوك» و«باندورا» (Pandora)، وإعلانات الصحف المجتمعية، وذكره في شعار الرعاية المصاحِب لبرامج مؤسَّسة «إن بي آر»(NPR).

تستند وسائل تواصُلنا على ركيزتَي التوعية والمحتوى، وإن عملنا على دعم الجهات المستفيدة هو دلالة على ذلك؛ حيث نساعدهم على نشر إعلانات التمويل عبر الصحافة- وهي الطريقة التقليدية -،  ونشجعهم على كتابة التدوينات؛ والتي نشارِكها لاحقاً على وسائل التواصل الحديثة مثل وسائل التواصل الاجتماعي؛ فبالنسبة للعديد من الشركات الناشِئة بين المستفيدِين من المنح لدينا؛ تضمن لهم المنشورات ودعم وسائل التواصل الاجتماعي وصفحة المنحة الخاصة بهم تواجداً فورياً ومتواصلاً عبر الإنترنت.

لم يعد التواصُل- بالنسبة لمعظم المؤسَّسات  الربحية وغير الربحية-  ملحقاً للعمل الفعلي؛ بل أصبح عنصراً لا غنى عنه؛ ففي عصر المعلومات، يعدّ التواصُل عاملاً هاماً في كيفية حدوث التغيير الاجتماعي؛ فمثلاً، غيّر «مركز التقدم الأميركي» (The Center for American Progress)، الجدل الدائر حول الانسحاب من العراق؛ من خلال نشر خطة مرحلية معتدِلة في عام 2005.

قام أحد المستفيدين من منحنا؛ وهو شبكة «سيتزن شيب ووركس» (CitizenshipWorks)، بإعادة تصميم تطبيق الموبايل الخاص بهم؛ والذي يهدف إلى تبسيط إجراءات منح الجنسيّة للمقيمين الشرعيين الدائمين؛ حيث لن يتطلّب الإصدار الجديد إرشادات من أي محامٍ؛ ولكنه سيتطلّب منا تنفيذ اتصالات متعددة المستويات للوصول إلى القاعدة الجماهيرية الواسعة التي يستهدفها التطبيق، وكما تدمج المؤسَّسات بشكل متزايد المقاييس في المرحلة الأولية للمِنح؛ ينبغي أن تدمج وسائل التواصل الحديثة ليكون الجوهر والرسالة كياناً واحداً؛ فهذه هي الوصفة الفعّالة للتغيير الاجتماعي.

 يمكنكم الاطلاع على النسخة الإنجليزية من المقال من خلال الرابط،علماً أنّ المقال المنشور باللغتين محمي بحقوق الملكية الدولية. إنّ نسخ نص المقال بدون إذن مسبق يُعرض صاحبه للملاحقة القانونية دولياً.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى