ماذا نقصد بالأثر الجماعي عالي الجودة؟

يمُرّ مفهوم الأثر الجماعي في نقطة تحوُّل استراتيجية؛ فبعد ثلاث سنين من الصخب الهائل حوله، يتساءل المستثمِرون عمّا يعنيه هذا المفهوم حقاً،؛وذلك عندما يتلقَون مقترحات تستبدل ببساطة مصطلح «التعاون» بمصطلح «الأثر الجماعي»، كما يشعر الباحثون بالحيرة إزاء ما يسمى بالطرق الجديدة لمزاوَلة الأعمال، و؛لتي تبدو مشابِهةً على نحو غريب لما درسوه مسبقاً، والأكثر أهميةًهو أن القادة والممارِسين في المجتمعات مرتبكون حيالَ ما الذي يعنيه حقاً وضْع الأثر الجماعي قيد التنفيذ.

بصفتنا المدير الإداري المؤسِس لمؤسَّسة «سترايف توغاذر» (StriveTogether)؛ (جيف إيدمندسون)، والمموِّل المحلي لها؛ (بن هيكت)، لا نزال متفائلين إزاء مفهوم «الأثر الجماعي»؛ فبالنسبة لنا هو الطريق الوحيد للمضي قدماً في معالجة المشاكل الاجتماعية المعقَّدة، ولا وجود لخطة بديلة، ومع ذلك؛ لإدراك النتيجة المرجوّة منه، علينا أن نحدد ما الذي يعنيه «الأثر الجماعي عالي الجودة» حقاً بشكل عملي، ولهذا السبب؛ أمضَينا آخر 18 شهرٍ  نعمل بجد على إيجاد تعريف متناسق له في سبيل تعزيز دقة هذه الجهود، ولكي يُستخدَم هذا المصطلح بالشكل الأمثل. نحن نثق أننا عندما نتفق حول خصائصه الأساسية، يمكننا الحدّ من الظاهرة السائدة المؤسِفة؛ وذلك بإطلاق البرامج والمبادرات بشكل عشوائي، ثم تمنّي الحصول على نتائج جيدة، فبدلاً عن ذلك،؛مكننا بلورة معنى الأثر الجماعي ومعالجة المشاكل التي تبدو مستعصية.

لنبدأ بذكر بعض المعلومات الأساسية عن المؤسسة؛ إذ تُعدّ «سترايف توغاذر» (Strive Together) امتداداً لمؤسسة «سترايف بارتنرشيب» (Strive Partnership) في مدينة سينسيناتي- أوهايو، ومقرها في مبنى مؤسسة «نوليدج ووركز» (Knowledge Works )، وتم ذكرها في أول مقال من سلسلة مقالات الأثر الجماعي التي نُشرَت في إصدار شتاء عام 2011 في «مجلة ستانفورد للابتكار الاجتماعي» (Stanford Social Innovation Review). جمعت مؤسَّسة  «سترايف توغاذر» (Strive Together) ما يزيد عن 45 مؤسسة من أكثر المجتمعات التزاماً من جميع أنحاء الدولة، لتشكيل شبكة «سترايف توغاذر كريدل تو كارير نيتوورك» (StriveTogether Cradle to Career Network)؛ وهي لا تهدف إلى المباشرة ببرامج جديدة؛ حيث يوجد العديد منها، بل تركز الشبكة على توضيح كيف يمكن للشركاء من جميع القطاعات تقديم أفضل ما لديهم، لتحديد والاعتماد على البرامج التي تعمل بالفعل، والابتكار عند الضرورة، لدعم الاحتياجات الفريدة لكل طفل.

لحسن الحظ؛ كان أعضاء الشبكة على استعداد للاستفادة من تجاربهم، ليس من خلال مشاركة تجاربهم الناجحة فحسب، بل من خلال مشاركة التحديات أيضاً، مستفيدين من الدروس التي تعلموها للتقدُّم في هذا المجال؛ حيث ساهمت تجاربهم خلال السنوات الثلاث الماضية، في إنشاء أداة هامة تدعى «نظرية سترايف توغاذر في العمل» (TOA) (the StriveTogether Theory of Action)؛ والتي توفِّر دليلاً للمجتمعات لبناء بنية تحتية مدنية جديدة؛ حيث تُسلِّط الأداة الضوء على التطور الطبيعي للمجتمع، وتقدِّم المعايير الأساسية للجودة؛ التي تُميِّز بمجملها هذا العمل عن التعاون التقليدي. تستخدم هذه الأداة ما نسميه «البوابات»؛ أو مراحل التطوير، لرسم المسار منذ المراحل الأوّلية «الاستقصاء»، مروراً بالمراحل المتوسطة واللاحقة «الناشئة» و«المستديمة»، وأخيراً إلى مرحلة «تغيير الأنظمة»؛ حيث تلحظ فيها المجتمعات تحسناً في النتائج التعليمية. نُعرِّف تغيير الأنظمة بأنه تحوّل على صعيد المجتمعات، يقوم من خلاله مختلف الشركاء باستخدام البيانات بشكل استباقي لتحسين قدرتهم على صنع القرار، وتقييم تأثير قراراتهم باستمرار على كلّ من مؤسساتهم، ونظام علاقاتهم على النطاق الأوسع؛ الذي يعمل على تحسين حياة الأطفال. إن النتيجة النهائية التي نشهدها خارج مدينة سينسيناتي، من شراكات مثل «مشروع خارطة الطريق في سياتل» (The Roadmap Project in Seattle)، هي نماذج للمجتمعات التي نجد فيها تحسناً مستداماً في مجموعة محدَّدة من النتائج الملموسة، ؛لتي تعتبر بالغة الأهمية لنجاح الأطفال وازدهار المجتمعات.

إن أداة (TOA) ليست مثالية؛ فمثلاً نحن ندرك أن هذا العمل لا يسير بخط مستقيم، ومع ذلك؛ يجسِّد إطار العمل هذا الركائز الأساسية الجوهرية اللازمة لتحقيق الأثر الجماعي، ومع ازدياد المجتمعات التي تتبنى هذه الأداة، ستساعدنا في تحديد أهم جوانب عملنا.

المبادئ الأربعة

يوجد أربعة مبادئ يرتكز عملنا عليها وفق «نظرية العمل»، وتؤدي إلى الاستدامة على المدى الطويل:

تعزيز ثقافة التحسين المستمر: يمكن أن تكون البيانات مثيرةً للغضب في أي مجال؛؛ وخاصةً في مجال التعليم؛ حيث تُعتبَر الأرقام غالباً كعِبءٍ بدلاً من استغلالها لإنارة الطريق. لتجاوز هذه الحالة، يقوم قادة المجتمع من مدينة ألباني في نيويورك، إلى مدينة أنكوريج في ألاسكا، ببناء ثقافة تسخّر البيانات لتحقيق التحسين المستمر؛ تكمن في صميم هذه العملية «العناصر الثلاثة التي تبدأ بحرف (ت)»: التحديد والتفسير والتحسين؛ يعمل قادة المجتمع مع الخبراء على تحديد البيانات البرمجية أو الخدمية، لجمعها في الوقت المناسب من مجموعة متنوعة من الشركاء، وليس فقط من المؤسسات الفردية، ثم يقومون بتفسير هذه البيانات وإنشاء تقارير سهلة الفهم، وأخيراً؛ يقومون بتحسين جهودهم على أرض الواقع من خلال تدريب الممارِسين على تكييف عملهم وفقاً للمعلومات الجديدة. تُعتبَر شراكة «دالاس كوميت» (Dallas’s Commit) مثالأ جيداً؛ حيث حدد القادة هناك، المدارس التي حققت تحسناً ملحوظاً في الإلمام بالقراءة والكتابة للصف الثالث؛ بالرغم من الاحتمالات الضعيفة، ثم عمل الطاقم الأساسي مع الممارِسين على تحديد أكثر المدارس الواعِدة، وتفسير البيانات لتحديد الممارَسات التي أدت إلى تلك التحسينات، وحالياً؛ يعمل قادة المقاطعات على نشر هذه الممارَسات في جميع أنحاء المنطقة، مستخدِمين البيانات كأداة للتحسين المستمر.

إزالة الاختلافات: تُدرِك المجتمعات على مستوى البلاد أن البيانات المجمّعة يمكن أن تحجب الاختلافات الحقيقية، أمّا تصنيف البيانات لفهم الخدمات التي تلبي احتياجات جميع الطلاب بشكل أفضل، يُمكِّن المجتمعات من اتخاذ قرارات مدروسة. بالنسبة لشراكة «أول هاندز ريزد» (All Hands Raised) في مدينة بورتلاند-أوريغون؛ فإن إزالة الفجوة في الفرص المتاحة هي الأولوية القصوى؛ حيث أنها تصنِّف البيانات لإبراز الاختلافات للجميع، والتشارِك مع القادة أصحاب البشرة الملونة في قيادة المناقشات الهامة والضرورية لمعالجة أوجه الإجحاف التاريخي؛ حيث عملت الشراكة على إشراك قادة المنطقة لتغيير السياسات ونشر الممارسات الفعالة، وعلى مدى السنوات الثلاث الماضية، تم تقليص فجوة تخرُّج الطلاب أصحاب البشرة الملونة من 14.3% إلى 9.5%، كما أنها اختفت تماماً في عدة مدارس ثانوية كبرى.

الاستفادة من الأصول الموجودة: يشكّل «المرض» الشائع؛ المتمثل في «حب البدء بمشاريع جديدة»، قوة جذب شديدة في القطاع الاجتماعي، خالقاً رغبةً قويةً لاستحضار برنامج جديد بدلاً من فهم النظام الحالي وتحسينه. في كل مستوىً من مستويات العمل وفق الأثر الجماعي، يتعيّن على الممارِسين تكريس الوقت والموهبة والمال لوضع استراتيجيات أكثر فعاليةً، وتعَد الاستفادة من الأصول الحالية، بل التركيز بطريقة جديدة عليها، ضروريةً لإثبات أن العمل ضمن نطاق الأثر الجماعي يمثِّل فعلاً طريقةً جديدةً لممارسة الأعمال، وأنه ليس مجرد عذر لإضافة نفقات عامة جديدة، أو إنشاء برامج جديدة؛ فمثلاً في مدينتي ميلووكي في ويسكونسن وتوليدو في أوهايو، تقوم الشركات الخاصة بإعارة موظفيها ذوي الخبرة في هذا المجال للمساعدة في تحليل البيانات، حتى تتمكن المجتمعات من تحديد الممارسات الحالية التي تحدث تأثيراً.

إشراك الخبراء المحليين والرأي المجتمعي: يوفِّر تحليل البيانات الفعّال أداةً قويةً لاتخاذ القرار، لكنه لا يمثِّل إلا وجهة نظر واحدة؛ لذا تضيف الخبرات المحلية والرأي المجتمعي ميّزة في هذا السياق؛ إذ أنها تساعد الممارِسين على فهم البيانات بشكل أفضل، ويتحقق النجاح عندما نُدخل شركاء يمثِّلون شريحةً واسعةً من المجتمع، ليس لتشكيل رؤية شاملة فقط، بل كذلك لمساعدة الممارِسين على استخدام البيانات لتغيير  الطرائق التي يخدمون فيها الأطفال.

تقوم شراكة «سيتي هايتس بارتنرشيب فور تشيلدرين»  (City Heights for Children) في مدينة سان دييغو، بإشراك الآباء بشكل فعَّال في دعم أقرانهم؛ حيث ساهم الآباء في تصميم مجموعة أدوات لمحو الأمية المبكر، استناداً على الأبحاث المحلية، واستخدموها لمساعدة العائلات الأخرى في إعداد أطفالهم لدخول الروضة، وبازدياد عدد العائلات المشارِكة، هم يدعون بشكل فعّال إلى جعل محو الأمية المبكِّر أولويةً في المدارس المحلية.

النتائج المرجوَّة من الأثر الجماعي عالي الجودة

يمكن أن تمثل جهود الأثر الجماعي قفزةً هامةً في رحلة مواجهة التحديات الاجتماعية المتفشية، لكن لضمان أن يؤدي هذا المفهوم إلى تحسينات حقيقية في حياة من نخدمهم، لا بد لنا من توخي الدقة في الأسلوب المتبَّع بالاستفادة من الدروس المستخلَصة من مجموعة متنوعة من المجتمعات، وتحديد ما يجعل العمل بهذه الطريقة مختلفاً بشكل ملموس. تُمثِّل «نظرية سترايف توغاذر في العمل» خطوةً في ذلك الاتجاه؛ وذلك بناءً على الزخْم الذي ولَّده هذا المفهوم خلال السنوات الثلاث الماضية. 

وقد عبّر جيم شيلتون ؛ نائب وزير التعليم الأميركي، عن ذلك بقوله: «للحفاظ على استمرار هذا التوجه نحو الأثر الجماعي، نحتاج إلى براهين»؛ والتي تنتج عن رفع معايير ما نعنيه بجودة الأثر الجماعي، وتحدّي أنفسنا للارتقاء إلى تلك المعايير. بقيامنا بذلك؛ لن نثبت قوة هذا المفهوم فحسب، بل يمكننا تغيير حياة الأطفال والأسَر بطرائق لم نتخيلها أبداً.

 يمكنكم الاطلاع على النسخة الإنجليزية من المقال من خلال الرابط،علماً أنّ المقال المنشور باللغتين محمي بحقوق الملكية الدولية. إنّ نسخ نص المقال بدون إذن مسبق يُعرض صاحبه للملاحقة القانونية دولياً.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى