سرد القصص المؤثرة لجذب اهتمام الناس للقضايا الاجتماعية

استعرضنا في مقالاتنا السابقة من سلسلة العلم يجيب: كيفية جذب اهتمام الجمهور للقضايا الاجتماعية، المبادئ الأربعة التي يقدمها العلم لنا لتحسين استراتيجياتنا في التواصل، وفي جذب انتباه الجماهير للقضايا الاجتماعية لإحداث التغيير.
في مقالتنا هذه سنستعرض المبدأ الخامس والأخير، والمتمحور حول سرد القصص.

المبدأ الخامس: احرص على سرد قصص أفضل

يُعدّ سرد القصص أفضل أداة لدينا لدفع الناس نحو إيلاء الاهتمام بالقضايا، إذ يزداد احتمال أن يتذكر الناس المعلومات التي يتلقونها في شكل سردي. تتسم القصص بقدرتها الفريدة على نقل الأفكار الجديدة، وبالتالي الحد من الانخراط في جدل مضاد، وضمان تبنّي وجهات النظر، واستثارة التعاطف، وجذب انتباه الجمهور والحفاظ على استمراريته.

ينتج عن إبقاء بعض التفاصيل المحددة خارج قصتك إلى خلق مجال لقُرّائك لإسقاط تجاربهم الخاصة.

يشير غريغوري بيرنز؛ وهو عالم الأعصاب بـ«جامعة إيموري» (Emory University)، وزملاؤه، إلى أنّ قراءة الروايات تخلق روابط جديدة في الدماغ؛ مما يجعلنا نفكر فيها لفترة طويلة بعد الانتهاء منها. عندما نقرأ قصة رائعة، نخرج منها أشخاصاً جدد، وغالباً ما نتذكر الأحداث والتجارب في القصة كما لو كانت تخصنا.

رغم أن القطاع الاجتماعي قد تبنى أهمية سرد القصص، لا يشارك العديد من الأشخاص في ذلك على أرض الواقع، بل يستعينون بالمقالات القصيرة أو الرسائل. تنطوي القصص على شخصيات، ومقدمة وأحداث ونهاية، بالإضافة إلى الحبكة والصراع والقرار، فإذا لم تُضمّن هذه العناصر، فأنت لا تسرد قصة.

درس الباحثون وعلماء البيانات آلاف القصص لفهم المواضيع الرئيسية العالمية، وعندما نروي قصصاً لحثّ الناس على إيلاء الاهتمام بقضيتنا، ينبغي أن نستكشف هياكل الحبكة التي نرغب في استخدامها. يحدد الصحفي كريستوفر بوكر في كتابه «الحبكات السبع الأساسية: لماذا نسرد القصص» (The Seven Basic Plots: Why We Tell Stories) الصادر عام 2004، بعض الهياكل الأساسية للحبكة، مثل «التغلب على الشخصية الشريرة» و«الانتقال من الفقر إلى الغنى والعكس» و«السعي» و«قصة الرحلة والعودة».

عندما يسمع الناس قصة، فإنهم يبحثون عن إشارات حول كيفية تطوّر القصة ومن هو البطل، وتساعد هياكل الحبكة المألوفة، مثل «الانتقال من الفقر إلى الغنى»؛ كقصة سندريلا، على توجيه توقعات الجمهور حول الأحداث التي ستتكشف والطرف الذي يجب أن يدعموه. هذا مهم على نحو خاص للتواصل مع الجمهور الذي قد لا يكون على دراية بالمسألة التي تطرحها، ولكن بالنسبة إلى الجمهور؛ الذي هو على دراية كبيرة بالمسألة، فقد يكون التلاعب بهياكل الحبكة التي تحطم التوقعات وتفاجئهم أكثر أهمية لجذب انتباه الجمهور وتجنب شعورهم بالملل من سماع القصة نفسها مرات عديدة.

لا يضمن مجرد استخدام هذه الحبكات المختلفة تفاعل الناس مع القصة التي تريد سردها، والمؤسسات التي تبنت استراتيجية دمج القصص في عملها كثيراً ما تعيد استخدام هياكل الحبكة ذاتها، إلى جانب نوع المشاعر المُستدعاة، وأنماط الشخصيات، نتيجة لذلك، تروي العديد من المؤسسات قصصاً ليست مثيرة للاهتمام. اجذب انتباه الجمهور  في مجتمعك، واجعله ينخرط في قضيتك من خلال الأحداث غير المتوقعة وهياكل الحبكة الأقل شيوعاً والشخصيات الاستثنائية.

يدرس كيث باوند؛ وهو باحث في مجال الإعلام بـ«جامعة نوتنغهام»، أفلام الرعب، ويتشاور مع صنّاع السينما لجعل أفلام الرعب أكثر رعباً، ويقول: «يريد الناس قصصاً تُروى عند حدود التوقعات»، بعبارة أخرى، نحن نستمتع بالشعور بالراحة المرافق لمعرفة إلى أين تتجه القصة، لكن عنصر المفاجأة يشدّ انتباه الجمهور والناس عادةً، وبالمثل، وجد علماء الكمبيوتر في «معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا» أن القصص الإخبارية الكاذبة يمكن أن تنتقل أسرع من القصص الحقيقية، لأنها تتحدى التوقعات، وأشاروا إلى أنه من المحتمل أن نُشارك القصص عندما تنطوي على عنصر المفاجأة أو تثير الاشمئزاز.

على الرغم مما تعلمناه من حصص الكتابة بالمدرسة الثانوية، فإن أقوى القصص ليست بالضرورة الأكثر غنى بالتفاصيل. إنّ القصص الرائعة تترك مساحة للجمهور بطريقتين:

الأولى هي السماح للناس بربط الأحداث معاً بأنفسهم. يقول أندرو ستانتون؛ وهو مخرج وكاتب سيناريو في «استديوهات بيكسار» (Pixar)، في حديثه بعنوان «أفكار لسرد قصة عظيمة» (The Clues to a Great Story) على منصة «تيد» عام 2012: «يريد الجمهور فعلاً العمل من أجل متعته الخاصة، لكنه لا يريد أن يعلم أنه يفعل ذلك، وهذه هي وظيفتك كراوي؛ أي إخفاء حقيقة أنك تجعله يعمل من أجل متعته. لقد ولدنا بمهارة حل المشكلات، ونحن مضطرون للاستخلاص والاجتزاء، لأن هذا ما نفعله على أرض الواقع. هذا الإخفاء المتقن للمعلومات هو ما يجذبنا إلى القصة». تدعم الأدبيات الأكاديمية ملاحظة ستانتون، فقد وجدت دراسة؛ قدمت للقراء فرصة لتجربة ثلاث قصص مختلفة، أن القصة التي أجبرَتهم على ربط الأحداث معاً بأنفسهم كانت تعتبر الأكثر إثارة للاهتمام.

إنّ ترك بعض التفاصيل المحددة خارج قصتك يخلق مساحة لقُرّائك لإسقاط تجاربهم الخاصة وما هو معروف ومألوف لهم، لأننا نستمتع بملء التفاصيل المفقودة بما هو مألوف لنا. عندما انجرفت جثة أيلان كردي الصغير إلى الشاطئ في جزيرة كوس اليونانية في 2 سبتمبر/أيلول 2015، بعد أن فرّت عائلته من الصراع في سوريا، التقط مصور صحفي صورته، وانتشرت الصورة والقصة سريعاً، وارتفعت التبرعات لدعم اللاجئين السوريين، لكن لماذا استحوذت صورة الطفل على مخيلة العالم؟ ربما لأنها يمكن أن تحدث في أي مكان في العالم؛ بقميصه الأحمر البسيط والبنطال القصير وحجب تفاصيل محددة لم تمكننا من رؤية وجهه، لقد كانت ملابسه بسيطة جداً لدرجة أننا ربما نراها على أي طفل، وكان من المتوقع بالنسبة إلينا أن نتخيل طفلاً آخر أحببناه في مكانه.

في المقابل، فإن التفاصيل مهمة عندما تعمل على استخدام قوة سرد القصص لمساعدة الناس على التفكير بشيء ما من منظور جديد، وتساهم إضافة تفاصيل بصرية محددة حول شخصية أو موقف في جعلهم يرون الأمور بطريقة جديدة؛ فقد يكون لدى القُرّاء تحيز أو أحكام مسبقة أو مجموعة من الافتراضات. ينبغي أن تكون القوى الاجتماعية التي تشكل قضية ما ضمن سياق القصص التي ترويها حول القضايا الاجتماعية؛ مثل المشكلة التي يجب التغلب عليها، أو تحديد ما يشكل قرارات البطل. كان الشيف والكاتب والصحفي التلفزيوني الراحل أنتوني بوردان خبيراً في هذا النهج، وكان يتحدث في برنامجه على «شبكة سي إن إن» بعنوان «أنتوني بوردان: أماكن مجهولة» (Anthony Bourdain: Parts Unknown)، في شكله الخارجي عن الطعام والسفر، والذهاب في مهام لاستكشاف أطباق لذيذة وثقافات فريدة لا يستطيع معظم الناس تخيلها، لكنه كشف أيضاً عن الظلم والفقر والصراعات والانتصار خلال رحلته.

كيفية تطبيق هذه الرؤية: هل تروي قصصاً بمقدمة وأحداث ونهاية، أو أنك تنشر الرسائل فقط؟ ما هي الأفكار الجديدة التي سيكتسبها جمهورك بعد سماع هذه القصص؟ هل قصصك مثيرة للاهتمام بما يكفي لتستحق الاستماع، حتى لو لم يكن المستمع متحمساً لقضيتك؟ وهل تستخدم نهج إخفاء التفاصيل أو إظهارها في أماكنها الصحيحة لمساعدة الناس على اكتساب أفكار جديدة حول المواضيع والقضايا التي يفترضون أنهم يعرفونها جيداً؟

منظور جديد

إذا وجدت أنّ استراتيجة التواصل في مؤسستك لا تنجح، خذ بالاعتبار ما يلي: لا يفشل الناس في الاستجابة لأنهم لا يمتلكون معلومات كافية، بل لأنهم لا يهتمون أو لا يعلمون ما الذي يريدون فعله، لكن إذا بدأت بهذا المنظور كأساس لعملك، يمكنك وضع استراتيجية تشدّ اهتمام الناس من خلالها، وتخبرهم بالضبط ما الذي تريدهم أن يفعلوه.

أنت لا تملك وقتاً لتهدره خلال سعيك لجعل العالم مكاناً أفضل، وإنّ نهج استثمار موارد التواصل لديك من خلال نشر المعلومات فقط، لن يلهم أي شخص لدعم قضيتك. إذا كنت تريد أن يشاركك الناس، فعليك أن تجذب انتباه الجمهور، وأن تبيّن لهم كيف يمكنهم إحداث فرق.

يمكنكم الاطلاع على النسخة الإنجليزية من المقال من خلال الرابط، علماً أنّ المقال المنشور باللغتين محمي بحقوق الملكية الدولية. إنّ نسخ نص المقال بدون إذن مسبق يُعرض صاحبه للملاحقة القانونية دولياً.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى